Monday, May 31, 2010

« ملا عولقي» و « ملا برادلي»


« ملا عولقي»
و
« ملا برادلي»




قبل عملية الضابط الأمريكي نضال مالك حسن في قاعدة فورت هود بولاية تكساس في 6/11/2009، والتي أودت بحياة 13 جنديا أمريكا وإصابة 31 آخرين؛ وكذا عملية طائرة ديترويت التي نفذها النيجيري عمر الفاروق في 25/12/2009، لم يكن أحد يسمع أو يعلم القليل أو الكثير عن شخصية الشيخ اليمني أنور العولقي. لكن بعد العمليتين صنفته الولايات المتحدة الأمريكية ثاني أخطر رجل مطلوب في العالم بعد الشيخ أسامة بن لادن! والعجيب في التصنيف الأمريكي أنه لم تسبقه أية مؤشرات تبرره إلى هذا الحد.

فكل ما سمعناه أن للرجل علاقة محتملة بمنفذي العمليتين، وأنه شخصية بليغة أكثر ما تتميز به القدرة على التأثير والإقناع. وهذه ليست تهمة ولا يمكن أن تكون كذلك إلا إذا كانت الولايات المتحدة ستحاسب الشخص على مواقفه وقناعاته ومعتقداته ومواهبه وسماته الشخصية وبلاغته وقدرته في اجتذاب الآخرين.

العولقي ليس عضوا في القاعدة لا من قريب ولا من بعيد. فلا هو ذهب إليها ولا هي زعمت أنه منها. فهو داعية ليس من هذا الصنف الشرقي ولا الغربي، بل أن القاعدة هي التي اقتربت منه مؤخرا وليس هو من اقترب منها، وهي من أعلن استعداده لحمايته بينما هو في حماية قبيلته وقبائل أخرى في اليمن. بعد عدة شهور من الصمت نجحت مؤسسة الملاحم الإعلامية التابعة لقاعدة الجهاد في جزيرة العرب في اقتناص مقابلة حصرية معه في 23/5/2010 لم تحظ بها أية وسيلة إعلامية حتى الآن، وفي المقابلة التي استمرت طوال 45 دقيقة قدمته المؤسسة بالصفة التي يرغب الظهور بها والعمل بها والعيش بها: « اللقاء المرئي مع الشيخ الداعية أنور العولقي»، وتحدثت معه.

لا شك أن من شاهد اللقاء أصابته الدهشة لدقة الإجابات ووضوحها، والتشخيص الدقيق لحقيقة الصراع مع الولايات المتحدة، والبراعة في تصويره بمصطلحات معبرة مثل « ملا عمر» و« ملا برادلي»، فضلا عن قدرة الرجل على امتصاص أعتى الأسئلة، والرد على الشبهات بجمل مختصرة تذكر باللقاء المقتضب جدا لأبي منصور الناطق الرسمي باسم حركة الشباب المجاهدين في الصومال مع قناة الجزيرة وهو يرد على حملات التشويه التي يشنها الخصوم بجمل خبرية وجيزة جدا لكنها شديدة البيان.

ينقل العولقي في لقائه المرئي عن أحد المسؤولين البارزين في وكالة المخابرات المركزية « CIA» القول: « إذا قام لنا ملا عمر أقمنا له ملا برادلي, ... لديكم علماء صادقون ؟ ... نحن أيضًا لدينا علماء ولكنهم مزيفون. أنتم سترفعوا الملا عمر؟ نحن سنرفع من جهتنا ملا برادلي». والحقيقة أن مضمون المقابلة كان مثيرا بقدر ما بدت شخصية العولقي أكثر إثارة خاصة وأن مجموع الأخبار التي نشرت حولها بالكاد تسمح بتفسير بعض الأسباب التي تجعل دولة بحجم الولايات المتحدة تعلن الحرب على هذه الشخصية وتجهد في استصدار قرار من الكونغرس الأمريكي يسمح بقتل مواطنين أمريكيين.

يوجد من العولقي الكثير في الأمة.
لكن ما من عولقي يحتل مكانته في الزمان والمكان.
فهو طليق وليس في السجن، ويتنقل بحرية كما يقول في مقابلته، ويتمتع بحماية القبائل اليمنية، وعدو للولايات المتحدة في مجتمع يكرهها، ومعروف للقاصي والداني، وعقلية أكاديمية وشرعية، وشخصية تترك بصماتها حيث تحل.
لكن كل هذا لا يكفي لتبرير الحملة الأمريكية عليه.

في الحقيقة لم يسبق لي أن كتبت نصا واستشرت فيه أحدا، ولم أشعر أنني بحاجة إلى تفسير دقيق كما شعرت هذه المرة مع شخصية العولقي خاصة وأن فهم شخصية ما يحتاج إلى خبير وليس إلى مصادر معلومات ومراجع. وشاءت الأقدار أن أتعرف، قبل أسابيع، على خبير عربي في التحليل النفسي، وخاصة في قراءة الشخصيات. هذا الخبير الفذ أصبح صديقي. يكفي أن يجالسك، لمرة واحدة كما حصل معي، ويبدأ في التفرس بوجهك وحركاتك وإيماءاتك حتى يقول لك من أنت بالضبط بشرط ألا تغضب. ولأنني أثق بقدرات صديقي المحلل فقد بعثت له رسالة مرفقة بصورة للشيخ العولقي وروابط لقائه مع مؤسسة الملاحم إذا تطلب الأمر، ولم أطلعه قط على قراءتي لشخصية العولقي ولا على أية ملاحظة. لكني طلبت منه أن يستعمل كل قدراته وفراسته وذكائه ودقته في قراءة الشخصية موضع السؤال. ورغم أنه أطال في الإجابة إلا أنه لم يخذلني، وكان منه هذا الرد:

أخي الدكتور أكرم تحية طيبة وبعد .. إن تحليلي لشخصية هذا الشيخ ألخصه في الأمور والنقاط التالية:

• هذا الشيخ يحمل قضية ويعيش من أجلها .. أما قضيته فهي الإسلام العظيم.

• هو من الشخصيات الممتلئة بالثقة .. ثقة بالنفس، وثقة بعدالة القضية التي يتبناها.

• كما أنه صاحب عزة بعيدة المدى، ومتجذرة في النفس، وهذا الأمر يتضح من خلال عينيه الثاقبتين، واللتان ترسلان رسائل إيجابية وعميقة جدا.

• التحدي هي سمة شخصية الشيخ. وهذه الصفة يصعب كسرها أو مساومتها بأي شكل من الأشكال.

• هذا الرجل مفطور على القيادة والريادة. وهذا الأمر واضح جدا من خلال كلماته المنتقاة وحركات جسده الذي يستخدمه بشكل فاعل ومؤثر.

• ثقافته الشرعية والسياسية ثقافة واسعة وتحليله للأمور والمسائل يطابق الواقع.

• أبرز صفات وسمات الشيخ أنور هي ( المصداقية .. الشفافية .. الجراءة في قول ما يعتقده حقا ).

• وهو أقرب إلى السلفية الجهادية إن لم يكن أحد قادتها وزعمائها والتي تتصف أحكامها بالحدية في إطلاق الأحكام والتي لا تعرف المساومة والمهادنة في القضايا المصيرية والمسائل العقدية.

• الشيخ يحسن الإجابة على السؤال الصحيح (Y0U MUST ASK THE RIGHT QUESTION TO FIND THE RIGHT ANSWER ). –

• وهو شديد الحذر وشديد الدقة في الحديث والكلام ويصعب استدراجه لأنه مدرب في النواحي الأمنية.

• كما إنه شديد الاحترام لنفسه وللآخرين. وهو يعشق البطولة والأبطال. كما أنه رجل مسعر حرب إذا كان معه رجال، لأنه صاحب مبادرات وأفعال وليس صاحب أقوال فقط.

• مسألة الولاء والبراء واضحة في ذهنه وفكره.

• يتمركز حوله الانتباه والاهتمام، ويستمتع الآخرون بوجوده بسبب الإثارة التي يشعها على من حوله.

• ذكى وموهوب، لكنه معتدل ومتزن، كما أنه لطيف ومتفهم ويسعد الآخرين.

• خلاصة تحليلي لشخصية الشيخ أنور أنه رجل بدرجة امتياز. (خبير عربي في التحليل النفسي)

************************************************

كما توقعت، فقد تطابقت قراءتي مع قراءة صديقي في التصور العام لإجمالي الشخصية، لكن ليس في التفاصيل حيث الكفة ترجح لصالح المختص. ولسنا ندري إن كان الشيخ العولقي يوافق على هذا التحليل أم لا؟ أما من جهتي فلم أتردد لحظة في القول أن القاعدة حظيت برجل من نوع مختلف قد يكون أحد أبرز القيادات القادمة إن لم يكن أبرزها على الإطلاق.

فهو رجل يفهم الغرب والإسلام معا، ويجيد التعامل معهما بكل براعة، وباللغة التي يفهمها كل طرف. رجل لا شك سيترك بصماته حيث يكون. رجل حتى فيصل شاهزاد صاحب شاحنة « ميدان التايمز» يقول أنه تأثر بأطروحاته. وهنا بالضبط مشكلة الأمريكيين الذين لم يجدوا بدا من التسليم باستراتيجية أمنية جديدة عنوانها « أمريكا أولا» لمواجهة التهديدات المحلية! فشخصية تتمتع بمثل هذه المواصفات والمؤهلات والجاذبية على مستوى العالم الإسلامي؛ وقادرة أن تصيب بجاذبيتها العرب والعجم والغني والفقير والأبيض والأسود وحتى الضابط الأمريكي لهي بحق شخصية بالغة الخطورة سواء كانت من القاعدة أو لم تكن. وإذا كان اعتقال الرجل شبه مستحيل فإن قتله بأي ثمن من الطبيعي أن يجعل منه أغلى رجل في العالم.

الثابت أنه ثمة الكثير من « سلالة برادلي»، سواء كانوا أفرادا أو جماعات، لكنهم استنزفوا عقلا وعلما وأخلاقا حتى غدت المسوخ أكثر جاذبية منهم. والثابت أيضا أن المشكلة لم تكن فقط بالقاعدة ولن تكون أبدا. فالتيار الجهادي العالمي هو تيار عقدي فيه المسلح وفيه المدني. والسؤال: إذا كان الشيخ العولقي سيلعب دور « ملا عمر» القادم فكم من الوقت والجهد ستحتاج الولايات المتحدة حتى تجد « ملا برادلي» بحجم العولقي ومكانته وجاذبيته؟

د. أكرم حجازي


No comments:

Post a Comment