Sunday, May 9, 2010

إخبارُ الأحباءِ بمراتبِ الحبِّ والبغضِ والولاءِ والبراءِ

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على محمد؛ عبد الله ورسوله، وآله وصحبه، وبعد...
فإن الولاء والبراء هما في الإسلام من أعظم مستلزمات التوحيد الخالص الذي بعث الله تعالى به النبيين وسار على نهجه الصديقون والشهداء والصالحون.
وكما أن الولاء يعني المحبة والنصرة لله ورسوله والمؤمنين، فإن البراء يعني البغض والعداوة لكل عابد لغير الله تعالى ولكل معبود سواه ولكل تابع لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل متبوع سواه.
ولما كانت عقيدة الولاء والبراء هي جزء من هذا الدين، وكان كثير من المسلمين يقعون -في الوقت الذي تنتشر فيه البدعة وتشتد فيه الفرقة- في الفتنة عن حقيقة هذه العقيدة ومراتبها، بسبب الجهل بكثير من أحكام الشريعة، مما يؤدي إلى عدم لزومها والعمل بها وبما تقتضيه وتفرضه من أقوال وأعمال وعقائد.
لما كان الأمر كذلك، وجب أن تكون هناك وسائل سهلة للتذكير بهذه العقيدة ومراتبها.
فلأجل ذلك كانت هذه الرسالة، عسى الله أن ينفع بها ويجعلها سبباً للهداية والرشاد.

اعلم أخي المسلم...
أن علاقتنا مع الناس؛ هي ولاء وبراء، ولاء على الإسلام والإيمان والإحسان، وبراء من الكفر والفسوق والعصيان، وولاؤنا وبراؤنا إنما هو على هذا المنهج الذي أجمعت عليه الأمة ووجب علينا أن نجتمع عليه -لا على فرد ولا على طائفة- ألا وهو الكتاب والسنة، على ما كانت عليه الجماعة الأولى في الاعتقاد والقول والعمل، من غير تبعيض لأحكامه أو تحريف لنصوصه ومعانيه.

الجزء الأول؛ مراتب الولاء:
فأما الولاء؛ فهو المحبة والنصرة في الله تعالى، وهو ثلاثة مراتب:
المرتبة الأولى؛ الولاء لجماعة المسلمين:
وجماعة المسلمين؛ هي الأمة الجامعة لكل من وُلد في الإسلام أو دخل فيه، ولم يرجع عنه أو ينقضه بناقض.
وموالاتها - أفراداً وشعوباً -؛ واجبة في شريعة الله، كما أن معاداتها أو موالاة غيرها من الأمم؛ هو موجب للكفر والخروج من الإسلام وخلع رقبته من الأعناق، {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55 - 56]، وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71].
المرتبة الثانية؛ الولاء لأهل السنة والجماعة:
وأهل السنة والجماعة؛ هم الفرقة الناجية من فرق الأمة، وهم من كان في الإسلام على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في الاعتقاد والقول والعمل.
روى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن معاوية رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أن أهل الكتاب قبلكم تفرقوا على ثنتين وسبعين فرقة في الاهواء، ألا وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين فرقة في الأهواء، كلها في النار، إلا واحدة، وهي الجماعة).
ومن رواية الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن الفرقة الناجية؟ قال: (ما أنا عليه وأصحابي).
المرتبة الثالثة؛ الولاء للطائفة المنصورة:
وأهل الطائفة المنصورة؛ هم من كان في الإسلام من أهل السنة والجماعة، قائماً فيهم مقام الإمامة والكفاية في العلم والدعوة والجهاد في سبيل الله تعالى.
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى ياتي أمر الله وهم على ذلك).
وفي حديث آخر: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، لعدوهم قاهرين، حتى تقوم الساعة).
الجزء الثاني؛ مراتب البراء:
المرتبة الأولى؛ البراءة من الكفار والمشركين:
والكفار والمشركون؛ هم كل طائفة -فرداً كانت أو جماعة- من أهل الكفر الأصلي من كتابيين ووثنين أو من أهل الكفر الطارئ -وهم المرتدون-
والبراءة منهم؛ أصل من أصول التوحيد، ينتقض بانتقاضه ولا يقوم إلا على أساسه.
وتكون على قدر كفرهم بالله وإشراكهم به وعداوتهم لله ولرسوله وللمؤمنين.
قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]، وقال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22].
المرتبة الثانية؛ البراءة من عمل أهل البدعة والفرقة:
وأهل البدعة والفرقة؛ هم كل فرقة انتسبت إلى الإسلام وطرأ عليها من البدع والمحدثات ما أخرجها عن منهج الفرقة الناجية في الاعتقاد أو القول أو العمل، على قدر ما أتت من ذلك - قلة وكثرة - في أصول الدين أو فروعه، ولم يدخلها في الكفر لعدم وقوعها في بدع مكفرة أو مع وقوعها في ذلك لوجود مانع من الموانع المعتبرة شرعاًَ.
المرتبة الثالثة؛ البراءة من عمل العصاة من أهل السنة والجماعة:
وهم من يرتكب من الذنوب الكبائر والصغائر ما لا يخرجه عن السنة والجماعة، ولكنه يُنزله - على قدر ما أتى من ذلك - منزلة دون منزلة الإحسان والصلاح والسبق إلى الخيرات.
قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71].

وختاما نقول:
طوبى لمن استكمل هذه المراتب وارتقاها -ولاءً وبراءً- وتدرج في مراقي القرب ليكون من أولياء الله -حقاً وصدقاً- ومن أصفيائه وخلصائه -نعمة من الله وفضلاً- والله يؤتي فضله من يشاء، {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247، 261].
فإذا أردت أخي المسلم أن تكون لله ولياً فأطعه واتقه جهدك، يكن لك ما تريد؛ {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62 - 63].
وعلى قدر أهل العزم تكون العزائم، وعلى قدر الطاعات تُرفع الدرجات، والأمر كما قال الله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60].
والله ولي التوفيق على كل حال.


بقلم الشيخ الشهيد -بإذن الله-
أبي عبد الله الميلودي زكريا

نقله أخوكم عن منبر التوحيد والجهاد.
لتصفح وتحميل المادة اضغط (هنا)

No comments:

Post a Comment