Sunday, May 23, 2010

دروس تربوية من الأحاديث النبوية للشيخ خالد الحسينان حفظه الله الجزء الثالث

الدرس الواحد والعشرون:
الإسلام الكـامل
· عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ ) حديثٌ حَسَنٌ ، رَوَاهُ التِّرمذيُّ وغَيرُهُ.
- قال ابن رجب: ومعنى هذا الحديث : أنَّ مِنْ حسن إسلامه تَركَ ما لا يعنيه من قولٍ وفعلٍ ، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال.
- ومعنى يعنيه : أنْ تتعلق عنايتُه به ، ويكونُ من مقصده ومطلوبه.
- والعنايةُ : شدَّةُ الاهتمام بالشيء.

· علامات الإسلام الكامل:
- إنَّ الإسلام الكاملَ الممدوحَ يدخل فيه:
- تركُ المحرمات.
- وترك المشتبهات.
- وترك المكروهات.
- وترك فضول المباحات التي لا يحتاج إليها.
- فإنَّ هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامهُ، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ( المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده ).
· وأكثر ما يُراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام.

· من علامة إعراض الله عن العبد:
- قال الحسن البصري : مِنْ علامة إعراض الله تعالى عن العبد أنْ يجعل شغله فيما لا يعنيه . وقال سهل بنُ عبد الله التُّسترِي : من تكلم فيما لا يعنيه حُرِم الصدق.
- وقال معروف : كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من اللهِ.
· ثمرة الإسلام الكامل:
- جاءت الأحاديثُ بفضل من حسن إسلامُه وأنَّه تضاعف حسناته ، وتُكفر سيئاته ، والظاهر أنَّ كثرة المضاعفة تكون بحسب حسن الإسلام.
- ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا أحْسَنَ أَحَدُكُم إسلامَهُ ، فكُلُّ حَسَنةٍ يَعْمَلُها تُكتَبُ بِعَشرِ أَمْثالِها إلى سبعِ مائة ضعفٍ ، وكلُّ سَيِّئةٍ يعملها تُكتَبُ بمثلِها حتَّى يَلقى الله - عز وجل - )
- فالمضاعفةُ للحسنة بعشر أمثالها لابدَّ منه ، والزيادةُ على ذلك تكونُ بحسب إحسّان الإسلام ، وإخلاصِ النية والحاجة إلى ذلك العمل وفضله.
الدرس الثاني والعشرون:
الحـيـاء مـن اللـه
· في الصحيحين عن عمران بن حصين ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الحياءُ لا يأتي إلاَّ بخيرٍ ) ، وفي روايةٍ لمسلم قال : ( الحياء خيرٌ كلُّه ).
- قال الماوردي : واعلم أن الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه :
- أحدها : حياؤه من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره .
- والثاني : حياؤه من الناس فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح .
- والثالث : حياؤه من نفسه . فيكون بالعفة وصيانة الخلوات
- فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة ، فقد كملت فيه أسباب الخير ، وانتفت عنه أسباب الشر ، وصار بالفضل مشهورا ، وبالجميل مذكورا .اهـ بتصرف يسير
· عن معاذ : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال له: ( استحي من الله استحياءَ رجل ذي هيبةٍ من أهلك ).
- وهذا هو السببُ الموجب لخشية الله في السر ، فإنَّ مَنْ عَلِمَ أنَّ الله يراه حيث كان ، وأنَّه مُطَّلعٌ على باطنه وظاهره ، وسرِّه وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته ، أوجب له ذلك تركَ المعاصي في السِّرِّ.
- فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه ، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه ، فقد حسن إسلامه ، ولزم من ذلك أنْ يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام ، ويشتغل بما يعنيه فيه ، فإنَّه يتولَّدُ من هذين المقامين الاستحياءُ من الله وترك كلِّ ما يُستحيى منه .
- كما وصَّى - صلى الله عليه وسلم - رجلاً أنْ يستحيي من الله كما يستحيي من رجل من صالحي عشيرته لا يُفارقه .
· وفي المسند والترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً : ( الاستحياء من الله تعالى أنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وما حَوَى ، وتَحفَظَ البَطنَ وما وَعَى ، ولْتَذْكُرِ الموتَ والبِلى ، فمن فَعَل ذلك ، فقد استحيَى من الله حقَّ الحياء ) .
- قال بعضهم : استحي من الله على قدر قربه منك ، وخَفِ الله على قدر قدرته عليك .

· وقال بعضُ العارفين: إذا تكلمتَ فاذْكُر سَمعَ اللهِ لك ، وإذا سكتَّ فاذكر نظره إليك.
· وقد وقعتِ الإشارةُ في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كثيرة : كقوله تعالى :
{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }.
· وسُئِل الجنيد بما يُستعانُ على غضِّ البصر ، قال : بعلمك أنَّ نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره .
· وقال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبيٍّ من الأنبياء : قُلْ لقومك : ما بالكم تسترون الذنوبَ من خلقي ، وتُظهرونها لي ، إنْ كنتم ترون أني لا أراكم ، فأنتم مشركون بي ، وإنْ كنتم تَرَونَ أني أراكم فلم جعلتموني أهونَ الناظرين إليكم ؟.
· صور من استشعار الحياء من الله:
- ألا تستحي من الله أن يراك وأنت تعصيه.
- ألا تستحي من الله أن يرى قلبك مشغولا عنه وأنت واقف بين يديه في الصلاة.
- ألا تستحي من الله أن تقول قولا وليس في قلبك أي مراقبة لله فيه .
- ألا تستحي من الله أن يرى في قلبك بغض وكراهية لإخوانك المسلمين.
- ألا تستحي من الله أن يرى في قلبك التصنع والتكلف للمخلوق.
- ألا تستحي من الله أن يرى في قلبك تعظيم المخلوقين أكثر من الخالق.
- ألا تستحي من الله بأن أنْ تعملَ في السرِّ شيئاً تستحيي منه في العلانية.
- ألا تستحي من الله بأن يكون ظاهرك خلاف باطنك.
- ألا تستحي من الله عندما يناديك في الثلث الأخير من الليل ( هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له...) وأنت نائم في فراشك ؟.
· كيف نكتسب الحياء من الله ؟ :
- من خلال معرفة اللهِ ، ومعرفة عظمته وقربه من عباده ، واطلاعه عليهم ، وعلمِه بخائنة الأعين وما تُخفي الصدور ، فهذا من أعلى خصالِ الإيمان.
- وقد يتولَّدُ من الله الحياءُ من مطالعة نِعمه ورؤية التقصير في شكرها.
- وكان الإمامُ أحمد يُنشِدُ :
إذا ما خَلَوْتَ الدَّهرَ يوماً فلا تَقُلْ .. خَلَوتُ ولكِنْ قُلْ : عَلَـيَّ رَقِيبُ
ولا تَحْسَبَـنَّ الله يَغْفُلُ سَـاعةً .. ولا أنَّ مـا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيـبُ
- وكان ابنُ السَّماك ينشد :
يا مُدمِنَ الذَّنْبِ أما تَستَحِي .. واللـه في الخَلْوَةِ ثَانِيـكَـا
غَـرَّكَ مِـنْ رَبِّكَ إمْهَالُهُ .. وسـتْرُهُ طـولَ مَساوِيكَا
· أنواع الحياء من اللـه:
- قال ابن القيم:
- النوع الأول: حياء الجناية : (وهو حياء من ارتكب معصية) ، كحياء آدم عليه السلام لما فر هاربا في الجنة قال الله تعالى : أفرارا مني يا آدم قال : لا يا رب بل حياء منك.
- النوع الثاني: حياء التقصير: (وهو حياء من لم يعبد الله حق عبادته) ،كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فإذا كان يوم القيامة قالوا : سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك.
- النوع الثالث: حياء الإجلال: (وهو حياء ناتج عن إجلال الله الملك العظيم مالك الملك)، وهو حياء المعرفة وعلى حسب معرفة العبد بربه يكون حياؤه منه، كحياء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعوه ويقول :(لا أحصي ثناء عليك أنت كما أحصيت على نفسك). رواه الامام أحمد.
- النوع الرابع: حياء الاستحقار واستصغار النفس : كحياء العبد من ربه عز و جل حين يسأله حوائجه احتقار الشأن نفسه واستصغارا لها وفي أثر إسرائيلي أن موسى عليه السلام قال: يارب إنه لتعرض لى الحاجة من الدنيا فأستحيي أن أسألك هي يا رب فقال الله تعالى: سلني حتى ملح عجينتك وعلف شاتك وقد يكون لهذا النوع سببان أحدهما : استحقار السائل نفسه واستعظام ذنوبه وخطاياه.
والثاني: استعظام مسؤوله (أي: الله).
- النوع الخامس: حياء المحبة : فهو حياء المحب من محبوبه.
- النوع السادس: حياء العبودية : (وهو حياء العبد الذي يسمع ويطيع لمولاه ولا يرفض له أمرا) فهو حياء ممتزج من محبة وخوف ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده وأن قدره أعلى وأجل منها فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة.
- النوع السابع: حياء المرء من نفسه : فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص وقناعتها بالدون فيجد نفسه مستحيا من نفسه.
- النوع الثامن: حياء استشعار نعم الله عليك: ويأتي هذا النوع من استشعارك من أن نعم الله عليك تغمرك غمرا، فلا تعرف كيف تشكره فتستحي منه.
الدرس الثالث والعشرون:
من كمال الإيمان
· عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ : ( لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأَخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسه ) . رواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ
· وقال عبدُ الله بن رواحة وأبو الدرداء : الإيمانُ كالقميصِ ، يَلبَسُه الإنسانُ تارةً ، ويخلعه أخرى ، وكذا قال الإمام أحمد - رحمه الله - وغيره ، والمعنى : أنَّه إذا كمَّل خصالَ الإيمان لبسه ، فإذا نقصَ منها شيئاً نزعه ، وكلُّ هذا إشارةٌ إلى الإيمان الكامل التَّام الذي لا يَنْقُصُ من واجباته شيء .
· قال ابن رجب: والمقصودُ أنَّ مِن جملة خِصال الإيمانِ الواجبةِ أنْ يُحِبَّ المرءُ لأخيه المؤمن ما يحبُّ لنفسه ، ويكره له ما يكرهه لنفسه ، فإذا زالَ ذلك عنه ، فقد نَقَصَ إيمانُهُ بذلك.
· من علامة سلامة الصدر:
- حديثُ أنس يدلُّ على أنَّ المؤمن يَسُرُّهُ ما يَسرُّ أخاه المؤمن ، ويُريد لأخيه المؤمن ما يُريده لنفسه من الخير ، وهذا كُلُّه إنَّما يأتي من كمالِ سلامةِ الصدر من الغلِّ والغشِّ والحسدِ ، فإنَّ الحسدَ يقتضي أنْ يكره الحاسدُ أنْ يَفوقَه أحدٌ في خير ، أو يُساوَيه فيه ؛ لأنَّه يُحبُّ أنْ يمتازَ على الناسِ بفضائله ، وينفرِدَ بها عنهم ، والإيمانُ يقتضي خلافَ ذلك ، وهو أنْ يَشْرَكَه المؤمنون كُلُّهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أنْ ينقص عليه منه شيء.
· أمثلة واقعية من حياة السلف:
- كان عتبةُ الغلامُ إذا أراد أنْ يُفطر يقول لبعض إخوانه المطَّلِعين على أعماله : أَخرِج إليَّ ماءً أو تمراتٍ أُفطر عليها ؛ ليكونَ لك مثلُ أجري.
- وكان محمَّدُ بنُ واسعٍ يبيع حماراً له ، فقال له رجل : أترضاه لي ؟ قال : لو رضيته لم أبعه ، وهذه إشارةٌ منه إلى أنَّه لا يرضى لأخيه إلاَّ ما يرضى لنفسه.
الدرس الرابع والعشرون:
التعرف على الله في الرخاء
· قال - صلى الله عليه وسلم - : ( تعرَّف إلى الله في الرَّخاء ، يعرفكَ في الشِّدَّةِ )
- قال ابن رجب: يعني : أنَّ العبدَ إذا اتَّقى الله ، وحَفِظَ حدودَه ، وراعى حقوقه في حال رخائه ، فقد تعرَّف بذلك إلى الله ، وصار بينه وبينَ ربه معرفةٌ خاصة، فعرفه ربَّه في الشدَّة ، ورعى له تَعَرُّفَهُ إليه في الرَّخاء، فنجَّاه من الشدائد بهذه المعرفة، وهذه معرفة خاصة تقتضي قربَ العبدِ من ربِّه، ومحبته له، وإجابته لدعائه .
· فمعرفة العبد لربه نوعان :
- أحدُهما : المعرفةُ العامة ، وهي معرفةُ الإقرار به والتَّصديق والإيمان ، وهذه عامةٌ للمؤمنين .
- والثاني : معرفة خاصة تقتضي ميلَ القلب إلى الله بالكلية ، والانقطاع إليه ، والأُنس به ، والطمأنينة بذكره ، والحياء منه ، والهيبة له ، وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون .
- كما قال بعضهم : مساكينُ أهلُ الدُّنيا ، خرجوا منها وما ذاقوا أطيبَ ما فيها ، قيل له : وما هو ؟ قال : معرفةُ الله - عز وجل - .
· ومعرفة الله أيضاً لعبده نوعان :
- معرفة عامة وهي علمه سبحانه بعباده ، واطِّلاعه على ما أسرُّوه وما أعلنوه ، كما قال : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } .
- والثاني : معرفة خاصة :
وهي تقتضي محبته لعبده وتقريبَه إليه ، وإجابةَ دعائه ، وإنجاءه من الشدائد ، وهي المشار إليها بقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما يحكى عن ربِّه : ( ولا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِل حتَّى أُحِبَّه ، فإذا أحببتُه ، كنتُ سمعه الذي يسمع به ، وبصرَه الذي يُبصرُ به ، ويدَه التي يبطِشُ بها ، ورجلَه التي يمشي بها ، فلئن سألني ، لأُعطِيَنَّهُ ، ولئن استعاذني لأعيذنَّه ) ، وفي رواية : ( ولئن دعاني لأجيبنّه ) .
· من ثمرات التعرف على الله في الرخاء:
- قال ابن رجب: فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه ، عامله الله باللطف والإعانة في حال شدَّته .
- عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من سرَّه أنْ يستجيب الله له عندَ الشَّدائد ، فليُكثرِ الدُّعاءَ في الرَّخاء ) رواه الترمذي .

- وقال الضحاك بن قيس : اذكروا الله في الرَّخاء ، يذكركُم في الشِّدَّة ، وإنَّ يونس - عليه السلام - كان يذكُرُ الله تعالى ، فلمَّا وقعَ في بطن الحوت ، قال الله - عز وجل - : { فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } ، وإنَّ فرعون كان طاغياً ناسياً لذكر الله ، فلما أدركه الغرق ، قال : آمنت ، فقال الله تعالى : { آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ }
- وقال رجل لأبي الدرداء : أوصني ، فقال : اذكر الله في السرَّاء يذكرك الله - عز وجل - في الضَّرَّاء.
· أعظم الشدائد:
- وأعظمُ الشدائد التي تنْزل بالعبد في الدنيا الموتُ ، وما بَعده أشدُّ منه إنْ لم يكن مصيرُ العبد إلى خيرٍ .
· كيف يكون الاستعداد للموت:
- فالواجبُ على المؤمن الاستعدادُ للموت وما بعده في حال الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة ، قال الله - عز وجل - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }.
- قال تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً }، قال ابن عباس في هذه الآية : يُنجيه من كُلِّ كَربٍ في الدنيا والآخرة.
الدرس الخامس والعشرون:
إياكم وفضول الكلام
· عَنْ أبي هُرَيرةَ - رضي الله عنه - عن رَسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ : ( مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليَومِ الآخرِ ، فَلْيَقُلْ خَيراً أَوْ لِيَصْمُتْ ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ ، فَليُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ) متفق عليه.
- وأعمال الإيمان تارة تتعلَّق بحقوق الله ، كأداءِ الواجبات وترك المحرَّمات ، ومِنْ ذلك قولُ الخير ، والصمتُ عن غيره .
- وتارةً تتعلق بحقوق عبادِه كإكرامِ الضيف ، وإكرامِ الجارِ ، والكفِّ عن أذاه.
· قال ابن مسعود رضي الله عنه: إيَّاكم وفضولَ الكلام ، حسبُ امرئ ما بلغ حاجته ، وعن النَّخعي قال : يَهلِكُ الناسُ في فضول المال والكلام .
· مفاسد كثرة الكلام:
- إن الإكثارَ من الكلام الذي لا حاجة إليه يوجبُ قساوةَ القلب كما في " الترمذي " من حديث ابن عمر مرفوعاً : ( لا تُكثِرُوا الكلامَ بغيرِ ذكر الله ، فإنَّ كثرةَ الكلامِ بغيرِ ذكرِ الله يُقسِّي القلب ، وإنَّ أبعدَ الناس عن الله القلبُ القاسي ) .
- وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : مَنْ كَثُرَ كلامُه ، كَثُرَ سَقَطُهُ ، ومَنْ كَثُرَ سَقَطُه ، كَثُرَتْ ذُنوبهُ ، ومَن كَثُرَتْ ذنوبُه ، كانت النارُ أولى به.
· وقال ابن مسعود : والله الذي لا إله إلا هو ، ما على الأرض أحقُّ بطول سجنٍ مِنَ اللِّسانِ .
· وقال وهب بن منبه: أجمعت الحكماءُ على أنَّ رأسَ الحكمِ الصمتُ.
· وكان السَّلفُ كثيراً يمدحُون الصَّمتَ عن الشَّرِّ ، وعمَّا لا يعني؛ لِشِدَّته على النفس ، ولذلك يقع فيه النَّاسُ كثيراً ، فكانوا يُعالجون أنفسهم ، ويُجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم .
· هل تزن كلماتك ؟:
- سبحان الله العظيم!، ما أكثر ما نتحدث ونستفسر ونتطلع ونحرص على الأمور التي لا تنفعنا في دنيانا ولا في آخرتنا، وإنما هي من لغو الكلام، ولو حاسب الإنسان نفسه في آخر اليوم قبل نومه لوجد أن كلامه في ما لا فائدة فيه ولا ثمرة ولا نتيجة أكثر من كلامه في ما فيه فائدة.
· أكثر ما يدخل النار:
- عن معاذ رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا نَبيَّ الله ، وإنَّا لمُؤَاخَذُونَ بِما نَتَكَلَّمُ بهِ ؟ فقالَ : ( ثَكِلتْكَ أُمُّكَ ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجوهِهِمْ ، أو على مَنَاخِرِهم إلاَّ حَصائِدُ أَلسِنَتِهِم ) . رواهُ الترمذيُّ ، وقال : حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ .
- قال ابن رجب: وظاهرُ هذا الحديث يدلُّ على أنَّ أكثر ما يدخل النَّاسُ به النار النُّطقُ بألسنتهم، فإنَّ معصية النُّطق يدخل فيها:
1- الشِّركُ وهو أعظمُ الذنوب عندَ الله - عز وجل - .
2- ويدخل فيها القولُ على الله بغير علم ، وهو قرينُ الشِّركِ .
3- ويدخلُ فيه شهادةُ الزُّور التي عدَلت الإشراك بالله - عز وجل - .
4- وكذلك السِّحر والقذفُ وغيرُ ذلك مِنَ الكبائر والصَّغائر كالكذب والغيبةِ والنَّميمة .
5- وسائرُ المعاصي الفعلية لا يخلو غالباً من قول يقترن بها يكون معيناً عليها .
وفي حديث أبي هُريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( أكثرُ ما يُدخِلُ النَّاسَ النارَ الأجوفان : الفمُ والفرجُ ) خرَّجه الإمام أحمد والترمذي.
· صلاح اللسان وأثره على الجوارح:
- قال يحيى بن أبي كثير : ما صلح منطقُ رجل إلاَّ عرفت ذلك في سائر عمله ، ولا فسد منطقُ رجل قطُّ إلاَّ عرفت ذلك في سائر عمله.
· من عواقب فضول الكلام:
- قال ابن القيم: وأما فضول الكلام فإنها تفتح للعبد أبوابا من الشر كلها مداخل للشيطان فإمساك فضول الكلام يسد عنه تلك الأبواب كلها وكم من حرب جرتها كلمة واحدة.

الدرس السادس والعشرون:
حق الخالق وحق المخلوق
· قال الله - عز وجل - : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً } .
- قال ابن كثير: يأمر تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "أتَدْرِي ما حَقُّ الله على العباد ؟" قال: الله ورسوله أعلم. قال: "أن يَعْبدُوهُ ولا يُشْرِكُوا به شيئا"، ثم قال: "أتَدْري ما حَقُّ العبادِ عَلَى اللهِ إذا فَعَلُوا ذلك؟ ألا يُعَذِّبَهُم".
· قال ابن رجب: فجمع الله تعالى في هذه الآية بين ذكرِ حقِّه على العبد وحقوقِ العباد على العبد أيضاً ، وجعل العبادَ الذين أمرَ بالإحسان إليهم خمسة أنواع:
- أحدها : من بينَه وبينَ الإنسان قرابةٌ ، وخصَّ منهمُ الوالدين بالذِّكر ؛ لامتيازهما عن سائر الأقارب بما لا يَشْرَكونهما فيه ، فإنَّهما كانا السببَ في وجود الولد ولهما حقُّ التربية والتأديب وغير ذلك .
- الثاني : مَنْ هو ضعيفٌ محتاجٌ إلى الإحسان ، وهو نوعان : من هو محتاج لضعف بدنه ، وهو اليتيم ، ومن هو محتاج لِقِلَّةِ ماله ، وهو المسكين .
- الثالث: مَنْ له حقُّ القُرب والمخالطة، وجعلهم ثلاثة أنواع: جارٌ ذو قربى ، وجار جنب (البعيد عنك في الجوار أو النسب)، وصاحبٌ بالجنب (الرفيق في السفر أو صناعة وقيل الزوجة) .
- الرابع : من هو واردٌ على الإنسان ، غيرُ مقيم عندَه ، وهو ابن السبيل يعني : المسافر إذا ورد إلى بلدٍ آخر ، وفسَّره بعضُهم بالضَّيف.
- الخامس : ملكُ اليمين، وقد وصَّى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بهم كثيراً وأمر بالإحسانِ إليهم ، وروي أنَّ آخرَ ما وصَّى به عند موته:( الصلاة وما ملكت أيمانكم )، وأدخل بعضُ السَّلف في هذه الآية : ما يملكُهُ الإنسان من الحيوانات والبهائم.
الدرس السابع والعشرون:
مـفـتاح الشـر
· عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - أنَّ رَجُلاً قالَ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : أوصِني ، قال : ( لا تَغْضَبْ ) فردَّد مِراراً قال : ( لا تَغْضَبْ ) . رواهُ البُخاريُّ.
- قال ابن رجب: فهذا الرجلُ طلب مِن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُوصِيهَ وصيةً وجيزةً جامعةً لِخصال الخيرِ ، ليحفظها عنه خشيةَ أنْ لا يحفظها ؛ لكثرتها ، فوصَّاه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ لا يغضب ، ثم ردَّد هذه المسألة عليه مراراً ، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يردِّدُ عليه هذا الجوابَ ، فهذا يدلُّ على أنَّ الغضب جِماعُ الشرِّ ، وأنَّ التحرُّز منه جماعُ الخير.
- ولأنَّ الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليهِ في حال زوال غضبه كثيراً من السِّباب وغيره مما يعظم ضَرَرُهُ ، فإذا سكت زال هذا الشرّ كله عنه.
· مـن هـو الشـجـاع ؟:
- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( ليس الشديد بالصُّرَعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) متفق عليه .
- قال ابن القيم: أي مالك نفسه أولى أن يسمى شديدا من الذي يصرع الرجال.
- وقال شيخ الإسلام " ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح فأما المغلوب حين غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد.
· متى نغضب؟
وهذه كانت حالَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فإنَّه كان لا ينتقِمُ لنفسه ، ولكن إذا انتهكت حرماتُ الله لم يَقُمْ لِغضبه شيء ولم يضرب بيده خادماً ولا امرأة إلا أنْ يجاهِدَ في سبيل الله.
· علاج الغضب:
- الاستعاذة بالله من الشيطان ، قال اللّه تعالى:{ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
- وعن سليمان ابن صُردٍ - رضي الله عنه - قال : ( استَبَّ رجلان عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ونحن عنده جلوس وأحدهما يسبّ صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم : إني لأعلمُ كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد . لو قال : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ) متفق عليه.
- الوضوء: عن عطية السعدي - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الغضب من الشيطان ، وإن الشيطان خُلِقَ من النار ، وإنما تطفأ النار بالماء ، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ) رواه أبو داود.
- تغيير الحالة التي عليها الغضبان ، بالجلوس ، أو الخروج ، أو غير ذلك .
- عن أبي ذر رضي الله عنه قال:إن رسول اللهّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال لنا: (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلّا فليضطجع ) رواه أبو داود.
- استحضار ما ورد في فضل كظم الغيظ من الثواب ، وما ورد في عاقبة الغضب من الخذلان العاجل والآجل .
- عن معاذ - رضي الله عنه - أن رسول اللّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال : ( من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن ينفذه دعاه اللّه - عز وجل - على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره اللّه من الحور ما شاء ) رواه أبو داود .
· صور من حياة السلف عند الغضب:
- سب رجل ابن عباس رضي الله عنهما فلما فرغ قال : يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها ؟ فنكس الرجل رأسه واستحى.
- وأسمع رجل أبا الدرداء رضي الله عنه-كلاما , فقال : يا هذا لا تغرقن في سبنا ودع للصلح موضعا فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه .
الدرس الثامن والعشرون:
ثمرات مجالس الذكر
· عن أبي هريرة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّ لأهلِ ذكرِ الله تعالى أربعاً : تنزلُ عليهمُ السَّكينةُ ، وتغشاهمُ الرَّحمةُ ، وتحفُّ بهم الملائكةُ ، ويذكرُهُم الرَّبُّ فيمن عنده ) . رواه مسلم.
- قال ابن رجب: وهذه الخصال الأربعُ لكلِّ مجتمعين على ذكر الله:
- أحدها : تَنْزل السكينة عليهم ، وفي الصحيحين عن البراء بن عازب ، قال : كان رجلٌ يقرأ سورةَ الكهف وعنده فرسٌ ، فتغشَّته سحابةٌ ، فجعلت تدورُ وتدنُو ، وجعل فرسه يَنفِرُ منها ، فلمَّا أصبح ، أتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر ذلك له ، فقال : ( تلك السَّكينة تنَزَّلت للقرآن ) .
- والثاني : غِشيانُ الرَّحمة ، قال الله تعالى : { إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }
- والثالث : أنَّ الملائكة تحفُّ بهم.
- الرابع : أنَّ الله يذكرُهم فيمن عنده ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يقولُ الله - عز وجل - : أنا عند ظنِّ عبدي بي ، وأنا معه حين يذكرُني ، فإنْ ذكرني في نفسِه ، ذكرتُه في نفسي ، وإنْ ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم ) .
- وذكر الله لعبده : هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته ومباهاتهم به وتنويهه بذكره .
- قال الربيعُ: إنَّ الله ذاكرٌ مَنْ ذكرهُ ، وزائدٌ مَنْ شكره ، ومعذِّبٌ من كفره.
- وصلاةُ الله على عبده : هي ثناؤه عليه بين ملائكته ، وتنويههُ بذكره.
- قال رجلٌ لأبي أمامة : رأيتُ في المنام كأنَّ الملائكة تُصلِّي عليك ، كلَّما دخلتَ ، وكلما خرجتَ ، وكلَّما قمتَ ، وكلَّما جلستَ ، فقال أبو أمامة : وأنتم لو شئتم ، صلَّت عليكمُ الملائكةُ ، ثم قرأ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ }.
الدرس التاسع والعشرون:
كيف تكون من المحسنين
· قال تعالى: { وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسنينَ }، وقال:{ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ }.
· عَنْ أَبي يَعْلَى شَدَّاد بنِ أوسٍ ، عَنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنَّ الله كَتَبَ الإحسانَ على كُلِّ شيءٍ، فإذَا قَتَلْتُم فَأَحْسِنُوا القِتْلَة ، وإذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شَفْرَتَهُ ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ) . رواهُ مُسلم.
- قال ابن رجب: وهذا الأمرُ بالإحسان:
- تارةً يكونُ للوجوب كالإحسان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البرُّ والصِّلَةُ والإحسانُ إلى الضيف بقدر ما يحصل به قِراه.
- وتارةً يكونُ للندب كصدقةِ التطوعِ ونحوها .
- وهذا الحديثُ يدلُّ على وجوب الإحسانِ في كل شيء من الأعمال، لكن إحسانُ كُلِّ شيء بحسبه.
- فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنةِ : الإتيانُ بها على وجه كمال واجباتها ، فهذا القدرُ من الإحسان فيها واجب .
- وأمَّا الإحسانُ فيها بإكمالِ مستحباتها فليس بواجب .
- والإحسان في ترك المحرَّمات:الانتهاءُ عنها ، وتركُ ظاهرها وباطنها.
كما قال تعالى : { وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ }، فهذا القدرُ من الإحسان فيها واجب .
- وأما الإحسان في الصبر على المقدورات ، فأنْ يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تَسَخُّطٍ ولا جَزَع .
- والإحسان الواجبُ في معاملة الخلق ومعاشرتهم : القيامُ بما أوجب الله من حقوق ذلـك كلِّه.
- والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم ، القيام بواجبات الولاية كُلِّها، والقدرُ الزائد على الواجب في ذلك كلِّه إحسانٌ ليس بواجب .
- والإحسان في قتل ما يجوزُ قتله من الناس والدواب : إزهاقُ نفسه على أسرعِ الوجوه وأسهلِها وأَوجاها من غير زيادةٍ في التعذيب ، فإنَّه إيلامٌ لا حاجة إليه.
الدرس الثلاثون:
كيف تكون من المتقين
· قال تعالى : { اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } .
- قال ابن مسعود رضي الله عنه في هذه الآية : أنْ يُطاع فلا يُعصى ، ويُذكر فلا ينسى ، وأن يُشكر فلا يُكفر.
- قال ابن رجب: وشكرُه يدخلُ فيه جميعُ فعل الطاعات .
- ومعنى ذكره فلا ينسى : ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها ، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها .
- قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( اتَّق الله حيثما كُنت ) مراده في السرِّ والعلانية حيث يراه الناسُ وحيث لا يرونه.
- قال الحسن : المتقون اتَّقَوا ما حُرِّم عليهم ، وأدَّوا ما افْتُرِض عليهم.
- وقال طلقُ بنُ حبيب : التقوى أنْ تعملَ بطاعةِ الله ، على نورٍ من الله ، ترجو ثوابَ الله ، وأنْ تتركَ معصيةَ الله على نورٍ من الله تخافُ عقابَ الله.
- وقال موسى بنُ أَعْيَن : المتقون تنزَّهوا عن أشياء من الحلال مخافة أنْ يقعوا في الحرام ، فسماهم الله متقين .
- وقال ميمونُ بنُ مِهران : المُتَّقي أشدُّ محاسبةً لنفسه من الشريكِ الشحيحِ لِشريكه.
- قال ابن رجب: وفي الجملة ، فالتقوى : هي وصيةُ الله لجميع خلقه ، ووصيةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته ، وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا بَعَثَ أميراً على سَرِيَّةٍ أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ، وبمن معه من المسلمين خيراً .
· أكرم الخلق عند الله تعالى:
- إنَّ كرم الخَلْق عند الله بالتَّقوى، فربَّ من يحقِرُه الناس لضعفه، وقلَّةِ حظِّه من الدُّنيا، وهو أعظمُ قدراً عند الله تعالى ممَّن له قدرٌ في الدُّنيا، فإنَّ الناسَ إنّما يتفاوتُون بحسب التَّقوى، كما قال الله تعالى :{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}.
- وكما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ الله لا ينظرُ إلى صُورِكُم وأموالِكم ، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم ) وحينئذ ، فقد يكونُ كثيرٌ ممَّن له صورةٌ حسنةٌ ، أو مالٌ ، أو جاهٌ ، أو رياسةٌ في الدنيا ، قلبه خراباً من التقوى ، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبُه مملوءاً مِنَ التَّقوى ، فيكون أكرمَ عند الله تعالى.
· حقيقة التقوى:
- قال تعالى: ( ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه ).
- قال الحسن : ما عُبِّدَ العابدون بشيءٍ أفضلَ من ترك ما نهاهم الله عنه .
- قال ميمون بن مِهران : ذكرُ اللهِ باللسان حسن ، وأفضلُ منه أنْ يذكر الله العبدُ عندَ المعصية فيمسِكَ عنها .
- قال عمر بن عبد العزيز : ليست التقوى قيامَ الليل ، وصِيام النهار ، والتخليطَ فيما بَيْنَ ذلك ، ولكن التقوى أداءُ ما افترض الله ، وترك ما حرَّم الله ، فإنْ كان مع ذلك عملٌ ، فهو خير إلى خير ، أو كما قال.
- قال ابن رجب: وحاصل كلامهم يدلُّ على أنَّ اجتناب المحرمات - وإنْ قلَّتْ - فهي أفضلُ من الإكثار من نوافل الطاعات فإنَّ ذلك فرضٌ ، وهذا نفلٌ .

No comments:

Post a Comment