Sunday, May 23, 2010

دروس تربوية من الأحاديث النبوية للشيخ خالد الحسينان حفظه الله الجزء الرابع

الدرس الواحد والثلاثون:
واتبع السيئة الحسنة تمحها
· قال الله - عز وجل - : { وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ }.
· قال - صلى الله عليه وسلم - : ( وأتْبِع السَّيِّئة الحَسنَة تَمحُها ) فأمره أنْ يفعل ما يمحو به هذه السيئة وهو أنْ يتبعها بالحسنة .
· وفي الصحيحين عن ابنِ مسعود : أنَّ رجلاً أصاب من امرأة قُبلَةً ، ثم أتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر ذلك له ، فسكت النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلت هذه الآية ، فدعاه فقرأها عليه ، فقال رجل : هذا له خاصة ؟ قال : ( بل للناس عامة ) .
· اجعل اسلوبك في الحياة وطريقك ومنهجك وديدنك أنك كلما وقعت في ذنب أو خطيئة تفعل بعدها أنواعا من الطاعات والعبادات التي تمحو هذه السيئات ولا تجعل الشيطان يحرمك من هذه الطاعات بسبب وقوعوك بتلك المعصية بحجة أن هذا نوع من النفاق.
- فمثلا: (تقرأ القرآن، تستغفر الله، تتصدق بما تيسر، تصلي ركعتين....).
· من حيل الشيطان:
- وقيل للحسن : ألا يستحيي أحدُنا من ربه يستغفِرُ من ذنوبه ، ثم يعود ، ثم يستغفر ، ثم يعود ، فقال : ودَّ الشيطانُ لو ظَفِرَ منكم بهذه، فلا تملُّوا من الاستغفار.
· الهلاك كل الهلاك!:
- قال عمر بن عبد العزيز في خطبة له: قال : أيُّها الناسُ مَنْ ألمَّ بذنبٍ فليستغفرِ الله وليتب ، فإنْ عاد فليستغفر الله وليتب ، فإنْ عادَ فليستغفر الله وليتب ، فإنَّما هي خطايا مطوَّقة في أعناقِ الرجال ، وإنَّ الهلاك كُلَّ الهلاك في الإصرار عليها.
- وقد أخبر الله في كتابه أنَّ من تاب من ذنبه ، فإنَّه يُغفر له ذنبه أو يتاب عليه في مواضع كثيرةٍ ، كقوله تعالى : { إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ }.
· مـن مكـفـرات الذنوب:
- عن أبي بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مَا مِنْ رَجُلٍ يُذنِبُ ذنباً ، ثمَّ يقومُ فيتطهَّر ، ثمَّ يُصلِّي ، ثمَّ يستغفر الله إلاَّ غَفَرَ الله له ) ثم قرأ هذه الآية : { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ }.
- وفي الصحيحين عن عثمانَ : أنَّه توضأ ، ثم قال : رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال:(مَنْ توضَّأ نحو وضوئي هذا ثم صلَّى ركعتين لا يُحدِّثُ فيهما نفسَه ، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه ) .
- وفي الصحيحين عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من قال : سبحان اللهِ وبحمده في يومه مائة مرة ، حُطَّتْ خطاياه وإنْ كانت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ ) .
- وفيهما عنه ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مَنْ قالَ : لا إله إلا الله وحده لا شَريكَ له ، له الملكُ ، وله الحمدُ يُحيي ويُميت وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ في يوم مائة مرَّة ، كانت له عِدْل عشرِ رقابٍ ، وكتبت له مائةُ حسنةٍ ، ومُحيت عنه مائةُ سيئة ، وكانت له حِرزاً من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسيَ ، ولم يأتِ أحدٌ بأفضَلَ مما جاء به إلا أحدٌ عمل أفضلَ مِنْ ذلك ) .
- وسُئل الحسن عن رجل لا يتحاشى عن معصية إلا أنَّ لسانه لا يفتر من ذكر الله ، قال : إنَّ ذلك لَعَوْنٌ حَسَنٌ .
- وقال عطاء : من جلس مجلساً من مجالس الذِّكر ، كَفَّر به عشرة مجالس من مجالس الباطل.
قال أ حدهم : وكأنه استنبطها من أن الحسنة تمحو عشر سيئات
- قال - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا أدُلُّكُم على ما يمحو الله به الخطايا ، ويرفعُ به الدرجات : إسباغُ الوضوء على المكاره ، وكثرَةُ الخُطا إلى المساجد ، وانتظارُ الصَّلاة بعد الصلاة ) فأثبت لهذه الأعمال تكفيرَ الخطايا ورَفْعَ الدَّرجات.
- وقد رُوي عن جماعةٍ من الصحابة : أنَّ الناس يحترقون بالنهار بالذنوب ، وكلَّما قاموا إلى صلاةٍ من الصَّلوات المكتوبات أطفؤوا ذنوبهم.
الدرس الثاني والثلاثون:
متى يستجاب الدعاء
· قال تعالى: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } .
· أمور يجب أن تراعيها في دعائك:
1- الدعاءُ مع الرجاء ، فإنَّ الدعاء مأمورٌ به ، وموعودٌ عليه بالإجابة.
- وفي " السنن الأربعة " عن النعمان بن بشير ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ الدُّعاء هو العبادة ) ثم تلا : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } .
2- حضور القلب ، ورجاءُ الإجابة من الله تعالى ، كما خرَّجه الترمذي من حديث أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، فإنَّ الله لا يَقبلُ دُعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ ) .
3- عدم الاستعجال ، ولا تترك الدعاء لاستبطاء الإجابة ، وجُعل ذلك من موانع الإجابة حتّى لا يقطع العبدُ رجاءه من إجابة دُعائه ولو طالت المدة ، فإنَّه سبحانه يُحبُّ المُلحِّين في الدعاء
· إجابة الدعاء مضمونة :
- ومن رحمة الله تعالى بعبده أنَّ العبدَ يدعوه بحاجةٍ من الدنيا ، فيصرفها عنه ، ويعوِّضه خيراً منها ، إما أنْ يَصرِفَ عنه بذلك سوءاً ، أو أنْ يدَّخِرَها له في الآخرة ، أو يَغفِر له بها ذنباً ، كما في حديث جابر ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ما مِنْ أَحَدٍ يَدعُو بدُعاءٍ إلا آتاه الله ما سألَ أو كَفَّ عنه من السُّوء مثلَه ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم ).
- عن أنسٍ رضي الله عنه: ( لا تَعجزوا عن الدُّعاء ، فإنَّه لن يَهلِكَ مع الدُّعاء أَحدٌ ).
· حكمة:
- مَنْ أَدمن قرعَ الباب ، يُوشك أنْ يُفتح له، فإن العبدُ يُلحُّ في الدُّعاء ، ويَطمعُ في الإجابة من غير قطع الرّجاء ، فهو قريبٌ من الإجابة ،.
- ( ما كان الله لِيفتَحَ على عبدٍ بابَ الدُّعاء ، ويُغلقَ عنه بابَ الإجابة ).
الدرس الثالث والثلاثون:
كيف نحقق لا إله إلا الله
· قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله. رواه مسلم.
· قال ابن رجب: فإنَّ تحقق القلب بمعنى (لا إله إلا الله) وصدقه فيها ، وإخلاصه بها يقتضي أنْ يرسخَ فيه تألُّهُ الله وحده ، إجلالاً ، وهيبةً ، ومخافةً ، ومحبَّةً ، ورجاءً ، وتعظيماً ، وتوكُّلاً ، ويمتلئَ بذلك، وينتفيَ عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين .
- ومتى كان كذلك ، لم يبقَ فيه محبَّةٌ، ولا إرادةٌ ، ولا طلبٌ لغير ما يُريدُهُ الله ويحبُّه ويطلبه وينتفي بذلك مِنَ القلب جميعُ أهواءِ النُّفوس وإراداتها ، ووسواس الشيطان .
- فمن أحب شيئاً وأطاعه، وأحبَّ عليه وأبغض عليه، فهو إلههُ ، فمن كان لا يحبُّ ولا يبغضُ إلا لله ، ولا يُوالي ولا يُعادي إلا له ، فالله إلههُ حقاً ، ومن أحبَّ لهواه ، وأبغض له ، ووالى عليه، وعادى عليه ، فإلهه هواه،كما قال تعالى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ }.
- وقال قتادة : هوَ الذي كلما هَوِيَ شيئاً ركبه ، وكلما اشتهى شيئاً أتاه ، لا يَحجزُه عن ذلك ورعٌ ولا تقوى.
- وقيل للحسن : إنَّ ناساً يقولون : من قال : لا إله إلا الله ، دخل الجنَّة ، فقال: من قال : لا إله إلا الله ، فأدَّى حقَّها وفرضها ، دخلَ الجنَّةَ.
- قال طائفةٌ من العلماء : إنَّ كلمة التوحيد سببٌ مقتضٍ لدخول الجنَّة وللنجاة مِنَ النَّارِ ، لكن له شروطٌ ، وهي الإتيانُ بالفرائضِ ، وموانعُ وهي إتيانُ الكبائر.
- فتبيَّن بهذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : (من شهد أنْ لا إله إلا الله صادقاً من قلبه حرَّمه الله على النار)، وأنَّ من دخل النارَ من أهل هذه الكلمة، فَلِقِلَّةِ صدقه في قولها .



· أثـر الصدق في كلمة التوحيد:
- قال ابن رجب: فإنَّ هذه الكلمة إذا صدقت ، طهَّرت من القلب كلَّ ما سوى الله ، فمن صدق في قوله : لا إله إلا الله ، لم يُحبَّ سواه ، ولم يَرْجُ إلاَّ إيَّاه ، ولم يخشَ أحداً إلاَّ الله ، ولم يتوكَّل إلاَّ على الله ، ولم تبقَ له بقيَّةٌ من آثار نفسه وهواه.
- ومتى بقي في القلب أثرٌ لسوى الله ، فمن قلَّة الصدق في قولها .

الدرس الرابع والثلاثون:
أنوار الصلاة
· قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( والصلاةُ نورٌ ).
· قال ابن رجب: فالصَّلاةُ نورٌ مطلق:
1- فهي للمؤمنين في الدُّنيا نورٌ في قلوبهم وبصائرهم ، تُشرِق بها قلوبُهم ، وتستنير بصائرُهم ولهذا كانت قرَّة عين المتقين ، كما كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( جعلت قُرَّةُ عيني في الصلاة ) خرّجه أحمد والنَّسائي.
2- وهي نورٌ للمؤمنين في قبورهم ، ولاسيَّما صلاة الليل ، كما قال أبو الدرداء : ( صلُّوا ركعتين في ظُلَم اللَّيلِ لِظلمة القبور )
3- وهي في الآخرة نورٌ للمؤمنين في ظلمات القيامة ، وعلى الصراط ، فإنَّ الأنوارَ تُقسم لهم على حسب أعمالهم . وفي " المسند " و" صحيح ابن حبان " عن عبد الله بن عمرو ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : أنَّه ذكر الصلاة ، فقال : ( من حافظ عليها كانت له نوراً وبُرهاناً ونجاةً يَوْمَ القيامة ، ومَنْ لم يُحافِظْ عليها لم يكن له نور ولا نجاة ولا بُرهانٌ ).
· ثمرة العبادات:
- قال ابن رجب:وأما الأعمال البدنية ، فإنَّ لها في الدُّنيا مقصدين :
- أحدهما : اشتغالُ الجوارح بالطَّاعة ، وكدُّها بالعبادة .
- والثاني : اتِّصالُ القلوب بالله وتنويرُها بذكره يُرادُ به تفريغُ القلب منَ الاشتغال بالدنيا ؛ ليتفرَّغ لِطلب الله ، ومعرفته ، والقرب منه ، والأُنس به ، والشَّوقِ إلى لقائه.
- قال جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه في النهار.
- قال العلامة ابن القيم : لما كانت الصلاة مركز الإيمان وأصل الإسلام ورأس العبودية ومحل المناجاة والقربة إلى الله وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو مصل وأقرب ما يكون منه في صلاته وهو ساجد كانت الصلاة نور المسلم
الدرس الخامس والثلاثون:
لا تكن أسيرا لنفسك
· قال الله - عز وجل - : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا }.
- قال ابن رجب: والمعنى : قد أفلح من زكى نفسَه بطاعة الله ، وخابَ من دسَّاها بالمعاصي، فالطاعةُ تُزكي النفس وتُطهرها ، فترتفع ، والمعاصي تُدسِّي النفس ، وتقمعها ، فتنخفض ، وتصيرُ كالذي يُدسُّ في التراب .
- قال النبي صلى الله عليه وسلم - : ( كلُّ النَّاس يغدو ، فبائعٌ نفسه فمعتِقُها أو موبقها ).
- قال ابن رجب: ودلَّ الحديثُ على أن كلَّ إنسان فهو ساعٍ في هلاك نفسه ، أو في فِكاكِها ، فمن سعى في طاعة الله ، فقد باع نفسَه للهِ ، وأعتقها من عذابه ، ومن سعى في معصيةِ الله ، فقد باعَ نفسَه بالهوان ، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه.
· خطوات لفـك أسـر النفس:
- ومن السلف من كان يجتهد في الأعمال الصالحة ويقول : إنَّما أنا أسيرٌ أسعى في فكاك رقبتي.
- وكان بعضُهم يسبِّحُ كلَّ يوم اثني عشر ألفَ تسبيحة بقدر دِيَتِه ، كأنَّه قد قتل نفسه ، فهو يَفْتَكُّها بديتها.
- قال الحسن : المؤمن في الدنيا كالأسير ، يسعى في فكاك رقبته ، لا يأمنُ شيئاً حتّى يلقى الله - عز وجل -.
· كيف تبيـع نفـسك للـه؟:
- قال بعضهم: من سعى في طاعة الله فقد باع نفسه لله ، وأعتقها من عذابه ، ومن سعى في معصية الله فقد باع نفسه بالهوان وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه .
- وقال: ابنَ آدم، إنَّك تغدو أو تروحُ في طلب الأرباح ، فليكن همُّك نفسك ، فإنَّك لن تربح مثلها أبداً .
- قال أبو بكر بن عيّاش : قال لي رجل مرَّة وأنا شابٌّ : خلِّص رقبتَك ما استطعتَ في الدنيا من رقِّ الآخرة ، فإنَّ أسيرَ الآخرةِ غيرُ مفكوكٍ أبداً ، قال : فوالله ما نسيتُها بعد .
- وكان بعضُ السَّلف يبكي ، ويقول : ليس لي نفسان ، إنَّما لي نفسٌ واحدةٌ ، إذا ذهبت لم أجد أخرى .
- وقال محمد بن الحنفية : إنَّ الله - عز وجل - جعل الجنَّة ثمناً لأنفسكم ، فلا تبيعُوها بغيرها.

- وقال : من كرمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر .
- وقيل له : من أعظمُ الناس قدراً ؟ قالَ : من لم يرَ الدُّنيا كُلَّها لنفسه خطراً.
· حقيقة الأسر والحرية:
- قال شيخ الإسلام: وأما إذا كان القلب الذي هو ملك الجسم رقيقا مستعبدا متيما لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية الذليلة لما استعبد القلب.
- وقال رحمه الله: الحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب كما أن الغنى غنى النفس، قال النبي صلى الله عليه وسلم : { ليس الغنى عن كثرة العرض , وإنما الغنى غنى النفس.
الدرس السادس والثلاثون:
احذروا الظـلـم
قال الله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ }
· فسَّر كثيرٌ من العلماء الظلمَ : بأنَّه وضعُ الأشياء في غير موضعها.
· عَنْ أبي ذَرٍّ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم - فيما يَروي عَنْ ربِّه - عز وجل - أنَّه قالَ : ( يا عِبادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلمَ على نَفسي، وجَعَلْتُهُ بَينَكُم مُحَرَّماً فلا تَظالموا ).
· قال ابن رجب: يعني: أنَّه تعالى حَرَّم الظلم على عباده ، ونهاهم أنْ يتظالموا فيما بينهم، فحرامٌ على كلِّ عبدٍ أنْ يظلِمَ غيره ، مع أنَّ الظُّلم في نفسه محرَّم مطلقاً ، وهو نوعان:
- أحدهما: ظلمُ النفسِ ، وأعظمه الشِّرْكُ ، كما قال تعالى:{ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ، فإنَّ المشركَ جعل المخلوقَ في منزلةِ الخالق ، فعبده وتألَّهه ، فوضع الأشياءَ في غيرِ موضعها ، وأكثر ما ذُكِرَ في القرآن مِنْ وعيد الظالمين إنَّما أُريد به المشركون ، كما قال الله - عز وجل : { وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ } .
- ثمَّ يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائرَ وصغائرَ .
- والثاني : ظلمُ العبدِ لغيره ، وهو المذكورُ في هذا الحديث ، وقد قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في خطبته في حجة الوداع : ( إنَّ دماءكم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكُم حرامٌ ، كحرمةِ يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ).
· قال صلى الله عليه وسلم : ( الظلمُ ظُلُماتٌ يوم القيامة ) متفق عليه .
· وفيهما عن أبي موسى ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ اللهَ لَيُملي للظَّالم حتَّى إذا أخَذَه لم يُفْلِته ) ، ثم قرأ : { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } .
· قال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم :(من كانت عنده مظلمة لأخيه ، فليتحلَّلْهُ منها ، فإنَّه ليسَ ثَمَّ دينارٌ ولا درهمٌ مِنْ قبل أنْ يُؤخَذ لأخيه من حسناته ، فإنْ لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئات أخيه فطُرِحت عليه) . رواه البخاري.
الدرس السابع والثلاثون:
واسألوا الله من فضله
· قال صلى الله عليه وسلم –فيما يروي عن ربه-: (...يا عِبادي كُلُّكُم ضَالٌّ إلاَّ مَنْ هَديتُهُ فاستهدُوني أهدِكُم ، يا عبادي كُلُّكُم جَائِعٌ إلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ ، فاستطعموني أُطعِمْكُم ، يا عِبادي كُلُّكُم عَارٍ إلاَّ مَنْ كَسوتُهُ ، فاستَكْسونِي أكسكُمْ ، يا عِبادي إنَّكُم تُخْطِئونَ باللَّيلِ والنَّهار ، وأنَا أَغْفِرُ الذُّنوبَ جَميعاً ، فاستَغفِروني أغفر لكُمْ........ يا عِبادي لَوْ أنَّ أَوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنْسَكُمْ وجنَّكم قاموا في صَعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته ، ما نَقَصَ ذلك مِمَّا عِندي إلاَّ كَما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البَحرَ). رواه مسلم.
- قال ابن رجب: هذا يقتضي أنَّ جميعَ الخلق مُفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم ، ودفع مضارِّهم في أمور دينهم ودُنياهم ، وإنَّ العباد لا يملِكُون لأنفسهم شيئاً مِنْ ذلك كلِّه .
- وإنَّ مَنْ لم يتفضَّل اللهُ عليه بالهدى والرزق ، فإنَّه يُحرمهما في الدنيا ، ومن لم يتفضَّل اللهُ عليه بمغفرة ذنوبه ، أوْبَقَتْهُ خطاياه في الآخرة .
- وفي الحديث دليلٌ على أنَّ اللهَ يحبُّ أنْ يسأله العبادُ جميعَ مصالح دينهم ودنياهم، مِنَ الطَّعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما يسألونه الهداية والمغفرة.
- وفي الحديث :( ليسأل أحدُكم ربَّه حاجته كلَّها حتى يسأله شِسعَ نعله إذا انقطع ).
- وكان بعضُ السَّلف يسأل الله في صلاته كلَّ حوائجه حتّى ملحَ عجينه وعلفَ شاته .
- وفي الإسرائيليات : أنَّ موسى - عليه السلام - قال : يا ربِّ إنَّه لتَعْرِضُ لي الحاجةُ من الدنيا ، فأستحيي أنْ أسألك ، قال : سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك .
· الله متفرد بكل شيء:
- فإنَّ من تفرَّد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا ، وبمغفرة ذنوبه في الآخرة ، مستحقٌّ أنْ يُفرَدَ بالإلهية والعبادة والسؤال والتضرُّع إليه ، والاستكانة له.
· لماذا نسأل الله الهداية؟
- وأما سؤالُ المؤمن من الله الهداية ، فإنَّ الهدايةَ نوعان :
1- هداية مجملة: وهي الهدايةُ للإسلام والإيمان وهي حاصلة للمؤمن .
2- وهدايةٌ مفصلة: وهي هدايته إلى معرفة تفاصيلِ أجزاء الإيمان والإسلام ، وإعانتُه على فعل ذلك .
- قال ابن رجب: وهذا يحتاج إليه كلُّ مؤمن ليلاً ونهاراً ، ولهذا أمر الله عباده أنْ يقرؤوا في كُلِّ ركعةٍ من صلاتهم قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }، وكان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يقول في دعائه بالليلِ: ( اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك ، إنَّكَ تَهدي من تشاءُ إلى صراط مستقيم ) .
- وقد أمر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - علياً أنْ يسأل الله السداد والهدى ، وعلَّم الحسن أنْ يقولَ في قُنوتِ الوتر : ( اللهم اهدني فيمن هديت ) .
· الباب المفتوح:
- قال طاووس لعطاء : إياك أنْ تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه ويجعل دونها حجابه ، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة ، أمرك أنْ تسأله ، ووعدك أنْ يُجيبك.
· لماذا نسأل الله المغفرة؟
- وأما الاستغفارُ من الذنوب ، فهو طلبُ المغفرة ، والعبدُ أحوجُ شيءٍ إليه ؛ لأنَّه يخطئ بالليل والنهار .
- وقد تكرَّر في القرآن ذكرُ التوبة والاستغفارِ ، والأمرُ بهما ، والحثُّ عليهما ، وخرَّج الترمذي ، وابنُ ماجه من حديث أنسٍ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( كلُّ بني آدم خطَّاءٌ ، وخيرُ الخطَّائين التَّوابون ).
- عن الأغرِّ المزني سمع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ : ( يا أيُّها الناسُ توبوا إلى ربِّكم ، فإنِّي أتوبُ إليه في اليوم مائة مرَّة ) رواه مسلم.
· خزائن الله ملأى:
- قال تعالى : { مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ } ، فإنَّ البحرَ إذا غُمِسَ فيه إبرةٌ ، ثم أُخرجتْ ، لم ينقص من البحر بذلك شيءٌ ، وكذلك لو فرض أنَّه شرب منه عصفورٌ مثلاً ، فإنَّه لا ينقص البحر البتة.
- فهو سبحانه إذا أراد شيئاً من عطاءٍ أو عذابٍ أو غير ذلك ، قال له : كن ، فكان ، فكيف يتصوَّرُ أنْ يَنقُصَ هذا ؟ وكذلك إذا أراد أنْ يخلُق شيئاً ، قال له : كن ، فيكون.
- وفي بعض الآثار الإسرائيلية : أوحى الله تعالى إلى موسى - عليه السلام - : يا موسى لا تخافنَّ غيري ما دام ليَ السُّلطان ، وسلطاني دائمٌ لا ينقطعُ ، يا موسى ، لا تهتمَّنَّ برزقي أبداً ما دامت خزائني مملوءةً ، وخزائني مملوءةٌ لا تفنَى أبداً ، يا موسى لا تأنس بغيري ما وجدتَني أنيساً لك ، ومتى طلبتني وجدتني ، يا موسى ، لا تأمن مكري ما لم تَجُزِ الصِّراطَ إلى الجنة.
- قال أبو سعيدٍ الخدريُّ : إذا دعوتُم الله ، فارفعوا في المسألة ، فإنَّ ما عنده لا يَنْفَدُه شيء ، وإذا دعوتم فاعزموا ، فإنَّ الله لا مستكره له .


الدرس الثامن والثلاثون:
من وجد خيرا فليحمد الله
· قال صلى الله عليه وسلم –فيما يروي عن ربه- : (.... فمن وجد خيراً ، فليحمَدِ الله ، ومن وجدَ غير ذلك ، فلا يلومنَّ إلا نفسه ) رواه مسلم.
- قال ابن رجب: فيه إشارةٌ إلى أنَّ الخيرَ كلَّه من الله فضلٌ منه على عبدِه ، من غير استحقاقٍ له ، والشرُّ كلُّه من عند ابنِ آدم من اتَّباع هوى نفسه ، كما قال - عز وجل - : { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } .
· نصائح ثمينة:
- قال عليٌّ - رضي الله عنه - : لا يرجونَّ عبدٌ إلا ربه ، ولا يخافنَّ إلا ذنبه ، فالله سبحانه إذا أراد توفيقَ عبد وهدايته أعانه ، ووفَّقه لطاعته ، فكان ذلك فضلاً منه ، وإذا أراد خِذلانَ عبدٍ ، وكلَهُ إلى نفسه ، وخلَّى بينَه وبينَها ، فأغواهُ الشيطانُ لغفلته عن ذكرِ الله ، واتَّبع هواه ، وكان أمره فُرُطاً ، وكان ذلك عدلاً منه ، فإنَّ الحجَّةَ قائمةٌ على العبدِ بإنزالِ الكتاب ، وإرسال الرسول ، فما بقي لأحدٍ مِنَ النَّاس على الله حجةٌ بعد الرُّسُلِ.
- فالمؤمن إذا أصابه في الدُّنيا بلاءٌ ، رجع على نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار.
- وقد أخبر الله تعالى عن أهل الجنَّة أنَّهم يحمَدُون الله على ما رزقهم من فضله، قال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ }.
- وقيل لمسروق : لو قصرتَ عن بعض ما تصنع من الاجتهاد ، فقال : والله لو أتاني آتٍ ، فأخبرني أنْ لا يعذبني ، لاجتهدت في العبادة ، قيل : كيف ذاك ؟ قال : حتى تَعْذِرني نفسي إنْ دخلت النار أنْ لا ألومها .
- أما بلغك في قول الله تعالى : { وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } إنَّما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنَّمَ ، فاعتنقتهم الزَّبانيةُ ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون ، وانقطعت عنهم الأماني ، ورفعت عنهم الرحمة ، وأقبل كلُّ امرئٍ منهم يلومُ نفسَه.
الدرس التاسع والثلاثون:
كل معروف صدقة
· عن حذيفة رضي الله عنه ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( كلُّ معروفٍ صدقةٌ ) . رواه مسلم.
- قال ابن رجب: فالصدقة تُطلق على جميع أنواع فعل المعروف والإحسان.
- حتَّى إنَّ فضل الله الواصل منه إلى عباده صدقة منه عليهم.
- فقد قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في قصر الصَّلاة في السفر : ( صدقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكم ، فاقبلوا صدقتَه ) خرَّجه مسلم.
- وقال : ( من كانت له صلاةٌ بليلٍ ، فغلب عليه نومٌ فنام عنها ، كتب الله له أجرَ صلاتِه ، وكان نومُه صدقةً مِنَ الله تصدَّق بها عليه ) . خرَّجه النَّسائي.
- وقال خالدُ بن معدان : إنَّ الله يتصدَّقُ كلَّ يوم بصدقة ، وما تصدَّق الله على أحدٍ من خلقِه بشيءٍ خيرٍ من أنْ يتصدَّق عليه بذكره .
· والصدقة بغير المال نوعان :
- أحدهما : ما فيه تعدية الإحسان إلى الخلق ، فيكون صدقةً عليهم ، وربما كان أفضلَ من الصدقة بالمال ، وهذا كالأمر بالمعروف ، والنَّهي عن المنكر ، فإنَّه دُعاءٌ إلى طاعة الله ، وكفٌّ عن معاصيه ، وذلك خيرٌ من النَّفع بالمال ،وكذلك تعليمُ العلم النافع ، وإقراءُ القرآن ، وإزالةُ الأذى عن الطريق ، والسعيُ في جلب النفع للناس ، ودفعُ الأذى عنهم ، وكذلك الدُّعاءُ للمسلمين والاستغفارُ لهم .
- وقال معاذ رضي الله عنه : تعليمُ العلم لمن لا يعلمه صدقةٌ.
- ومن أنواع الصدقة : كفُّ الأذى عن النَّاسِ ، ففي " الصحيحين " عن أبي ذرٍّ قال : قلت : قلتُ : (.... يا رسولَ الله ، أرأيتَ إنْ ضَعُفْتُ عن بعض العمل ؟ قالَ : ( تكفُّ شرَّك عَن النَّاس ، فإنَّها صدقةٌ ) .
- ومن أنوعاع الصدقة: نفقة الرجل على أهله صدقة، فعن سعد بن أبي وقاص ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّك لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلاَّ أُجِرْتَ عليها ، حتَّى اللُّقمة ترفعُها إلى في امرأتك ) متفق عليه، ، فدل على أنّه إنَّما يؤجرُ فيها إذا احتسبها عند الله.
- ومن أنوع الصدقة: قال النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ما مِنْ مسلمٍ يَغرسُ غَرْساً، أو يزرعُ زرعاً ، فيأكلُ منه إنسانٌ ، أو طيرٌ ، أو دابَّةٌ، إلا كان له صدقةٌ ) متفق عليه.
- قال ابن رجب: وظاهر هذه الأحاديث كلّها يدلُّ على أنَّ هذه الأشياء تكونُ صدقة يُثاب عليها الزارعُ والغارسُ ونحوهما من غير قصدٍ ولا نيةٍ.
- والنَّوع الثاني من الصدقة التي ليست مالية : ما نفعُه قاصرٌ على فاعله ، كأنواع الذِّكر : مِنَ التَّكبير ، والتَّسبيح ، والتَّحميد ، والتَّهليل ، والاستغفار ، وكذلك المشيُ إلى المساجدِ صدقة .
- عن أبي ذرٍّ، عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يُصبح على كلِّ سُلامى مِن أحدكم صدقةٌ ، فكلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ ، وكلُّ تحميدةٍ صدقةٌ ، وكلُّ تهليلةٍ صدقةٌ ، وكلُّ تكبيرةٍ صدقةٌ ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ ، ونهيٌ عَنِ المُنكرِ صدقةٌ ، ويُجزئ من ذلك ركعتان يركعهما منَ الضُّحى ) .
- وقد تكاثرتِ النُّصوصُ بتفضيل الذكر على الصدقة بالمال وغيرها من الأعمال ، كما في حديث أبي الدرداء ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ألا أنبِّئُكُم بخيرِ أعمالكم ، وأزكاها عند مليكِكُم ، وأرفعِها في درجاتكم ، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والفضة ، وخيرٍ لكم منْ أنْ تَلْقَوا عدوَّكم ، فتضربوا أعناقهم ، ويضربوا أعناقكم ؟ ) قالوا : بلى يا رسول الله ، قالَ : ( ذكرُ اللهِ - عز وجل - ) رواه الترمذي .
- ومن أنواع الصدقة : أداءُ حقوق المسلم على المسلم ، ، ففي " الصحيحين " عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( حقُّ المسلم على المسلمِ خمسٌ ، ردُّ السَّلامِ ، وعيادةُ المريض ، واتِّباعُ الجنائز ، وإجابةُ الدَّعوة ، وتشميتُ العاطس ).
- ومن أنواع الصَّدقة : المشي بحقوق الآدميين الواجبة إليهم ، قال ابن عباس : من مشى بحقِّ أخيه إليه ليقضيه ، فله بكلِّ خطوة صدقة.
- ومن أنواع الصدقات : إنظارُ المعسر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أنظرَ معسراً ، فله بكلِّ يوم صدقة قبل أنْ يَحُلَّ الدَّيْنُ ، فإذا حلَّ الدين ، فأنظره بعد ذلك ، فله بكلِّ يوم مثله صدقة ) رواه أحمد.
- ومن أنواع الصدقات : الإحسان إلى البهائم ، كما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لما سُئِلَ عن سقيها ، فقال : ( في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجر ) ، وأخبر أنَّ بغيّاً سقت كلباً يلهثُ مِن العطش ، فغفر لها.
- ومن أنواع الصدقات أيضاً : محاسبةُ النفس على ما سلف من أعمالها ، والندم والتوبة من الذنوب السالفة ، والحزن عليها ، واحتقار النفس ، والازدراء عليها ، ومقتها في الله - عز وجل - ، والبكاء من خشية الله تعالى ، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض ، وفي أمور الآخرة.
الدرس الأربعون:
كيف تقدّر نعمة الله عليك
· من الأمور التي تتكرر مع المسلم في يومه وليلته عدة مرات استشعار نعمة الله عليه.
- فكم هي المواقف وكم هي المشاهد التي يراها ويسمع بها في يومه وليلته تستوجب عليه أن يتفكر ويتأمل هذه النعم التي هو فيها ويحمد الله عليها.
· عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( في الإنسان ثلاث مائة وستونَ مَفْصِلاً ، فعليه أنْ يتصدَّقَ عن كلِّ مَفصِلٍ منه بصدقة ) قالوا : ومَن يُطيق ذلك يا نبيَّ الله ؟ قال : ( النُّخَاعَةُ في المسجد تَدفنها ، والشَّيء تُنَحِّيه عن الطريق ، فإنْ لم تجد ، فركعتا الضحى تجزئُك ) . رواه أحمد وأبو داود.
- قال ابن رجب: ومعنى الحديث : أنَّ تركيب هذه العظام وسلامتها مِن أعظم نِعَمِ الله على عبده ، فيحتاج كلُّ عظم منها إلى صدقة يتصدق ابنُ آدم عنه ، ليكونَ ذلك شكراً لهذه النعمة .
- قال الله - عز وجل - : { يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } .
- وقال - عز وجل - : { قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ }.
- وقال تعالى : { أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ } ،قال مجاهد : هذه نِعَمٌ من الله متظاهرةٌ يقرِّرُكَ بها كيما تَشكُر.
- وقرأ الفُضيلُ ليلةً هذه الآية ، فبكى ، فسئل عن بكائِهِ ، فقال : هل بتَّ ليلة شاكراً لله أنْ جعل لك عينين تُبصر بهما ؟ هل بتَّ ليلةً شاكراً لله أنْ جعل لك لساناً تنطق به ؟ وجعل يعدِّد من هذا الضرب.
- وعن يونس بن عبيد : أنَّ رجلاً شكا إليه ضِيقَ حاله ، فقال له يونس : أيسُرُّك أنَّ لك ببصرك هذا الذي تُبصِرُ به مائة ألف درهم ؟ قال الرجل : لا ، قال : فبيدك مائة ألف درهم ؟ قال : لا ، قال : فبرجليك ؟ قال : لا ، قال : فذكَّره نِعَمَ الله عليه ، فقال يونس : أرى عندك مئين ألوفٍ وأنت تشكو الحاجة.
- وعن بكر المزني قال : يا ابن آدم ، إنْ أردتَ أنْ تعلمَ قدرَ ما أنعمَ اللهُ عليك ، فغمِّضْ عينيك.
- وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( نِعْمَتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس : الصِّحَّةُ والفراغ ) .
- قال ابن رجب: فهذه النِّعم مما يُسألُ الإنسانُ عن شكرها يومَ القيامة ، ويُطالب بها كما قال تعالى : { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } . وخرَّج الترمذيُّ وابنُ حبَّانَ من حديث أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ أوَّلَ ما يُسأل العبد عنه يوم القيامة مِن النعيم ، فيقول له : ألم نصحَّ لك جسمَك ، ونُرْويكَ من الماء البارد ؟ ) .
- قال ابن عباس: { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } ، قال : النعيم : صحَّةُ الأبدان والأسماع والأبصار ، يسأَلُ الله العبادَ : فيما استعملوها ؟ وهو أعلمُ بذلك منهم.
· لا تغتر بعبادتك:
- قال وهب بن مُنَبِّه : عَبَدَ الله عابدٌ خمسين عاماً ، فأوحى الله - عز وجل - إليه : إني قد غفرتُ لك ، قال : يا ربِّ ، وما تغفر لي ولم أذنبْ ؟ فأذِنَ الله - عز وجل - لِعِرْقٍ في عنقه ، فضرب عليه ، فلم ينم ، ولم يُصلِّ ، ثم سكن وقام ، فأتاه مَلَكٌ ، فشكا إليه ما لقي من ضربان العرق ، فقال الملك : إنَّ ربَّك - عز وجل - يقول : عبادتُك خمسين سنة تعدل سكون ذا العرق.
· كيف تؤدي شكر النعمة؟:
- عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال : ( من قال حينَ يُصبِحُ : اللهمَّ ما أَصبَحَ بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقك ، فمنك وحْدَكَ لا شريكَ لك ، فلكَ الحمدُ ولك الشُّكْرُ ، فقد أدَّى شُكْرَ ذلك اليومِ ، ومن قالها حين يُمسي أدَّى شكر ليلته ) رواه النسائي.

· الاعتراف بنعمة الله شكر:
- عن الحسن قال : قال موسى - عليه السلام - : يا ربِّ ، كيف يستطيع آدم أنْ يؤدِّي شكرَ ما صنعت إليه ؟ خلقتَه بيدِكَ ، ونفخت فيه من رُوحِكَ ، وأسكنته جنَّتَكَ ، وأمرتَ الملائكة فسجدوا له ، فقال : يا موسى ، عَلِمَ أَنَّ ذلك مني ، فحمدني عليه ، فكان ذلك شكراً لما صنعته .
- وعن أبي الجلد قال : قرأتُ في مسألة داود أنَّه قال : أي ربِّ كيف لي أنْ أشكُرَكَ وأنا لا أصلُ إلى شكرك إلاَّ بنعمتك ؟ قال : فأتاه الوحي : أنْ يا داود ، أليس تعلمُ أنَّ الذي بك من النِّعم مني ؟ قال : بلى يا ربِّ ، قال : فإنِّي أرضى بذلك منك شكراً.
- قال أبو حازم : كلُّ نعمةٍ لا تقرِّبُ مِنَ الله فهي بليَّةٌ.
· العـبـد المـوفـق:
- إن العبد الموفق هو الذي لا يغيب عن قلبه وشعوره وإحساسه نعمة الله عليه في كل موقف وكل مشهد فيظل دائما في حمد الله وشكره والثناء عليه مما هو فيه من نعمة الدين والصحة والرخاء والسلامة من كل الشرور .
- وفى الحديث قال صلوات الله وسلامه عليه : (من رأى مُبتلى فقال :الحمد لله الذي عافني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا لم يصبه ذلك البلاء).
· هل استشعرت نعمة الله عليك ؟
- هل استشعرت نعمة الله عليك عند ذهابك إلى المسجد وكيف أن من حولك من الناس قد حُرم هذه النعمة وبالذات عند صلاة الفجر وأنت تنظر إلى بيوت المسلمين وهم في سُبات عميق كأنهم أموات.
- هل استشعرت نعمة الله عليك وأنت تسير في الطريق وترى المناظر المتنوعة , هذا قد حدث له حادث سيارة وهذا قد ارتفع صوت الشيطان (أي الغناء) من سيارته وهذا كافر وقد أنعم الله عليك بالإيمان ونعمة الإسلام .
- هل استشعرت نعمة الله عليك و أنت تسمع وتقرأ أخبار العالم من مجاعات وفيضانات وانتشار أمراض وحوادث وزلازل .

No comments:

Post a Comment