Wednesday, May 12, 2010

ما بعد البغدادي

ما بعد البغدادي

صفحة جهادية حافلة بالصعاب والعقبات، وكذلك الإنجازات، قد انطوت باستشهاد أبي عمر البغدادي وأبي حمزة المهاجر رحمهما الله، في لحظة كان فيها المجاهدون وأنصارهم في كل مكان، يتشوّقون إلى أن يكون هذان الجبلان من علامات ما بعد الانسحاب الأمريكي، بل أن يكونا من رموز النصر القادم بإذن الله، لكنّ اللهَ قدّر ما شاء أن يكون، فكان استشهادهما ختام مرحلة وافتتاح أخرى.


وعلينا إذاً، أن نستشرف ما هو قادم، وأن نستطلع ما هو محيط بنا من ظروف سارية أو متدافعة، وتطورات كامنة أو متنامية، وإذا كانت هذه مهمة قيادات الجهاد خاصة، ولسنا سوى مجتهدي رأي، بحسب متاح المعطيات، ولا نملك الصورة الأكمل من حيث إنه جهاد عالمي ضد عدو عالمي، فإن ما ندلو به نحن أنصار الجهاد لا يعدو أن يكون محاولات لاستبصار الطريق.


وبعدُ، يمكن استعراض الأمور التالية:


- جاءت ملحمة الثرثار قبل أشهر قليلة من تنفيذ انسحاب الوحدات الأمريكية القتالية من العراق، ثم تبعتها استهدافات مباشرة، ومنهجية، وغير عفوية، لقيادات من جماعات وفصائل أخرى (سواء فشلت أم لا)، لكن سلسلة العمليات في توقيتها ونوعها، تنبئ بأن استراتيجية ضرب القيادات هي المعتمدة منذ فترة، تمهيداً للأرض قبل الانسحاب. بل إن الإمعان في استقراء هذه الاستراتيجية، قد يشير إلى أن هذه العمليات ليست اختراقات استخبارية مفاجئة أو عشوائية، بل هي نتيجة جهود سابقة ومتراكمة، ظلت قيد الكتمان، إلى أن اكتملت المعلومات وحان الوقت لتوجيه الضربات المتلاحقة، تحقيقاً لمبدأ "الصدمة والرعب". وكأن غزو العراق يبدأ بصدمة (اغتيال صدام حسين) وينتهي بصدمات (اغتيال ما أمكن من قيادات الجهاد واعتقالهم). وكما كان الهدف آنذاك، هو قطع الرأس كي يتهاوى الجسد دون مقاومة، فيصبح العراق بمن فيه وما فيه لقمة سائغة للاحتلال الأمريكي، فإن الهدف الظاهري الآن، من قطع رؤوس الجهاد أن يقع العراق بكل ما فيه وما يرمز إليه، في يد إيران!


- لكن هذا الاستنتاج المنطقي يتضاد فوراً مع الاستراتيجية الأمريكية العامة، والتي ترفض بالمطلق أن يكون العراق سوى محمية أمريكية خالصة أو بالشراكة الجزئية الضمنية مع إيران، من باب التعامل مع الأمر الواقع، فهل اتُخذ القرار في واشنطن بتسليم طهران ملف العراق كاملاً أو معظم أوراقه مقابل تخليها عن مشروع السلاح النووي؟ وإذا كان هذا صحيحاً، فلماذا تُصمُّ الآذانَ طبولُ الحرب، والخبراء يتكهّنون بمواعيدها ويراهنون؟


قد يقال إن المسألة شائكة وليست بهذا التبسيط، وإن ما يجري في العراق هو شدّ وجذب متواصلين بين الولايات المتحدة وإيران، والصراع سجال بينهما، فيومٌ تتقدم فيه إيران ويومٌ تتغلب فيه أمريكا، وإذا كانت لعبة الانتخابات قد أخفقت في تنصيب عميل أمريكا إياد علاوي رئيساً للحكومة، رغم تدخل دمشق والرياض وعمان وأنقرة وغيرها، فإن "القائمة العراقية" التي اختزلت أهل السنة المنخرطين في العملية السياسية الأمريكية، ما زالت تمتلك أوراق الضغط المختلفة استناداً إلى واشنطن بشكل رئيسي، وتالياً فإن المعركة لم تٌحسم بعد، وما زال أمام أمريكا فرص أخرى.


- يضاف إلى ذلك، مسارات الصراع في أماكن أخرى وارتداداتها على العراق، أو انعكاسات المشهد العراقي على تلك المسارات، فالحرب الرئيسية التي يخوضها أوباما هي في أفغانستان وفي باكستان استطراداً، ولا يبدو أن إمكانية الحسم قريبة بالمنظور الأمريكي على الأقل، وحين نتناول النصر أو الهزيمة، فلا نقصد الميدان الحربي خاصة، إذ إن الحرب شاملة، وتغطي كل المجالات السياسية والاجتماعية والفكرية والإعلامية، وعليه فإن أوباما مضطر لتخفيف دور قواته في العراق للتركيز على أفغانستان، حتى لو زاد النفوذ الإيراني هناك، ما دامت أولوية الصراع هي ضد الإسلام السني الجهادي، فيما يبقى الرهان على العقل الشيعي الأكثر براغماتية (وفقاً لمبدأ الغاية تبرّر الوسيلة)، مع إمكانية تغيير السلوك الإيراني في المدى المنظور أو تفاعل عملية الهدم الداخلي التي تقوم بها المعارضة الإصلاحية.


- وقد طرأ عنصر جديد في المعادلة في تلك المنطقة، أدخل الرعب إلى البيت الأبيض، فمحاولة تفجير تايمز سكوير في قلب نيويورك، والتي تولاها المجاهد الباكستاني فيصل شاهزاد، وإن فشلت في تحقيق أهدافها المادية، لكنها نجحت أيما نجاح في تسطير آثارها النفسية، فالسيارة الملغومة لم تكتشفها الأجهزة الأمنية الأمريكية، ولم ترصد الفاعل المفترض كما فعلت في حالات سابقة في العام المنصرم[1]، بل كاد شاهزاد أن يسافر إلى دبي على متن طائرة إماراتية. ولولا الخلل التقني في العبوة المصنوعة من مواد أولية متوافرة في السوق، لكانت الكارثة السياسية بالنسبة لأوباما بالذات، والذي بنى مجده الانتخابي على مخالفة نهج بوش، وعلى اعتماد استراتيجية مختلفة تقوم على استمالة الرأي العام المسلم، وليس على إثارة غضبه.


والخلاصة أن عدد الجهاديين المفترضين في العالم هو من الاتساع بحيث يعجز أي جهاز أمني في العالم، عن توقع أفعالهم وإحباط محاولاتهم، وحماية كل المواقع المحتملة[2].


والأثر المباشر للفزع من الهجمات المباغتة للمجاهدين الأفراد، كان توجيه إنذار مباشر إلى حكومة باكستان، بضرورة شن الهجوم على شمالي وزيرستان[3]، رغم أن الجيش الباكستاني المستنزف والمنهك، يتهيّب من دخول معركة إضافية وهو لم يحسم بعد في الجبهات المفتوحة منذ سنوات، فضلاً عن وجود عائق سياسي جغرافي (جيوبوليتيكي)، فالبشتون على جانبي الحدود هم الورقة الاستراتيجية الرابحة لباكستان، وتوشك أن تخسر كل شيء إذا ما تمادت في الخضوع لمطالب واشنطن[4].


- ويدخل في الإطار نفسه، ما ينعكس من النزاع الأمريكي الإيراني على بلاد الشام، وبخاصة أنه للمرة الأولى منذ عام 1982، تتلقى سوريا تهديداً مباشراً شديد اللهجة من أمريكا وإسرائيل، بسبب قافلة صواريخ السكود التي دخلت إلى لبنان من سوريا، واكتشفتها الأقمار الصناعية، وكادت إسرائيل أن تقصف القافلة لولا التدخل الأمريكي الحاسم، لماذا؟ لأن لسوريا دوراً مفترضاً في ضبط الجبهة مع إسرائيل، ولأن لا قرار أمريكياً بانفلات المنطقة بما يخلّ بالمعركة الأساسية في أفغانستان وحواليها، رغم أن إيران وحلفاءها، تقوم باستعراضات عسكرية في مياه الخليج بالقرب من السفن الأمريكية وعلى الحدود ما بين لبنان وسوريا، إضافة إلى التصريحات الهجومية لمحمود أحمدي نجاد، والتي تدخل في نطاق التهويل النفسي، من شدة توقع الحرب في أي لحظة!


- وهناك إصرار أمريكي على استئناف ما يسمى بعملية السلام في فلسطين، رغم أن نتنياهو يرفض كل الضغوط الأمريكية عليه. وفي الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي يؤيدها قائد المنطقة الوسطى ديفيد بترايوس، لا بد من إيجاد أي حل لقضية فلسطين، لأن بقاءها دونما حل، يشكلّ خطراً على الأمن القومي الأمريكي وعلى قوات الجيش الأمريكي المنتشرة في تلك المنطقة ما بين باكستان وأفغانستان إلى العراق[5].


كما أن الاهتراءات السياسية جنوبي فلسطين، لا سيما في مصر والسودان والتوترات في حوض النيل، نزولاً إلى دول القرن الإفريقي الملتهب، وفيها مصالح استراتيجية للغرب، تفرض على واشنطن الإسراع بإقفال الملف الفلسطيني المزمن، للتفرغ للخطر الأساسي، وهو فكر القاعدة خاصة، ورعاية الأنظمة العميلة خوف سقوطها في المجهول.


والآن نعود إلى عمق الحدث نفسه، أي مغزى استشهاد البغدادي والمهاجر؟ وما هي الاتجاهات التي ستتخذها الأحداث القادمة؟ وما هي سمات المرحلة الجديدة؟


في البدء، إن اغتيال البغدادي ليس عملاً ميدانياً بحتاً، يهدف فقط إلى زعزعة دولة العراق الإسلامية وتقويض أركانها، بل إن أبعاده أكبر وأوسع، ولها ارتباط وثيق، بالحلقة المغلقة التي تنتج أجيال الجهاديين، كلما قضى منهم جيل انبرى آخر.


وباختصار أقول: إنها دعوة وجهاد، بل هي دعوة إلى الجهاد، وككل مجال من مجالات الدعوة إلى الله، لا بد من وسائل التبليغ، لتنبيه المسلمين إلى هذه الفريضة الجليلة. وبما أن زبانية النظام الدولي وأتباعه الصغار، يحتكرون الإعلام، كان لزاماً الهجرة إلى الإنترنت، لكن الشبكة العنكبوتية لا تصل إلى كل الجمهور، ولا يتواصل معها كل الجمهور.


ومع ذلك، نجح المجاهدون في التبليغ بأعمالهم وتضحياتهم في ميادين الوغى، وخاصة بعد غزوة نيويورك وواشنطن في 11 أيلول/سبتمبر 2001، وفق المعادلة التالية:


وسيلة إعلام (المنتديات الجهادية خاصة) = دعوة = تحريض = تجنيد = تدريب = جهاد = إنجاز ميداني.


ثم تستمر المعادلة إلى أن تعود من حيث بدأت أي:


الإنجاز الميداني يقوي الإعلام الجهادي، فتتصاعد الدعوة وما يليها من تحريض وتجنيد وتدريب وتدفق مجاهدين إلى جبهات القتال، وتتكاثر الإنجازات الميدانية على طريق النصر وهكذا دواليك.


وفي هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن العدو العالمي (واشنطن وحلفاءها)، قد حدّد نقطة التوازن والثقل، في قادة الجهاد الذين يشكّلون الدافع الأساسي لمعادلة الجهاد، وأنهم الجاذب الأهم للجهاديين المفترضين في كل مكان، ولوسائل الدعم المتنوع. فكان الاستهداف المركّز عليهم في العراق وغيره، بهدف كسر هذه الحلقة. فعندما يغيب القائد صاحب الإنجازات الميدانية المتراكمة، يحدث ارتباك مؤقت في الدورة المشار إليها، أي ينضب الإعلام من مادة الدعوة والتحريض إلى ما هنالك، فيتباطأ الدوران وربما يتوقف كما يظنون.


على أنهم حاولوا في السابق كسر كل مكونات المعادلة، ففشلوا في تعطيل المنتديات الجهادية، كما عجزوا عن وقف انتشار كلمات القادة في وسائل الإعلام المرئي خاصة، رغم التشويش على مقاصدها.


كما سعوا وما زالوا يسعون باجتهاد لا نظير له، لتفريغ مضمون الدعوة، من خلال محاولة تجويف فرض الجهاد من مضمونه الحقيقي، ومحاولة إسقاط فتاوى ابن تيمية أخيراً، ناهيك عن السعي لإيجاد مرجعيات إسلامية بديلة وتقوية أخرى، وتشجيع جماعات تحمل اسم الجهاد، وهي تجعل من الجهاد شعاراً وأداة لتحقيق طموح سلطة أو بعض سلطة، أو شبه سلطة، واختراع منتديات "جهادية" وما إلى ذلك.


وعليه، هذه القراءة الشمولية للحدث تهدف للتأكيد على أن استشهاد البغدادي والمهاجر، لم يخلّا بالتوازن الميداني، وهو مختلّ أصلاً وبقسوة بالغة، ومنذ فترة ليست قصيرة، بل إن الذي اختلّ هو الميزان المعنوي، وهذا يضع عبئاً كبيراً على أنصار الجهاد لاسترداد زمام المبادرة.


أما الرد المناسب والضروري، فلا يقتصر على الإعلام طبعاً، بل بواسطة المعادلة نفسها، التي تربط بين الدعوة والجهاد برباط محكم.


وبما أن جبهة العراق ليست منفصلة عن الجبهات الأخرى، وإن كانت تتميز بمواصفات بالغة الأهمية، لأسباب ديموغرافية وجغرافية عدة، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مفاجأة في الداخل أو مفاجأة في الخارج، أو إلى الاثنتين معاً، وهذا هو الأفضل.


أما مفاجأة الداخل، فأن تتمخض الأحداث المتوالية عن شكل جديد من العمل، قد يكون تجمعاً مباركاً لمجاهدي العراق تحت راية واحدة، بعدما ثبتت أضرار التفرق، والتي أشار إليها البغدادي أكثر من مرة وخاصة في خطابه الأخير رحمه الله.


فيما المفاجأة الثانية، وهي ليست بعيدة بحول الله تعالى، وهي أن يفتح الله على يد المجاهدين جبهة جديدة من الصراع، وهذا أمر لم يعد بعيداً، بالنظر إلى ما سبقت الإشارة إليه في مطلع المقال.


وعلى كل حال، فإن مرحلة ما بعد البغدادي تتسم بالغموض الشديد، بالنسبة لواشنطن وعملائها، فرغم ما يظهرونه من ارتياح إلا أن القلق يساورهم حقاً من المجهول القادم.




[1] - في المحاولات الثلاثة التي أُحبطت عام 2009، رصدت الأجهزة الأمنية اتصالات المشتبه بهم، وبعضهم اخترقتهم الأف بي آي حتى تقبض عليهم بالجرم المشهود، ومن المفيد الاطلاع على الثغرات التي وقعوا فيها في تقرير ستراتفور المشار إليه في الهامش التالي.

[2] - Ben West and Scott Stewart, Uncomfortable Truths and the Times Square Attack, May 6, 2010, STRATFOR.

[3] - http://atimes.com/atimes/South_Asia/LE08Df01.html
http://www.nytimes.com/2010/05/09/world/asia/09pstan.html?ref=weekinreview


[4] - Peter Zeihan, Three Points of View: The United States, Pakistan and India, April 28, 2010, STRATFOR.

[5] - http://www.cfr.org/publication/21985...straction.html

No comments:

Post a Comment