Saturday, June 5, 2010

رجوع تركيا على متن "أسطول الحرية"

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والعاقبة للمتقين


إطباق أفراد وحدة "الشيطيت" البحرية الإسرائيلية على سفينة "مرمرة" التركية فجر الاثنين في 31 أيار (مايو) الماضي، والصدام الدامي بين الجنود المقتحمين والأتراك المدافعين، وسقوط قتلى وجرحى بين ركاب السفينة، وانبعاث حملة إعلامية هائلة ضد إسرائيل تلفّ أرجاء العالم من غربه إلى شرقه، مما لم يكن متوقعاً بهذه الكيفية، لا يمكن اعتباره منعطفاً تاريخياً، بالنسبة لانحياز الغرب إلى اليهود، أو استسلام العرب وتبعيتهم لإسرائيل، بل هو كذلك في المسار المتصاعد جيوسياسياً (جيوبوليتيكياً) لتركيا المعاصرة التي تمشي مترنحة بين جذور إسلامية وصبغة علمانية، حيث يحاول رئيس الحكومة طيب رجب أردوغان اللعب في أفنائها، مجنّداً الرأي العام التركي المشبع بعواطف إسلامية قومية مختلطة، كي يخرج ببلده من العزلة التاريخية والجغرافية الغارق فيها منذ إلغاء الخلافة في اسطانبول عام 1924، نحو الفضاء العثماني السابق، وليكون منافساً ناعماً لمشروعين إقليميين راهنين: إسرائيل وإيران، وليخلط الأوراق دفعة واحدة، فتركيا الأتاتوركية الحليف التقليدي للغرب وإسرائيل، والعضو في حلف شمال الأطلسي، حاولت القيام أخيراً بدور الوسيط بين أمريكا وإيران حول الملف النووي، وقبل ذلك، عام 2008 بين سوريا وإسرائيل حول هضبة الجولان.
وبرعايتها لـ"أسطول الحرية" بهدف كسر الحصار المضروب على غزة، وسقوط بعض ركابها الأتراك على يد الكوماندوس الإسرائيلي، تمكنت تركيا أردوغان من احتلال مركز متقدم جداً في وجدان الرأي العام في سائر العالم الإسلامي، بل تربعّت في المرتبة الأولى مؤقتاً، وبأقل حجم من التضحيات!
وهذا هو إجمالي الحراك التركي الذي انطلق مع وصول أردوغان إلى رئاسة الحكومة عام 2003، فكان رفض أنقرة فتح الجبهة البرية ضد العراق انطلاقاً من أراضيها خلال الغزو الأمريكي في العام نفسه، ثم الاصطدام بالمشروع الكردي الانفصالي ابتداء بكركوك حيث التنازع على ملكيتها بين العرب والأكراد والتركمان[1]، ثم استئناف حرب العصابات في جنوبي الأناضول من جانب حزب العمال الكردستاني رغم إعلان زعيمه المعتقل عبد الله أوجلان الهدنة من طرف واحد عام 1998[2]، واتجاه تركيا جنوباً نحو سوريا بعد انسداد البوابة الأوروبية أمامها حتى أجل غير معلوم، لتحقِّق قفزة بهلوانية من العراق المقفل أمامها، والذي تتقاسم النفوذ فيه، إيران وأمريكا، نحو سوريا - الحلقة الوسيطة في الهلال الشيعي - مستفيدة من لحظة الضعف التي تمرّ بها دمشق بسبب انسحابها المتعجّل من لبنان واتهامها تكراراً بالمسؤولية عن اغتيال رفيق الحريري، ربيب آل سعود، والرجل المدلّل في عواصم القرار.
وكان الدخول الأولي خلال حرب تموز على لبنان عام 2006، وتعزّز الدور التركي الجديد خلال الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2009، ثم كانت الخطوة الرمزية البالغة الدلالة حين أدان أردوغان قتل إسرائيل للأطفال في غزة بحضور الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، في إحدى الجلسات المشهودة لمؤتمر دافوس في العام نفسه، وانسحب أردوغان من المؤتمر بسبب عدم إتاحة الفرصة له لإيضاح مراده، والرد على بيريز[3]. وتأتي محاولة كسر الحصار على غزة أخيراً من خلال سفن التموين المشحونة بناشطين سياسيين وإعلاميين من أكثر من 30 جنسية مختلفة، والصدام العنيف مع البحرية الإسرائيلية في أعالي البحار، ليشكّل الحادث ذروة الجهد التركي لاختراق المنطقة رمزياً ومعنوياً من باب القضية الفلسطينية التي تستخدمها إيران حالياً بأقصى طاقتها لتحقيق مشروعها التوسعي.
وهنا تُطرح ثلاثة أسئلة جوهرية:
-هل كان "أسطول الحرية" فخاً تركياً محكماً كما تقول مصادر إسرائيلية وأمريكية لتحريض العالم على إسرائيل؟ وإذا كان كذلك فما هي الآثار المحتملة؟ وهل دخلت تركيا فجأة على المعادلة الشرقية لتكون لاعباً رئيسياً إلى جانب القوى المتنافسة أو المتصارعة؟
-وسواء كان فخاً مقصوداً أم لا، هل يؤدي الحادث إلى وقف عملية السلام مع الفلسطينيين، أو صرف الأنظار عن الملف النووي الإيراني، وهنا تساؤل وجيه عن توقيت إطلاق الرحلة البحرية لكسر حصار غزة بعد تهافت الصفقة الإيرانية التركية البرازيلية حول تبادل اليوارنيوم في تركيا[4]، في حين نجحت واشنطن في كسب تأييد روسيا والصين لفرض العقوبات المشددة على إيران، وأسقطت ذلك الاتفاق عملياً؟
-وأخيراً، وهو سؤال مشتق مما سبق، هل كان هدف "أسطول الحرية" كسر الحصار حول إيران من بوابة غزة وتأجيل النظر في العقوبات المتشددة ضد إيران في مجلس الأمن؟ وبالمقابل، هل يمكن أن تقوم تركيا بهذه العملية المعقدة خدمةً لإيران؟ وما هي مصالحها المفترضة حينذاك؟
قبل تناول تلك التساؤلات، نتطرق أولاً إلى الحوافز الاستراتيجية التي تنتاب تركيا المعاصرة، ثم ندلف إلى الملابسات التي أظلّت رحلة "أسطول الحرية" وما جرى في سفينة "مرمرة"، لنصل إلى الاستنتاجات التي هي بمثابة الإجابات عما سبق.
أولاً، الحوافز الاستراتيجية:
بقيت تركيا الخلافة لقرون مضت وحتى سقوطها بنهاية الحرب العالمية الأولى، القوة المهيمنة إسلامياً، وقوة كبرى في شمالي إفريقيا وجنوبي أوروبا والشرق الأوسط، كما كانت مركز الإمبراطورية التي سيطرت في القرن الخامس عشر الميلادي على البحرين المتوسط والأسود، وكانت أيضاً المحور الاقتصادي لقارات ثلاثة، تسهيلاً أو تحكّماً بحركة التجارة في معظم القسم الشرقي من الأرض. لذلك فإن الانكفاء التركي خلال التسعين سنة الماضية لم يكن الوضع الطبيعي في المنطقة، وكان على تركيا التعامل مع الأزمة الداخلية منذ سقوط الخلافة العثمانية، وبروز نفوذ فرنسا وبريطانيا في الشرق الأوسط، بعد تقاسمهما المنطقة، ثم ظهور الولايات المتحدة كقوة عالمية كبرى ونشوب الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفياتي، وهو ما جعل تركيا عالقة في موقعها الجغرافي المتوسط بين المعسكرين. وكان من المستبعد توسيع نفوذها في أي اتجاه في ذلك الحين، لكنها راكمت ببطء على مدى العقود السالفة، مقومات القوة الأساسية الصاعدة، لا سيما في مجال النمو الاقتصادي، حتى أصبحت في عام 2006، في المرتبة الـ18 عالمياً في الإنتاج القومي الإجمالي، مع نسبة نمو سنوية تتراوح بين 5 و8%، واستمرت لأكثر من خمس سنوات. وتقع تركيا مباشرة بعد بلجيكا وتتقدّم على السويد، في حجم إنتاجها القومي، كما يُعتبر اقتصادها الأكبر بين البلدان الإسلامية بما فيها السعودية، كما بالنسبة إلى شرقي المتوسط وجنوب شرقي أوروبا والشرق الأوسط والقوقاز وصولاً إلى جبال الهندوكوش، وعليه تسترد تركيا موقعها التقليدي الأول في المنطقة، حيث حقّقت ذلك رغم عدم قبول عضويتها في الاتحاد الأوروبي، بل ربما تحقق هذا بسبب رفض أوروبا لها!
لكن المشكلة تكمن في أن نموها ما زال هشاً ويمكن أن يرتد إلى الوراء، رغم أن تركيا حالياً قوة إقليمية اقتصادية رائدة، والأكثر حركية أيضاً، إضافة إلى أن موقعها الجغرافي يتيح لها، أن تكون ممراً لإمدادات الطاقة إلى أوروبا التي تحاول التقليل من اعتمادها على روسيا في هذا المجال، وهذا ما يزيد من نفوذ تركيا اقتصادياً والذي يمكن تلمسه في كل مكان، كعنصر مضاف على علاقتها الاستراتيجية مع إسرائيل. وبالمقابل، فإن التوسع الاقتصادي يصطدم في كل اتجاه، بالتوترات السياسية والعسكرية الموروثة، فدخولها إلى منطقة البلقان يحدّ منه توترها التاريخي مع اليونان، وانتشار نفوذها إلى القوقاز يعوقه التوتر التاريخي مع أرمينيا، وتوترها مع أكراد العراق يمنع توسعها جنوباً، ما عدا الخرق الذي أحدثته أخيراً مع سوريا، كما أن تناقضها الأيديولوجي مع إيران كان يسدّ عليها النفاذ شرقاً، لكن التقاطع المثير بين الدولتين بشأن الملف النووي وفلسطين، يمكن أن يفسح المجال أمامها، في هذا الاتجاه. وعليه، فإن نمو الاقتصاد التركي المتوازي مع تعاظم القوة العسكرية سيواجه عقبات عدة باستمرار العداوة المتبادلة بين أنقرة والدول المجاورة، ما سيؤدي لاحقاً إلى الحدّ من هذا النمو[5]، وهذا هو مغزى الاختراقات الأخيرة التي حاول أردوغان إحداثها مع أعداء تركيا التاريخيين، روسيا وأرمينيا واليونان وإيران وسوريا والأكراد. وما دام الأمر كذلك، فإن تحولاً عميقاً كان منتظراً في العلاقة بين تركيا وإسرائيل، فأنقرة العلمانية المعزولة والمنكفئة كانت تحتاج إلى إسرائيل ذات العلاقات المميزة مع الولايات المتحدة والغرب عامة، لكن مع نجاح تركيا أردوغان في كسر الحصار، تتضاءل الحاجة إلى إسرائيل. وهذا المعطى الجديد يُضعف تلقائياً التيار العلماني ومعه الجيش نفسه حامي جمهورية أتاتورك، وإلا كيف تمكن أردوغان من إفشال مؤامرة الانقلاب عليه، ثم فكّك التنظيم السري، واعتقل المتورطين من كبار الجنرالات العاملين والمتقاعدين؟ فالعزلة الإرادية أو القسرية جغرافياً ومعنوياً عن المحيط الطبيعي كان ثمن اعتراف الغرب بتركيا الحديثة، حيث أُنيطت السلطة بالجيش وعملائه. لكن أردوغان اكتشف أخيراً أهمية المواجهة غير الموازية، فلما بدأ بزحزحة الأسوار الخارجية تساقط أعداؤه في الداخل.. ولما ينتهوا بعد.
ثانياً، ملابسات "مرمرة":
لكن ما هو غير مفهوم تماماً، هو كيف انزلقت إسرائيل إلى الميدان الذي أعدّه لها أردوغان؟ وأين كانت حسابات نتنياهو عندما قرّر إرسال البحرية الإسرائيلية لاعتراض "أسطول الحرية" في المياه الدولية؟ ولماذا اختار الكوماندوس الإغارة على السفينة التركية دون غيرها؟ وهل كان ذلك بدافع الانتقام من إهانات "وادي الذئاب" وأشباهه؟
تتناقض الروايات باختلاف المصادر، فالناشطون المفرج عنهم أكدوا أن الجنود الإسرائيليين أطلقوا النار أولاً على ركاب "مرمرة"، الذين لا يملكون ما يقاومون به، فيما أكدت إسرائيل أن جنودها تعرضوا لهجوم منسق من الناشطين الأتراك المسلحين بالعصي والسكاكاين والمسدسات (التي استولوا عليها من بعض الجنود)، وأن بعض عناصر وحدة "الشيطيت" حوصروا على متن السفينة وكادوا أن يقعوا أسرى، فما كان من رفاقهم إلا أن طبقوا قواعد الاشتباك المعروفة لدى التعرض إلى مخاطر جدّية، وأطلقوا الرصاص الحيّ دفاعاً عن النفس. وما أقلق المصادر الإسرائيلية أن نخبة الجنود لم يكونوا مستعدين لمواجهة متظاهرين على متن سفينة في عرض البحر، في حين أن الناشطين كانوا مصممين على الدفاع عن السفينة وكأنها جزء عضوي من أرضهم الأم، وأنه كان من الأفضل لو أُرسل حرس الحدود لكونهم أكثر تكيفاً مع ظروف مشابهة، والسؤال هو لماذا هوجمت السفينة على بعد 80 ميلاً، وليس على بعد 20 ميلاً حيث تقيم إسرائيل حصارها على قطاع غزة، فباتت العملية مناقضة لقانون البحار، وعملاً إجرامياً بحسب القوانين الدولية والقانون الدولي الإنساني، أي جريمة موصوفة بكل المعايير المعتمدة اليوم لدى قوى الغلبة في العالم[6].
وعن الأبعاد المحتملة للفخ التركي، يقول الخبير الاستراتيجي الأمريكي جورج فريدمان[7]: إن مهمة أسطول الحرية كان استفزاز الإسرائيليين إلى أقصى مدى، ومن ثَمَّ إظهارهم أمام العالم غير عقلانيين ومتوحشين، من أجل عزلهم عن المجتمع الدولي، وربما إحداث فجوة بين إسرائيل والولايات المتحدة، وإثارة نزاع داخلي في إسرائيل نفسها. ولو ردّت إسرائيل بشكل منطقي لتجنّبت الفخ التركي، لكن حكومة نتنياهو اختارت القيام بعرض قوة في عرض البحر حتى تقطع الطريق أمام تدفق سفن أخرى لاحقاً، لو نجح "أسطول الحرية" في كسر الحصار، بما يُضعف موقف الإسرائيليين أمام حركة حماس. فكان الاعتراض الفجّ وفق استراتيجية إسرائيلية معتمدة على أعلى المستويات، ومهما تكن العواقب السياسية.
ويرى فريدمان أن الاستراتيجية التركية الراهنة تستخدم أساليب الدعاية الصهيونية خلال الحرب العالمية الثانية، لكن ضد إسرائيل هذه المرة، ويوضح أن اليهود شنوا على بريطانيا حملة مركزة عندما حدّدت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وكانت الحملة آنذاك تهدف إلى تصوير اليهود وكأنهم ضحايا أطماع الإمبراطورية البريطانية في الشرق، وأن العرب ينفذون المرحلة الثانية من المحرقة التي بدأها هتلر، وكانت الذكرى ما زالت ندية في أوروبا، فنجحت الاستراتيجية الصهيونية في تأليب الرأي العام ضد بريطانيا، وهذا أثّر حتماً على مواقف القادة السياسيين الذين يأخذون بعين الاعتبار اتجاهات الناخبين، حتى لو كانوا مضلََّلين.
أما "أسطول الحرية" الذي رعته تركيا، فيهدف حسب فريدمان إلى أمرين:
-أولاً، إحداث شقاق بين إسرائيل والدول الغربية من خلال تأليب الرأي العام ضد الحصار المضروب على غزة.
-ثانياً، إحداث شقاق داخل إسرائيل بين من يرى خطورة العزلة الدولية الناتجة عن حصار غزة، وبين من يرى الخطورة في إضعاف الموقف الإسرائيلي تجاه حركة حماس.
ويستنتج فريدمان أخيراً أنه من المهم أن تنجح إسرائيل في تصوير "أسطول الحرية" على أنه مؤامرة، سواء وقف وراءها المتطرفون أم لا[8]، لأنه إذا خسرت إسرائيل الرأي العام في الغرب فلن يلبث أن يلحق به السياسيون.
كما أن مجزرة "مرمرة" تتيح الفرصة لأردوغان كي ينأى بتركيا عن علاقتها التاريخية بإسرائيل، وبعدما سالت الدماء التركية على يد الجنود الإسرائيليين في البحر المتوسط، فإن مقاومة الجيش والعلمانيين ستكون أضعف بكثير، وسيكون الفراق بين البلدين أسهل.
ثالثاً، الاستنتاجات:
1-كانت حكومة أردوغان تدرك بالضرورة عواقب إرسال "أسطول الحرية" إلى شواطئ غزة وتحدي الحصار الإسرائيلي، حيث كان من المتوقع أن يتعاظم الضغط العالمي حينذاك على إسرائيل كي تسمح للقافلة البحرية بالوصول إلى مبتغاها، وذلك كلما طال الوقت. وكان منطقياً في هذه الحالة أن تقوم إسرائيل بحركة استباقية قبل وصول الأسطول إلى حدود المياه الإقليمية فتقع في الحرج، بمعنى أن سيناريو الصدام كان متصوّراً من تركيا ومن إسرائيل على حد سواء، وكان الطرفان على أهبة الاستعداد للمواجهة، لكن حجم الخسائر كان خارج كل الحسابات، فكانت ورقة قوية بيد تركيا للمضي قدماً بسيناريو مقاربة الشرق عن طريق غزة.
2-أما إيران فكانت مؤيدة لـ"أسطول الحرية" من حيث المبدأ، وهي تعمل دائماً على توجيه الأنظار في العالم نحو ما تفعله إسرائيل في الأراضي المحتلة، وذلك يحقّق لها هدفين متلازمين: تلميع صورتها أمام العالم الإسلامي وتمييع الموقف الدولي من مسألة الملف النووي. لكنها لن تكون مسرورة بالتضحيات التركية التي دخلت السباق واحتلت الصدارة بسرعة فائقة، لا سيما وأنه لدى تركيا أفضليات كبرى على إيران، من حيث القدرة على الاختراق المعنوي في المنطقة.
3-ليس محتملاً أن تتغير فوراً المسارات والسياقات الاستراتيجية التي سبقت مجزرة "مرمرة"، فالعقوبات المشددة على إيران ماضية في طريقها، وكذلك مسار المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، كما الحصار على غزة، لكن إذا تصاعدت الأزمة بين تركيا وإسرائيل وصولاً إلى أحداث غير مسبوقة بين البلدين، فإن العالم سينشغل بالتأكيد وسيضع المسائل الأخرى في درجات أدنى في سلم الأولويات، لكن المفترض أن مشروع أردوغان الأساسي هو الظهور بمظهر القوة الناعمة واستخدام الأساليب الناعمة.
4-كشف قائد جهاز الموساد مئير داغان في تصريح نادر، بعد 24 ساعة فقط من اعتراض سفينة "مرمرة" أنه "لولا التراجع المطرد للقوة الأمريكية في العقد الفائت، والانطباع السائد عن إدارة باراك أوباما أنها هشة إزاء الخيارات العسكرية لحل الأزمات لما انحسرت هوامش التحرك عسكرياً ودبلوماسياً أمام إسرائيل".
فمن الذي استنزف قدرة أمريكا عسكرياً واقتصادياً وأخلاقياً منذ عام 2001؟ ومن الذي أجبرها على الإتيان برجل أسود ذي خطاب ناعم لتبديل صورة الولايات المتحدة؟ ومن الذي جعل إسرائيل نقمة لأمريكا بدل أن تكون نعمة عليها؟
وبالإجمال من الذي صدّع النظام ذا القطب الواحد، فأتاح لدول إقليمية عدة أن تطلّ برأسها من جديد بعدما فقدت الأمل أمام الجبروت الأمريكي؟



[1]- اعتقلت القوات الأمريكية في العراق مجموعة من القوات الخاصة التركية قرب مدينة كركوك في نيسان (أبريل) 2003، بعد أيام من سقوط تكريت، وهذا الحادثة المذلة للجنود الأتراك، أوحت بفكرة تطوير اتجاهات المسلسل التلفزيوني التركي الشهير "وادي الذئاب" والذي أحدث أزمة دبلوماسية بين إسرائيل وتركيا، في كانون الثاني (يناير) 2010.


[2] - ألمح أردوغان بعد أيام من حادثة "مرمرة" إلى أن وراء عمليات حزب العمال الكردستاني ضد الجيش التركي جهات خارجية، وذلك في سياق تعليقه على العملية الإسرائيلية في عرض البحر، بل إنه قارن بين إرهاب حزب العمال والإرهاب الإسرائيلي.

[3] - إقرأ التفاصيل على هذا الرابط:
http://arabic.cnn.com/2009/world/1/3...aza/index.html

[4] - أنظر تفاصيل الاتفاق على هذا الرابط:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/A...FB5426C189.htm

[5]- George Friedman, The Geopolitics of Turkey, July 31, 2007, Stratfor.



George Friedman, Flotillas and the Wars of Public Opinion, May 31, 2010, Stratfor. -[7]


[8] - حاولت إسرائيل إدخال تنظيم القاعدة طرفاً في المسألة الشائكة بينها وبين تركيا، حين ادعت أن بعض الناشطين الأتراك المعتقلين، ينتمون إلى جمعية خيرية محظورة بسبب تقديمها المساعدات للمسلمين في البوسنة مطلع التسعينات خلال الحرب الشرسة التي شنها عليهم الصرب، وتُعرف باسم جمعية المساعدة الإنسانية الإسلامية، أو IHH، وقد أسسها نائب من حزب الرفاه عام 1992، ولأنها ساعدت المسلمين البوسنيين فكأنها حكماً فرع من فروع القاعدة‍‍!

No comments:

Post a Comment