Tuesday, June 1, 2010

سراب التراجعات وأسراب المتساقطين ابو محمد المقدسي

سراب التراجعات وأسراب المتساقطين

اللهم سلم

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين الذي بُعث بالسيف بين يدي الساعة؛ القائل فيما رواه أحمد وغيره عن أبي ذر : ( لغير الدجال أخوفني على أمتي ) (قالها ثلاثاً)، قال قلت: يا رسول الله، ما هذا الذي غير الدجال أخوفك على أمتك ؟ قال: ( أئمة مضلون ).

كل يوم نسمع حكاية وقصة جديدة من القصص التي تحاك لصناعة تراجعات وإعداد منتديات ولقاءات واجتماعات وندوات يجتمع أصحابها وتنفض اجتماعاتهم عن مهازل ووثائق وقرارات مضحكة مبكية .. تصب كلها في سراب التراجعات الذي حذرنا ربنا عز وجل منه، ونبهنا إلى أنه أسلوب من أساليب الكفار في الكيد للدعوة والدعاة فقال : ( وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )

وتلك اللقاءات أو الندوات وما يصدر عنها من وثائق وقرارات ..

- مضحكة لأنها ليس لها نصيب من التأصيل الشرعي ولا حظّ من البحث العلمي، ومع ذلك يعبث أصحابها الذين ما شموا رائحة العلم ولا ذاقوا طعم التقوى والفهم؛ يعبثون بأصول الملة ويلعبون بعراها الوثقى؛ ويحاكون الجهابذة ويزاحمونهم في النظر في فتاواهم واجتهاداتهم والتلاعب بها وابطالها وتحريفها، ولا نكير عليهم ولا حسيب أو رقيب على عبثهم هذا وتلاعبهم وتحريفهم للدين مادام ذلك منسجما مع رغبات السلطان؛ بل يمسون ببركات تلك الرغبات؛ العلماء الثقاة والباحثين المحنكين والأكاديميين الفاهمين؛ ويخرج عبثهم وتلاعبهم وينشر تحريفهم للأمة على أنه ثمرة أبحاث مضنية ونتيجة أطروحات ساهم في وضعها وإخراجها العلماء الثقاة..
- وهي مبكية أيضا لأنها تدل على أن معظم المتصدرين للناس اليوم في عالم الفضائيات والذين تصل أصواتهم في زماننا إلى الناس في كافة أرجاء المعمورة عبر الإعلام العميل؛ هم أناس لا يجوز أن يؤتمنوا على بضع أعنـز بل على بضع دجاجات؛ لأنهم لصوص وحرامية وقطاع طرق؛ فضلا عن أن يؤتمنوا على الدين والملة وتوضيحها للأمة ..
في أرجاء المعمورة توزعت طوائف من هؤلاء اللصوص؛ صدرتهم الحكومات في منابرها، ووسعت عليهم في وسائل إعلامها للفتوى والإضلال والجدال بالباطل عن سياسات السلطان والطعن والتشكيك في أنصار الجهاد؛ هذه هي مؤهلاتهم الحقيقية التي أهلتهم لاعتلاء تلك المنابر السلطانية والتصدر في تلك الوسائل الاعلامية والدعوية، والقائمون على تلك المنابر والوسائل لا يهمهم غير هذه المؤهلات، لذلك لو تقدم لمحاولة اعتلاء تلك المنابر وتولي تلك الوسائل من لا يخضع لتلك المؤهلات من الدعاة الصادقين والعلماء المؤهلين علميا وشرعيا فلن يحظى بالموافقة ولو حظي لعزل لاحقا ..
عندنا من جنس أولئك اللصوص طائفة لا تحسن كما قال الشيخ الفاضل أبو مالك ( محمد إبراهيم شقرة ) : إلا سرقة الأموال والأقوال، تسلقوا على ظهره فكان والدهم وشيخهم وسيدهم وخيرهم؛ فلما صدح بالحق وخالفهم علنا؛ انقلبوا وتطاولوا عليه فصار شرهم بل ربما وابن شرهم !!
اتصل بعض هؤلاء بالشيخ محمد حسان في مكالمة مفبركة نشروها على الشبكة العنكبوتية أشبه بمسرحية سخيفة بل هابطة !!
والشيخ محمد حسان له على الشبكة محاضرات يقرر فيها أن العمليات الإستشهادية مشروعة بل يعلن بكل جرأة : ( أن الذي يقول أن من يقوم بها منتحر كذاب، بل يكذب على الله ) فهو يرى أن من يسمي هذه العمليات بالإنتحارية كاذب على الله؛ ويثني على بعض العمليات في فلسطين والعراق ويستبشر بها؛ سمعت ذلك بنفسي ولم يحدثني عنه أحد، ثم لا يلبث أن ينقلب على نفسه؛ في اتصال لهؤلاء اللصوص به فيقر تلك التسمية الكاذبة التي استعملها أحد أولئك اللصوص الكذابين - بل الذين يكذبون على الله كما قرر الشيخ سابقا - ولا ينكر استعامل ذلك اللص لهذه التسمية (الانتحارية) !! بل يصف في رده من يقوم بتلك العمليات : (بأنه جاهل وخارج عن الحق) !! ويزيد حين سأله اللص عن القاعدة والشيخ أسامة بن لادن حفظه الله يزيد قائلا: (والله لا أقر ما يفعلونه لأنه لا دليل على صحة ما يفعلون من الكتاب والسنة) !

بينما يقول عن طاعة ولاة أموره أنها (واجبة؛ واجبة على أي مسلم يؤمن بالله ورسوله)

فكأن ما يفعله ولاة الأمور تشهد لصحته الأدلة من الكتاب والسنة ولذلك فطاعتهم واجبة واجبة !! بينما ما يقوم به المجاهدون (فلا دليل على صحته من الكتاب والسنة) !! ولذلك فالتبري منهم علنا واجب والتحذير منهم أيضا واجب والانحياز إلى صف أعدائهم واجب .. إلى آخر الواجبات المعروفة في قاموس علماء السلطان .

كنا نكرر دوما أن التفاف العوام حول الدعاة والمشايخ السلفيين أفضل في المآل من التفافهم حول المبتدعة، هكذا كنا نرى الأمر منذ زمن الشيخ ابن باز والعثيمين ونحوهم؛ كنا نرى هذا حتى وإن كانت عندنا ملاحظات لا نتحرج من ذكرها ولا نستحيي من التنبيه عليها خصوصا في فتاواهم ومواقفهم تجاه ولاة الخمور ..وذلك لأننا مع التجربة وجدنا أن تخرج الناس وتعلمهم على أيدي هؤلاء المشايخ يعلمهم على الأقل طلب الدليل وجزءا لا بأس به من الحق والسنة والعلم النافع؛ ويبقى حكم الحكام وتفاصيل الموقف منهم وما يتعلق بذلك من ولاء وبراء وجهاد؛ يتلقاها الصادق من الناس بيسر في قابل الأيام حين يخرج من بوتقة تقليدهم والانبهار بهم؛ إن كان طالب حق لأن على الحق نور، كما جرى لكثير من شباب الجزيرة لما خرجوا من بوتقة الجزيرة إلى ساحات الجهاد أو ساحوا في الشبكة العنكبوتية ..

لكن يجب أن يعلم أن منح هؤلاء المشايخ تلك المناصب وتمكينهم من وسائل الإعلام ومنابر التوجيه لا يرضى به الطواغيت، ولا ترضى به سيدتهم أمريكا ما لم يبذل له ثمن محدد؛ هو الطعن في الجهاد والمجاهدين ولو بعد حين، فلا يهم ولاة الأمور سواء أدفع هذا الثمن نقدا أم نسيئة؛ المهم أن يدفع ويبذل ولو بعد حين .. وأحيانا يكون لدفعه نسيئة أثرا أبلغ، وذلك بعد أن يتمكن الشيخ من قلوب الناس ويستحوذ على حبهم وثقتهم واحترامهم؛ فيبث سمه الزعاف حين يجد التوقيت المناسب دون نكير أو رقيب .. والله على ما يقول حسيب !! فينقلب على أقواله السابقة التي أسر بها قلوب الناس ونال بها ثقتهم ويسعى في اجتثاثها من الجذور ..

والانقلاب على الجذور يأخذ صورا شتى في زماننا .. ففي الجزيرة التي كانت مهد رسالة التوحيد، ودعوتها في السابق واللاحق؛ وصل تحكم الرويبضة وانقلابهم على الدين الذي بفضله قامت الدولة هناك في بادي الرأي، ووصل التراجع والتخاذل والانبطاح في بعضهم إلى أن ينقلب الأولاد على آبائهم؛ فيطعن الرجل في أبيه علنا على صفحات الجرائد، ويتبرأ من نهجه علانية في الصحف الخبيثة ويتهمه بالتشدّد ويصنفه بأنه من أصحاب المؤخرات المفخخة ..!! فأي عقوق للدين والوالدين أكبر من هذا ؟

يقول أحد من انقلب على أجداده في مقالة له بعنوان (شيء من أصحاب الأقلام وأصحاب المؤخرات المفخخة) : ( يخطئ من يظن أن هناك تشدداً محموداً ليس بالضرورة أن ينتهي إلى الإرهاب، وتشدداً مذموماً هو على سبيل (الحصر) الذي يفضي إلى الإرهاب. هذا خراط فاضي، التشدد ملة واحدة، ومنهج، وطريقة استدلال، وتهميش لكل من يختلف معك، وامتلاك للحقيقة، وبذور تبذرها في الأرض، وتتولاها بالرعاية والسقاية والحماية، لتكوّن (بالضرورة) في النهاية ثقافة الإرهاب.)اهـ.

هذا الكلام والعنوان لمنافق متخاذل من أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب تعَلْمَن وتلَعّن وتعصرن وانقلب على جذوره ليتهم والده على صفحات إحدى الصحف العلمانية ( الجزيرة ) بالتشدد الذي هو عنده ملة واحدة وأصحابه هم أهل الارهاب بل هم أصحاب المؤخرات المفخخة !!

يقول الكاتب محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ في مقالة أخرى له :في الصحيفة نفسها : ( وأتذكر بهذه المناسبة ما حدث عندما فرضت الدولة التلفزيون؛ ومثل أي جديد صَعّدَ المتشددون - ومنهم والدي رحمه الله - ورفضوا اقتناءه، واعتبروه من المحرمات....... وتوفي - رحمه الله - ولم يدخل بيته التلفزيون ) اهـ

أرأيتم الانتكاس والعقوق والخذلان !

إذن فهو بهذا وبتذكيره بمقالته السابقة؛ يصنف والده المتشدد في نظره لأنه صعّد مع المصعدين ضد فرض الدولة للتلفاز؛ يصنفه بأنه كان من أصحاب المؤخرات المفخخة !!

ومن باب أولى أن يدخل - عنده - في عداد أصحاب هذا النوع من المؤخرات جده الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ الذي لولا أن ساقه الله لولاة أمر الكاتب المذكور لما كانت لهم دولة تذكر !! ولبقوا مع البدو الرحل بين الغنم والبعارين ..

إذن القصة أصبحت انقلاب على الجذور ونبش في القبور لاستخراج التراجعات ..

ولذلك ففي ماردين في جنوب تركيا تلك المدينة التي لي فيها ذكريات سأشير إلى بعضها في آخر هذه الكلمات اجتمعت ثلة بل حثالة من مشايخ التسول والانبطاح، اختلط فيهم الصوفي مع الحكومي مع المذهبي مع الحزبي .. جمعهم شيء واحد هو الانقضاض على الفتوى الماردينية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يريدون بعثه من قبره كي يعلن تراجعاته أيضا !! ظنا منهم أن في ذلك اقتلاع لجذور الإرهاب من أصولها؛ بعد أن يئسوا من قصقصة فروعها وتوهين أركانها !!

لا أشك طرفة عين أن وراء هذا الاجتماع أنظمة تدفع لتحصل على أي شيء في هذا الاتجاه، وتنفق للصد عن سبيل الله، ولست مطالبا على اثبات أن للّيل ظلمة بدليل؛ ويكفيني قول ربي عز وجل : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) )

اجتمع أولئك الحمقى لطمس احدى فتاوى شيخ الإسلام وعلم الأنام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله وهي الفتوى الماردينية في تعريف الديار وتقسيمها .. فخرجوا بوثيقة تصيب من طالعها بالغثيان، وتساعد بجدارة من كان محتاجا للاستفراغ والتقيء..

ولئن فشل هؤلاء الأحبار وأسيادهم واندحروا عن صد الشباب المجاهد عن نصرة دينه ورفع راية توحيده، ويئسوا من حرفه عن طريق الجهاد والاستشهاد بالترغيب تارة، وبالترهيب تارة، وبالتدليس والتلبيس تارات وتارات؛ عبر الفضائيات وفي مؤتمراتهم المختلفة ومؤامراتهم المتلونة، فقد جاؤوا بعد هذا الفشل الذريع يحاولون افساد الجذور التي يتكئ عليها الشباب، والقواعد والأسس التي يعتمدون عليها في توصيف طواغيت العصر وأعداء الملة وحكمهم والموقف منهم ..

فاجتمعوا على فتوى من فتاوى شيخ الإسلام بخبث ومكر ودهاء، فبدأوا أولا بمدحها كونها جاءت في نظرهم بجديد من التعريفات وهي الدار المركبة، وأخذوا بمدح جرأة صاحبها كونه زاد هذا التعريف على تعريفات الفقهاء قبله؛ لأي شيء ؟؟ أحبا لشيخ الإسلام وعلمه وفيهم الصوفي والمذهبي بل والمتشيع !! بل ليسوّغوا لأنفسهم محاكات شيخ الاسلام وجهبذ الزمان بالاتيان بالجديد الذي يعود على فتواه بالتمييع والابطال ..

وخرجوا بأنه كما جاز لشيخ الاسلام أن يخالف الفقهاء قبله فيزيد هذا التعريف؛ فلهؤلاء الرهبان من علماء السلطان أن يفعلوا مثله فيحرفوا كلامه ويشوهوا مقاصده ويستدركوا عليه بل وينسفوا فتواه .

هنا قال الشيخ الجليل الذي أشرت إليه في مطلع حديثي حين كنت أحدثه عن ذلك : (تفو عليهم)

قلت : على رسلك فهم لا يستحقون بصاقك ..

إنه الانقلاب على الجذور والنبش فيها لاقتلاعها .. ولكن هيهات ..

والمضحك أن الأخبار المتحدثة عن هذا الاجتماع وصفت عصر فتوى شيخ الاسلام بأنها (فتوى تعود إلى القرون الوسطى ) !! وما دروا أن القرون الوسطى أو قرون الظلام كما يسمونها؛ إنما وجدت في أوروبا؛ وأما في بلادنا فقد كانت تلك القرون قرون نهضة وحضارة !! وليقروا إن شاؤوا التاريخ .

وما فهموا أن الفتوى التي تصدر وفقا لأنوار الشريعة وأدلتها؛ لا تهمّها ظلمات العصور الوسطى ولا تتضرر بمفاسدها . ما دام المصدر لهذه الفتوى هو ممن وصفهم الله بقوله : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )، وقوله سبحانه : ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ).

وليس من الحمر المجتمعين المصدرين لهذا الاعلان الذين ليس لهم من العلم إلا حمل أسفاره كالحمار يحمل أسفارا؛ وأما خشية الله مزية أهل العلم الربانيين، والصدع بالحق صفة الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله؛ فليس لأصحاب هذا الاعلان منها ما يفرح به . فأنّا للحمار أن ينال مثل هذه الصفات أو تخطر على باله أصلا .. إنما يصلح الحمار للركوب، ركوب اسياده عليه بل والرعاء وتسخيرهم له لحمل أثقالهم وأوزارهم وباطلهم ..إلى أن يزل حمار العلم في الطين ..

وكما تتخذ بعض أنواع الحمير للزينة ( وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ) فإنها تزين ببعض ألقاب هؤلاء وشهاداتهم وعمائمهم وأسمالهم أمثال هذه المؤتمرات وتفتتح بمباركاتهم كثير من تجمعات الضرار، أما قيادة الأمة والصدع بالحق ونصرة المجاهدين والافتاء بما يرضي الله وتقر به أعين الموحدين وتحر به أعين المجرمين فأنّا للحمار المركوب مثل هذا ..

ولذلك فقد أعلن هذا المؤتمر المارديني بغباء منقطع النظير أحط من غباء الحمير أنه (لم يعد هناك مجال لتطبيق فتوى ابن تيمية الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي التي تقضي بالعنف المتشدد، ولا لتقسيم المسلمين في القرون الوسطى للعالم إلى دار إسلام ودار كفر ).. ولخصت الصحف إعلانهم هذا بقولها (إن الفتوى التي كثيرا ما يسوقها الإسلاميون المتشددون لتبرير القتل لا يمكن أن تطبق في عالم يحترم حرية الاعتقاد والحقوق المدنية).

وتقصد الصحف طبعا بحرية الاعتقاد كما يفهم كل مطلع على الواقع؛ حرية الإلحاد والطعن في شريعتنا والتطاول على ديننا وشتم نبينا صلى الله عليه وسلم، فهكذا يمتطي الإعلام تلك الحمير ..

وأما الحقوق المدنية التي يتشدقون بها فهي مكفولة لشعوب أمريكا واليهود وشعوب أوروبا ونحوها .. أما الحقوق المدنية لأهلنا في فلسطين وأفغانستان والعراق والصومال واليمن وغيرها .. فتتكفل بها طائرات إف 16 والمدمرات المختلفة وصواريخ كروز وغيرها ..

وجاء في الاعلان الصادر كما هي العادة في الدعاية السلطانية لأمثال هؤلاء المشايخ أنه تم : ( بمشاركة ثلة مباركة من علماء الأمة الإسلامية من مختلف التخصصات ذات العلاقة لتدارس إحدى أهم أسس العلاقات بين المسلمين وإخوانهم في الإنسانية )

فتأمل كيف يستبدل من وصفهم البيان بأنهم ثلة مباركة من علماء الأمة !! يستبدلون - لا بارك الله فيهم - الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ فيستفتحون إعلانهم المتهافت هذا بما تسميه الماسونية بالأخوة الإنسانية ويستبدلونه بالأخوة الإيمانية التي امتن الله بها على أمة الإسلام، وبدلا من أن يعلّموا الناس بالعلم الذي انتسبوا إليه؛ هذه الأخوة الإيمانية، ويردوا ولاءهم وبراءهم إليها ويربوا المسلمين عليها، بدلا من ذلك يوجهونهم إلى هذه البدعة الخبيثة (الإخوة الانسانية) والتي يراد بها إماتة عرى الايمان الوثقى وتمييع دعائم الولاء والبراء بين المسلمين والكافرين، ومساواة المسلمين بالمجرمين، وهدم ما تقتضيه ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين من معالم تقتضي ابداء العداوة والبغضاء للكفار والبراءة من المشركين ومعبوداتهم ومناهجهم وشركياتهم .

ومن المضحكات حتى القهقهة؛ في هذه الوثيقة السلطانية أنها أناطت أمر الجهاد بولي الأمر !! وقررت بوقاحة بأنه (لا يجوز للفرد المسلم ولا لجماعة من المسلمين إعلان حرب أو الدخول في جهاد قتالي من تلقاء أنفسهم) وهذا هو المهم عند ولاة الخمور !! وهو مربط الفرس عندهم، بل عنه يربط الفرس ويؤسر الفارس .

ولا ندري كيف تجرأ المتآمرون المؤتمرون على اعلان ذلك وكيف قرروه؛ وهم يعلمون ويوقنون أن ولاة أمرهم قد أسقطوا فريضة الجهاد عنهم وعن العباد؛ بل قد ألغوها بكل أشكالها منذ زمان في دساتيرهم ومعاهداتهم ومواثيقهم؛ فلم يعد عند ولاة الأمور ! شيئا في زماننا يسمى جهاد؛ ولم يعد له وجود في أجنداتهم السياسية واستراتيجياتهم القريبة أو البعيدة .. بل قد ألغوه من قواميسهم فلا تجد هذه الكلمة فيها أبدا؛ وتجد بدلا عنها كلمة إرهاب ومشتقاتها، بالطبع ليوسم بها المجاهدون الصادقون والدعاة الصادعون ..

على كل حال لسنا بحاجة إلى تطويل في هذا المجال؛ فالمكتوب يعرف من عنوانه كما يقال؛ فتسمية المؤتمر بـ «مؤتمر قمة السلام» تُعرّف بأن أهم متطلباته هو العمل على هدم الجهاد من خلال إلغاء القول بتقسيم العالم الإسلامي إلى دارين (دار إسلام ودار حرب) وهدم أي شيء يتفرع عن ذلك ويمت إلى عرى الاسلام الوثقى بصلة؛ من ولاء وبراء وحب في الله وبغض في الله ومعاداة وموالاة فيه ومفاصلة وجهاد .. فكل ذلك ملغي محذوف منسوخ عندهم بحجة ما ذكروه من ( تغير الأوضاع في هذا الزمان ووجود المعاهدات الدولية المعترف بها وتجريم !! الحروب غير الناشئة عن رد العدوان ومقاومة الاحتلال، وظهور ما سموه بدولة المواطنة التي تضمن بزعمهم حقوق الأديان والأعراق والأوطان مما استلزم - في نظر المؤتمرين المتآمرين -؛ جعل العالم كله فضاءا للتسامح والتعايش السلمي بين جميع الأديان والطوائف ) ألا تبت أياديكم !

يتحدث هؤلاء الرهبان عن التسامح والتعايش السلمي، ويجتمعون لإبطال فتوى شيخ الاسلام التي بدت من خلال وثيقتهم وكأنها السد المنيع والمانع الحقيقي من التسامح والسلم والأمان الذي أوجدته في نظرهم الزائغ والضال المعاهدات الدولية المعترف بها !! فنشرت حتى الملالة التعايش السلمي الذي يشقشقون به !! فالتسامح الذي ينشده هؤلاء واضح للعيان في فلسطين مرورا بالقوقاز وأفغانستان وباكستان وكشمير وصولا إلى الصين وتركستان الشرقية، أما شرطة نيجيريا التي ذبحت آلاف المسلمين في الشوارع فقد رسخت بجدارة؛ التسامح الذي يتحدث عنه هؤلاء المغفلين ..

ذكرتني هذه المهزلة وذكرني هؤلاء الحمقى بكلمات سمعتها من مرافق لنا حين زرت ماردين قبل عقدين أو زيادة من الزمان مع بعض الأفاضل الكويتيين بقصد المساهمة في إيصال معونات إغاثية للأكراد المنكوبين في مذبحة حلبجة في ذروة حكم صدام وجبروته؛ فبعد أن تكلمنا للإخوة الأكراد عن مصدر التبرعات والمساعدات التي أحضرناها وأنها من إخوانهم المسلمين في البلاد التي قدمنا منها وليس من حكومات تلك البلاد لأن حكام بلادنا من حيث الاجرام لا يختلفون عن صدام؛ وكان هذا التوضيح على أثر شكر بعض الأكراد لحكومات البلاد التي قدمنا منها وبالغ في ذلك حتى شكر فهد وجابر ونحوهم؛ ولأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة بيّنا خطأ ذلك الفهم وضلال ذلك الشكر عن مستحقيه وانحرافه إلى غير مستحقيه؛ وبالغ أحد أحبابنا في تفصيل البيان حتى ذكر حاكم تركيا آنذاك سليمان ديميريل ولقبه بالطاغوت والكافر؛ في سياق بيان كفر الحكام ووجوب البراءة منهم وعدم الاغترار بإيوائه لهم؛ الشيء الذي أغضب مرافقينا الذين كانا من المتأثرين بأصحاب الأفكار الاستصلاحية والشبه الإخوانية الإستحسانية التي لا ضوابط لها؛ فذهب يسترضي القائمين على مخيمات اللاجئين بكلمات مداهنة ويعتذر من كلمات صاحبنا بكلام قال في بعضه مخاطبا لأحد أفراد الاستخبارات التركية المسؤولين عن حراسة المخيم كلاما مجمله : لعل الله يدخلكم الجنة بهؤلاء المساكين؛ يعني بسبب سماحهم لنا بإيصال المواد الاغاثية للمنكوبين الأكراد ..

فعجبنا له بعد أن أنكر علينا بياننا لكفر الطواغيت ودعوتنا إلى البراءة منهم؛ كيف يزج نفسه بهذه الطامة ويعكس ويلبس التوحيد بتجويز دخول الجنة لمن يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض بالفساد؛ بمجرد سماحهم لنا بإيصال المساعدات !! وحاولنا أن نفهم ذلك المرافق؛ أن ما منّى به ذلك العين لنظام أتاتورك مخالف لأصول عقدة المسلمين؛ لأن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به، واسترسلنا في ذكر الأدلة له، ونحن نودع ماردين السلام !! بسيارتنا، إلا أنه كابر وجادل وماحك وأصر على رأيه، بل ذكر لنا حكاية يتمثل بها إخواننا الأتراك مفادها أن محمد الفاتح لما فتح القسطنطينية (استنبول) دخل هو وبعض جنوده أضخم كنيسة فيها آنذاك وهي (أيا صوفيا) فوجد القساوسة مشغولين عن سقوط مدينتهم بالخلاف على صورة صوروها للسيدة العذراء؛ مختلفين ومتطاحنين أين يجب أن تعلق في كنيستهم !! على هذا الحائط أم ذاك؛ ليخلص من هذه الحكاية بأننا شغلنا أنفسنا بهذا الأمر الذي لم يستوعب مرافقنا أنه من أهم الأصول والقواعد التي يجب على المسلم فهمها، وكأنه رآنا وفقا لقصته هذه منشغلين بشيء من السفاسف في الوقت الذي يعاني فيه هؤلاء اللاجئين المساكين من الجوع والبرد وسط ثلوج ماردين ... وكأنه ذهل عن أننا مع حملنا لهذه الدعوة الغالية بين صدورنا؛ إلا أننا لم نقصر وسعنا مع هؤلاء اللاجئين فقد قطعنا البلاد وتجشمنا الحدود لنوصل إليهم ما جمعناه لهم من المساعدات ..

لم يكن مرافقنا يعلم أن ماردين ستشهد في قابل الأيام اجتماعا سينفض عن وثيقة للتراجعات يريد علماء السوء من ابن تيمية أن يعلنها بعد قرون .. وأن قصته تلك عن القساوسة والرهبان تنطبق على أصحاب العمائم في هذا الاجتماع المارديني بحذافيرها؛ فالمؤتمرون المتآمرون يريدون بوثيقتهم هذه تدجين الأمة وتخنيث أبطالها، وتحويل صقورها إلى بغاث، في الوقت الذي استأسد فيه على الأمة كفار الشرق والغرب وساموها سوء العذاب، وأهان شريعتها وسخر من نبيها شذاذ الآفاق ..ولم يعد يجدي في العلاج إلا السيف الوهاج ..

ألا فليعلم أولئك الرهبان المضلين وساداتهم الذين سخّروهم وامتطوهم .. أن لا رجعة لنا عن سبيل التوحيد والجهاد؛ وأن لا تردد عندنا في نصرة دين الله بالسنان وباللسان، وأن مراجعاتهم ووثائقهم واجتماعاتهم ومؤامراتهم وضغوطهم وكيدهم ومكرهم لن يزيدنا إلا إصرارا على هذا السبيل وثباتا عليه، وأن أسراب المتراجعين وسراب التراجعات لن تفت من عضد أبناء هذه الدعوة ولن توهن من همة أبطال هذا الجهاد .. فقد جعلوا نصب أعينهم دوما ما جاء على لسان نبيهم في وصف الطائفة المنصورة القائمة بدين الله من أنهم ( لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله ).

ويستذكرون دوما وصيته صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الطبراني في الكبير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ...( ... ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم، قالوا: يا رسول الله كيف نصنع؟ قال: كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله ).

( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )

وكتب أبو محمد المقدسي



http://tawhed.ws/r?i=31051001

No comments:

Post a Comment