Tuesday, June 1, 2010

انتهى عهد النوم يا مسلم ::: لأبي سعد العاملي .

انتهى عهد النوم يا مسلم

بقلم؛ أبي سعد العاملي

بسم الله الرحمن الرحيم، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وسيد النبيين وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:

{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}...
هذا شعار المسلم المسئول، شعار ينبغي أن يقذف في قلوبنا الإحساس بالمسؤولية، والخوف على مصائرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، ما خلقنا الله عبثاً ولا من أجل الأكل والشرب والنوم والتناسل، فتلك مهمة البهائم، لتكون في خدمة بني البشر، أما الإنسان فقد خلقه الله تعالى لمهمة أسمى وأرفع وأعلى، هي عبادة الله تعالى وخلافته في الأرض، {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}.
وهذه المهمة السامية والعظيمة في آن واحد، تحتاج همة عالية، ويقظة دائمة، وشعور بالمسؤولية لا يتوانى ولا يضعف، بقدر حجم هذه المهمة، وبقدر حاجياتها وتبعاتها.

الحياة قبل الانتماء:
يقول رب العزة وهو أصدق القائلين: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون}.
ذلك أن الإنسان يكون أشبه بالميت خارج دائرة الإسلام، كيف لا وهو يسير بلا اتجاه ولا غاية ولا هدف محدد، سوى تلبية الشهوات واتباع الهوى، شأنه شأن الأنعام، بل أضل، كما قال رب العزة: {أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون}.
فالنقلة النوعية والميلاد الجديد يحدث للإنسان حينما يلتزم بدينه ويدخل في دائرة الإسلام، حينئذ يحس بثقل المسؤولية وتبعات هذا الانتماء، متجسداً في تلك الأوامر الربانية والتوجيهات النبوية المتتالية في القيام بما عليه من واجبات، والغريب العجيب أن المرء يحس بالسعادة والراحة وهو يقدم هذه التضحيات ويستنفذ الطاقات، دون أن يأخذ أي أجر مادي على ما يقدمه في سبيل دينه، وهذه لعمري قاعدة ومنطق لا تجده إلا في هذا الدين العظيم.
وكلنا يعلم ويتذكر بنود بيعة العقبة الثانية، والمقابل الذي كان ينتظره الأنصار من وراء هذه البيعة، فكان سؤالهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (فماذا لنا إن نحن بايعناك؟)، فكان يقول: (ولكم الجنة).
من هنا ينبغي أن نتعلم أن الالتزام بتعاليم هذا الدين والانتماء إلى دائرته لا يجب أن يكون مبنياً على مصالح مادية أو شخصية، بل يكون المسلم مرتبطاً بالله عز وجل أولاً وآخراً، لا ينتظر أجراً من أحد، بل هو الذي عليه أن يقدم كل ما يملك للحفاظ على دينه وعقيدته، لكي يكون من الرابحين في تجارته مع الله عز وجل؛ {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم}، وكذلك في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبةً في جنات عدن ذلك الفوز العظيم}.
فالحياة في هذا الدين تبدأ أولاً؛ بهجر حياة الماضي بكل ما فيها من سلبيات ومحاولة كسر كل القيود القديمة التي كانت تمنع المسلم من الانطلاق والتحرر، ومن ثم تفجير طاقاته المخزونة - وما أكثرها - في عبادة الله عز وجل.

{قم الليل إلا قليلاً}...
تبدأ هذه الحياة بترك الراحة والدعة، وتسخير بعض الوقت في التقرب إلى الله آناء الليل وأطراف النهار، ويعتبر وسط الليل أو آخره من أهم هذه الأوقات على الإطلاق، ذلك أن المؤمن يتزود بطاقة ربانية تمكنه من التصدي لعواقب النهار والانتصار على الشهوات التي تلاقيه في الطريق.
إنه زاد روحي عجيب، يصاحبه المؤمن في رحلته اليومية مع هموم الدعوة وتبعاتها، يذيب بها كل العراقيل، وتنير له الطريق، والتجربة خير دليل.
ولا غرابة أن يفرض قيام الليل على المسلمين في بداية الدعوة، حيث دام أكثر من عام، {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}.
ولم يرفع عنهم إلا بعد أن تربى المسلمون وتزودوا ما فيه الكفاية لحمل أمانة الدعوة، وما يتبعها من أذى وابتلاء، ما كان لهم أن يتحملوها بغير ذلك الزاد الروحي الفريد - زاد قيام الليل -
وقبل البعثة النبوية؛ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزود في غارحراء أياماً وليالي عدداً، وكأن الله تعالى كان يعده للمهمة العظيمة التي ستلقى على كاهله، ألا وهي مهمة الدعوة وحمل رسالة التوحيد، والتي سيحملها وراءه كل موحد يؤمن بالله واليوم والآخر ورضي بهذا الدين العظيم.
إنها أمانة ثقيلة وتحتاج إلى رجال عظام، هم بدورهم بحاجة إلى زاد روحي كبير يمكنهم من تحمل تبعات هذه الأمانة؛ {وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم}.
إن قيام الليل علامة من علامات صلاح الأبدان وقوة النفوس، وهو بمثابة محطة تربوية للروح والبدن على حد سواء، محطة تزود وامتحان للنفس على تحمل المشقات والتعود على الحرمان والصبر على المحن، فالذي يترك فراشه الدافئ الوثير ليقف بين يدي ربه ناجياً وسائلاً وراجياً، لهو أجدر وأقدر على تحمل تبعات هذه الدعوة الثقيلة ولا شك.
وصلاة الصبح هي أقوي موانع الفتن، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث نزول الفتن عن أم سلمة قالت: (استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال: "سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن؟ وماذا فتح من الخزائن؟ أيقظوا صواحبات الحجر فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة")، وقال صلى الله عليه وسلم: (إني لأري الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر").
وذلك لأن صلاة الليل حرز من الفتن، صلاة الصبح تعدل قيام الليل، كما قال عليه الصلاة والسلام: (من صلى العشاء في جماعة كأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة كأنما قام الليل كله).
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى؛ فان صلاة الصبح تجعل صاحبها في ذمة الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى الصبح في جماعة كان في ذمة الله حتى يمسي...)([1]).

الاستفادة من تجارب الآخرين:
على رأس هؤلاء يبرز الشيطان الرجيم؛ كنموذج للمخلوق الذي يسعى لتحقيق أهدافه ونيل غاياته، بالسهر والمثابرة والإصرار، وهو درس لنا ينبغي الاستفادة منه، فما دام أن عدونا الأكبر والأبدي يقدم كل هذه التضحيات في سبيل الوصول إلى أهدافه، وما أهدافه سوى التخريب وإضلال العباد، ومحاولة جمع رفقاء السوء، بل رفقاء جهنم، يصلونها ليكونوا وقوداً ًلها وبئس المصير.
ثم لابد من النظر إلى الأعداء ومتابعة خطواتهم والاستفادة من تجاربهم، فبالرغم من أنهم على باطل؛ فإننا نرى عندهم استماتة وتضحية وإصرار على المضي في تحقيق أهدافهم.
إنهم ينفقون الأموال والأنفس في سبيل نصرة الباطل، ومن أجل الصد عن سبيل الله؛ {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرةً ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون}.
والأموال تعتبر من أعز ما يملكه الإنسان بعد النفس، رغم ذلك تراهم ينفقونها بلا حساب للصد عن سبيل الله، فهل نبخل نحن المسلمين والمؤمنين بما رزقنا الله من مال وصحة ومتاع، لنصرة الحق الذي سيرفع قدرنا في الدنيا والآخرة؟
لابد من الاستفادة من تجاربهم، في جميع مجالات الحياة، والاعتبار بهم، فنكون أحرص منهم في التعلم والتحصيل، وفي إخلاصهم في العمل، وفي حرصهم على الإنتاج والنجاح، وفي إصرارهم على تحدي العقبات، وكذلك في حرصهم على مؤسساتهم وكياناتهم بصفة عامة، كل هذا وهم في ضلال مبين.
كيف بنا ونحن نريد الآخرة، ونسعى إلى نشر الخير والحق بين الناس؟ كيف بنا ونحن نطمع فيما عند الله من الأجر والثواب، عزة وكرامة في الدنيا، ونعيم مقيم في الآخرة؟
ألا تستحق كل هذه الغايات النبيلة والأهداف السامية منا تضحية وفداء؟ تنازلاً عن بعض الأهداف الشخصية الآنية في مقابل الأهداف الباقية؟
نحن نريد أن ننقذ أنفسنا وأهلينا من عذاب النار أولاً؛ {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة}، ويتم ذلك عبر إنقاذ أنفسنا من ذل الظالمين وظلمهم؛ {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}، فالركون إلى الطواغيت وقبول ظلمهم والانقياد لهم وطاعتهم فيما يغضب الله عز وجل سيقودنا إلى غضب الله ومن ثم إلى عذابه في الآخرة، وبئس المصير.
ثم لننظر بعد ذلك إلى إخوتنا الذين سبقونا بالإيمان، لا أقول أخوتنا السلف فحسب، بل أتحدث عن الخلف أيضاً، الذين تركوا الديار والأهل والعشيرة والأموال، وهاجروا في سبيل الله من أجل نصرة دينه، في شتى بقاع الأرض، يبتغون فضلا من الله ورضواناً، لم تستطع الدنيا أن تأسرهم كما أسرتنا، ولم تلههم شهواتها ولا متاعها الزائل عن ابتغاء المتاع الحقيقي، جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، هؤلاء الأبطال، خلف السلف، يقضون الليالي بين قيام ورباط، والنهار بين دعوة وحسبة وجهاد، ما أبهى منظرهم وهم على هذه الحال، وما أسعد جليسهم ورفيقهم، لله درهم من خير حلف لخير سلف.
لقد طلقوا النوم والدعة والراحة، ورضوا لأنفسهم متاعاً ونوماً قليلاً، عسى أن يشفع لهم عند ربهم، ويعوضهم ما فاتهم من خير وأجر وثواب، طالما ضيعوه وحرموا منه في الأيام الخالية، لقد فهموا معنى الحياة، وأدركوا أن ما فيها ينفذ وما عند الله باق.
علموا أن لا خير في نوم عميق وراحة متواصلة واسترخاء عن أداء الواجبات، فكل ذلك مهلكة للنفس، وترك للثغور، وخذلان للحق الذي بايعوا الله على نصرته ونشره بين الناس، فلا يجتمع متناقضان، كما لا يجعل الله لرجل من قلبين في جوفه، قلب يريد الدنيا ومتاعها الزائل، وقلب يبتغي الآخرة ومتاعها المقيم.
نستفيد من هؤلاء ونتبع سنتهم وسيرهم، ننشرها بين الناس وهم أحياء، ونحث أنفسنا وغيرنا على الإقتداء بهم والموت على ما ماتوا عليه.
لقد قل النصير في هذا الزمان، وقل المخلصون لهذا الدين، فها نحن أولاء مدعوون للالتحاق بركب الدعوة والحسبة والجهاد، وهي سفينة النجاة التي ستنقذنا من الغرق، لا أقول الغرق في البحر، بل الغرق في الشهوات والملذات، وطول الأمل، غرق في ظاهره لذة ومتاع وفي باطنه خزي وندامة.
التحاق يبدأ بقيام الليل، والإقلال من الشهوات، والزهد المتواصل على ما في أيدي الناس من متاع زائل، سفينة النجاة هذه تريد ركاباً يكون وزنهم المادي خفيفاً، وارتباطهم بهموم الدنيا وتبعاتها أخف، بينما تشترط أن تكون همتهم عالية، ويقينهم في الله عظيم.
حينما نزل قوله تعالى: {يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر}، طوى رسول الله صلى الله عليه وسلم فراشه، وقال لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: (لقد انتهى عهد النوم يا خديجة)([2])، ومن يومها لم يشبع رسول الله صلى الله عليه وسلم نوماً قط، حتى لقي الله تعالى وقد أدى المهمة وبلغ الأمانة كاملة غير ناقصة.

نقول للمسلمين وللصادقين من أبناء هذه الأمة...
لقد انتهى عهد النوم، وحل محله عهد اليقظة والمثابرة والكد والجد، فكل ما حولنا يدعو إلى ذلك، وإنها مهمة الأنبياء والمرسلين، ولن ينتصر هذا الدين إلا برجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ولا يقيدهم نوم ولا راحة عن الدعوة والجهاد، {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}.

ربيع الأول / 1427 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
[1] من كتاب "علامات الساعة"، الشيخ رفاعي سرور.

[2] ذكره الأستاذ سيد قطب رحمه الله ضمن تفسيره لسورة المزمل، وقال عنه صاحب كتاب "تخريج أحاديث وآثار كتاب في ظلال القرآن": (لم أجده بعد بحث طويل، والأقرب عندي أنه ليس بحديث) اهـ [المنبر].

No comments:

Post a Comment