Sunday, May 23, 2010

دروس تربوية من الأحاديث النبوية للشيخ خالد الحسينان حفظه الله الجزء الخامس

الدرس الواحد والأربعون:
صلاح الظاهر والباطن
· كيف تصلح العمل ظاهرا وباطنا:
1- أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة ، وهذا هو الذي تضمنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ) .
2- أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله -عز وجل- ، كما تضمنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الأعمال بالنيات ) .
- وقال الفضيل في قوله تعالى : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } .
قال : أخلصه وأصوبه .
وقال : إن العمل إذا كان خالصا ، ولم يكن صوابا ، لم يقبل ، وإذا كان صوابا ، ولم يكن خالصا ، لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا .
وقال : والخالص إذا كان لله - عز وجل - ، والصواب إذا كان على السنة .
- وقد دل على هذا الذي قاله الفضيل قول الله - عز وجل - : { فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا }.
· الايمان له ظاهر وباطن :
- قال ابن القيم: الايمان له ظاهر وباطن.
- وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح.
- وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته.
- فلا ينفع ظاهر لا باطن له وإن حقن به الدماء وعصم به المال والذرية.
- ولا يجزىء باطن لا ظاهر له إلا اذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك.
- فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع دليل على فساد الباطن وخلوه من الايمان.
- ونقصه دليل نقصه وقوته دليل قوته.
- فالايمان قلب الاسلام ولبه واليقين قلب الايمان ولبه.
الدرس الثاني والأربعون:
(كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون )
· قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كلما أذنب - العبد - نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب كله فأخبر سبحانه أن ذنوبهم التي اكتسبوها أوجبت لهم رينا على قلوبهم فكان سبب الران منهم .
· قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( وأنه ليغان على قلبي وأني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ) أي:ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر لأن قلبه أبدًا كان مشغولاً بالله تعالى.
- قال مجاهد: هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه فيموت القلب.
- قال صلى الله عليه و سلم: ( أن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) قال الترمذي:حديث صحيح.
- قال ابن القيم: الران هو الحجاب الكثيف المانع للقلب من رؤية الحق والإنقياد له.
- قال الحسن البصري: إن بين العبد وبين اللَّه عزّوجلّ حداً محدوداً من الذنوب فإذا بلغه العبد طبع على قلبه فلم يوفقه للخير أبداً.
- قال عبد الله بن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب .. وقد يورث الـذل إدمانها
وتـرك الذنوب حياة القلوب .. وخير لنفسـك عصيانها
· سبيل الخَلاص:
- إن تطهير القلب من الران ودرن المعاصي، أثر هام من آثار الإيمان، يجعل القلب محافظاً على سلامته ونوره، ويُقوّي فيه مادة الخير، ويقلل نوازع الشر، ويزيد من صلته بربه، حيث يُزَال ما يجثم عليه من الران وكدر المعاصي أولاً بأول بفعل المكفرات، وبذلك يحافظ القلب على درجة عالية من حب الإيمان، وكره الكفر والفسوق والعصيان، فلا يميل إلى الأفكار الهدامة ولا تستهويه، ولو تولد في قلبه شيء منها -مما يلقيه الشيطان- أو عرضها عليه شياطين الإنس، لكان فيه من النور ودواعي الخير ما يكشفها ويحرقها وينفر القلب منها.

الدرس الثالث والأربعون:
التوفيق كله بيد الله تعالى وحده
· قال تعالى: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }
- قال السعدي : { وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ } أي: وما يحصل لي من التوفيق لفعل الخير، والانفكاك عن الشر إلا بالله تعالى، لا بحولي ولا بقوتي.{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } أي: اعتمدت في أموري، ووثقت في كفايته، { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } في أداء ما أمرني به من أنواع العبادات، وفي [هذا] التقرب إليه بسائر أفعال الخيرات. وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد، وهما الاستعانة بربه، والإنابة إليه، كما قال تعالى:{ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ }وقال:{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }.
- قال ابن القيم : وقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد وكل شر فأصله خذلانه لعبده
- وأجمعوا أن التوفيق أن لا يكلك الله نفسك
- وان الخذلان أن يخلي بينك وبين نفسك
· مفتاح التوفيق : فاذا كان كل خير فأصله التوفيق وهو بيد الله لا إلى نفسك وأنه لابيد العبد فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة اليه فمتي أعطى العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يفتح له ومتي أضله عن المفتاح بقى باب الخير مرتجا دونه.اهـ كلامه
· قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى }.
- قال الشيخ السعدي: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى } أي ما أمر به من العبادات المالية، كالزكوات، والكفارات والنفقات، والصدقات، والإنفاق في وجوه الخير، والعبادات البدنية كالصلاة، والصوم ونحوهما، والمركبة منهما، كالحج والعمرة ونحوهما.
- { وَاتَّقَى } ما نهي عنه، من المحرمات والمعاصي، على اختلاف أجناسها.
- { وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى } أي: صدق بـ " لا إله إلا الله " وما دلت عليه، من جميع العقائد الدينية، وما ترتب عليها من الجزاء الأخروي.
- { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } أي: نسهل عليه أمره، ونجعله ميسرا له كل خير، ميسرًا له ترك كل شر، لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له ذلك.
· قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله) قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعمله؟ قال: (يوفقه لعمل صالح قبل موته).
· قال صلى الله عليه وسلم : ( ....وإنَّه ليسيرٌ على من يسَّره الله عليه.. ) إشارةٌ إلى أنَّ التَّوفيقَ كُلَّه بيد الله - عز وجل - ، فمن يسَّرَ الله عليه الهدى اهتدى ، ومن لم يُيسره عليه، لم يتيسَّر له ذلك .
· وقال - صلى الله عليه وسلم -: ( اعملوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ لهُ ، أمَّا أهل السَّعادة ، فيُيسَّرون لعمل أهل السَّعادة ، وأمَّا أهل الشَّقاوة ، فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة ) ، ثم تلا - صلى الله عليه وسلم - {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } .
· وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ في دعائه: ( واهدني ويسِّر الهُدى لي ) ، - وأخبر الله عن نبيه موسى - عليه السلام - أنَّه قال في دعائه: { رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي } .
- وكان ابنُ عمر يدعو : اللهمَّ يسرني لليُسرى، وجنِبني العُسرى.
· سـر النـجـاح :
- قال الصنعاني: الداعي إذا علم أن نجاح الأمور من الله انقطع عما سواه وأفرده بطلب الحاجات وإنزال الفاقات وهذا هو مراد الله من العبادة.
· من علامات التوفيق :
1- التوفيق للعمل الصالح عمومًا على اختلاف أنواعه بدنيا أو ماليًا أو قوليًا.
2- أن يوفق العبد للتوبة من الوقوع في المعاصي حتى لو تكرّرت منه، أو يحال بينه وبين المعاصي فلا يستطيع أن يصل إليها.
3- فتح باب اللجا والافتقار إلى اللّه عزّ وجلّ في الشدة والرخاء وفي كل الأحوال.
4- يلهم السداد والصواب في الأقوال والأعمال والمواقف.
5- أن يوفق العبد وييسّر له الجهاد والشهادة في سبيل الله، فإنها من أفضل القربات وأعلى المقامات.
6- عدم تدخل الإنسان فيما لا يعنيه كالاشتغال بتتبّع أخبار الناس وما فعلوا وما أكلوا وما شربوا، والتدخّل في الأمور التي لا يحسنها ونحو ذلك.
7- أن يوفق العبد لكريم الخصال وحسن الأخلاق وسلامة الصدر ومحبة الخير للمؤمنين.
8- أن يوفق العبد للعناية بكتاب الله تعلّما وتعليما، قال صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
9- التوفيق لنشر الخير والدعوة إلى الله وإصلاح الناس، فإن هذه مهمة الأنبياء والرسل، وقد قال الله عز وجل: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ).
· ومن علامات الخذلان:
1- تعسر الطاعات والعبادات بأنواعها عليك مع طلبك لها .
2- وتيسر المعاصي والذنوب لك مع خوفك منها.
3- وغلق باب اللجا والافتقار إلى الله عزّ وجلّ في كل حال.
- فنسأل اللّه تعالى بفضله حسن التوفيق والاختيار ونعوذ به من سوء القضاء والأقدار.
الدرس الرابع والأربعون:
كيف تكون واثـقـا باللـه تعالى وحده
· بأنْ يكونَ العبدُ بما في يد الله أوثقَ منه بما في يد نفسه ، وهذا ينشأ مِنْ صحَّـة اليقين وقوَّته ، فإنَّ الله ضَمِن أرزاقَ عباده ، وتكفَّل بها ، كما قال :{ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا } ، وقال : { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ }.وقال : { فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ } .
· إضاءات وتنبيهات:
- قال الحسن : إنَّ مِنْ ضعف يقينك أنْ تكونَ بما في يدك أوثقَ منك بما في يد الله - عز وجل - .
- قال ابن مسعود رضي الله عنه : إنَّ أرجى ما أكون للرزق إذا قالوا : ليس في البيت دقيق .
- وقال مسروقٌ : إنَّ أحسن ما أكون ظناً –باللـه- حين يقول الخادم : ليس في البيت قفيزٌ من قمحٍ ولا درهمٌ .
- وقال الإمامُ أحمد : أسرُّ أيامي إليَّ يوم أُصْبِحُ وليس عندي شيء .
- وقيل لأبي حازم الزاهد : ما مالُك ؟ قال : لي مالان لا أخشى معهما الفقر : الثِّقةُ بالله ، واليأسُ ممَّا في أيدي الناس .
- وقيل له : أما تخافُ الفقر ؟ فقال : أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ؟!
- تعليق: فهذا هو حال السلف عند الضيق والفقر والبلاء لأنهم يحسنون الظن بالله، وأما حالنا فنحن إذا ابتلينا أو أصابتنا المصائب أسأنا الظن بربنا، وهذا دليل على ضعف اليقين وانعدام الثقة بالله سبحانه وكل مصائبنا من وراء ذلك كما قال تعالى :{ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ }
- قال السعدي : الظن السيئ، حيث ظننتم به، ما لا يليق بجلاله. { أَرْدَاكُمْ } أي: أهلككم { فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } لأنفسهم وأهليهم وأديانهم بسبب الأعمال التي أوجبها لكم ظنكم القبيح بربكم.
· من علامات الثقة بالله :
- قال ابن رجب: فمن حقق اليقين:
- وثق بالله في أموره كلها، ورضي بتدبيره له .
- وانقطع عن التعلُّق بالمخلوقين رجاءً وخوفاً .
- ومنعه ذلك مِنْ طلب الدُّنيا بالأسباب المكروهة .
- ومن كان كذلك ، كان: زاهداً في الدُّنيا حقيقة ، وكان من أغنى الناس ، وإنْ لم يكن له شيء من الدُّنيا.
- كما قال عمَّار : كفى بالموت واعظاً ، وكفى باليقين غنى ، وكفى بالعبادة شغلاً.
- وكان عطاء الخراساني لا يقومُ من مجلسه حتى يقولَ : اللهمَّ هب لنا يقيناً منك حتى تُهوِّن علينا مصائبَ الدُّنيا ، وحتى نعلمَ أنَّه لا يُصيبنا إلا ما كتبتَ علينا ، ولا يُصيبنا مِنْ هذا الرِّزقِ إلاَّ ما قسمتَ لنا.
· هل يثق الإنسان بنفسه؟ :
- إنَّ الإنسان لا يصلح أن يثق بنفسه، ومن العبارات الشائعة عند بعض الناس: يجب أن تثق بنفسك، وهذه العبارة غلط.
- ولذلك يقول الشيخ محمد بن إبراهيم في فتاويه ، وقد سئل عن قولهم: تجب الثقة بالنفس؟ فقال: لا تجب، بل لا تجوز الثقة بالنفس، وإنما الثقة بالله عز وجل، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله أن يكله إلى نفسه طرفة عين؛ لأن الإنسان إذا توكل على نفسه ضاع، لكن إذا توكل على الله استقام أمره.
- وبعض الأشخاص يقول: أنا مستعد أفعل كذا، وأنا مستعد أنجز كذا، وأنا مستعد أتكفل بهذا الأمر، وأنا واثق من نفسي، فتراه في كثيرٍ من الأحيان يخذل، يخذله الله بسبب اتكاله على نفسه وثقته بها، أو نسيان الله وعدم الثقة به، نسي أن يتوكل على الله أو أن يفوض الأمر إليه، وإنما اعتمد على نفسه واتكل عليها، فوكل إليها؛ فضاع.
- ولذلك نبه عليه الصلاة والسلام إلى هذه المسألة: ألا يتكل الإنسان على نفسه، وأن الشخص إذا كانت العوامل لا تساعده على النتيجة المطلوبة فلا يتبرع بشيءٍ يغلب على الظن أنه لا ينجزه أو لا يفعله، وإنما يقدر الموقف.
· تفكر في عظمة الله .. تزداد ثقة به:
- لابد أن تمتلئ القلوب ثقة مطلقة في الله.
- ولابد أن نعلم أن الذي يدير أمر الكون هو الله.
- ولا يقع شي في الكون إلا بإذنه وأمره وعلمه وحكمته وقدرته وإرادته.
- فلا تظن أن الله قد خلق الخلق وغفل عنهم، حاشا لله!.
- بل لا يقع في كونه إلا ما يريد.
- والله هو الاسم الذي تقال به العثرات، والله هو الاسم الذي تستجاب به الدعوات، والله هو الاسم الذي تستمطر به الرحمات، والله هو الاسم الذي تدفع به الكربات، والله هو الاسم الذي به ولأجله قامت الأرض والسماوات، والله هو مالك الملك وملك الملوك، وجبار السماوات والأرض.
- قال تعالى: ( قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ )
· الجزاء من جنس العمل:
- قال الربيع بن خيثم: إن الله تعالى قضى على نفسه أن:
- من توكل عليه كفاه، قال تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).
- ومن آمن به هداه، قال تعالى (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ).
- ومن أقرضه جازاه، قال تعالى: (إِن تُقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ).
- ومن وثق به نجاه، قال تعالى: (وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِراطٍ مّسْتَقِيمٍ).
- ومن دعاه أجاب له، وتصديق ذلك في كتاب الله: ، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).
الدرس الخامس والأربعون:
مـن أمـراض القـلوب
· في الصحيحين عن أنس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا تباغَضُوا ، ولا تحاسَدوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عِبادَ الله إخواناً ) .
- قال ابن رجب: فقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تحاسدوا ) يعني : لا يحسُدْ بعضُكم بعضاً ، والحسدُ مركوزٌ في طباع البشر ، وهو أنَّ الإنسان يكرهُ أن يفوقَهُ أحدٌ منْ جنسهِ في شيءٍ من الفضائل .
· ثم ينقسم الناس بعدَ هذا إلى أقسام :
- فمنهم من يسعى في زوال نعمةِ المحسودِ بالبغي عليه بالقول والفعل .
- ومنهم من يسعى في نقلِ ذلك إلى نفسه .
- ومنهم من يَسعى في إزالته عن المحسودِ فقط من غيرِ نقل إلى نفسه ، وهو شرُّهما وأخبثهما ، وهذا هو الحسدُ المذمومُ المنهيُّ عنه .
- وهو كان ذنبَ إبليس حيث حسدَ آدم - عليه السلام - لمَّا رآه قد فاق على الملائكة بأنْ خلقه الله بيده ، وأسجد له ملائكتَه ، وعلَّمه أسماء كلِّ شيءٍ ، وأسكنه في جواره ، فما زال يسعى في إخراجه من الجنَّة حتَّى أخرج منها .
· اثنتان هلك بهما ابن آدم:
- ويروى عن ابن عمرَ رضي الله عنهما أنَّ إبليسَ قال لنوح : اثنتان بهما أُهلك بني آدم : الحسد ، وبالحسد لُعِنتُ وجُعلتُ شيطاناً رجيماً ، وأما الحرص فإنه أبيح لآدم الجنة كلها إلا الشجرة فأصبت حاجتي منه بالحرص .
· الحسد المحمود :
- هناك قسم من الناس إذا حسد لم يتمنَّ زوال نعمة المحسود ، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله ، ويتمنَّى أنْ يكونَ مثله .
- فإن كانتِ الفضائلُ دنيويَّةً ، فلا خيرَ في ذلك ، كما قال الَّذينَ يُريدُونَ الحياةَ الدُّنيا :
{ يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ } .
- وإنْ كانت فضائلَ دينيَّةً ، فهو حسن ، وقد تمنَّى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الشَّهادة في سبيل الله عز وجل.
- وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا حسدَ إلاَّ في اثنتين : رجلٌ آتاه اللهُ مالاً ، فهو يُنفقه آناء الليل وآناء النَّهار ، ورجلٌ آتاهُ اللهُ القرآن ، فهو يقومُ به آناء اللَّيل وآناءَ النَّهار ) ، وهذا هو الغبطة ، وسماه حسداً من باب الاستعارة. .
· أعلى درجات الإيمان وعلاج الحسد :
- وقسم آخر إذا وجدَ من نفسه الحسدَ سعى في إزالته ، وفي الإحسان إلى المحسود بإسداءِ الإحسان إليه ، والدُّعاء له ، ونشر فضائله ، وفي إزالة ما وَجَدَ له في نفسه مِنَ الحسدِ حتّى يبدلَه بمحبَّة أنْ يكونَ أخوه المسلمُ خيراً منه وأفضلَ ، وهذا مِنْ أعلى درجات الإيمان ، وصاحبه هو المؤمنُ الكاملُ الذي يُحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه.
· من مضّار الحسـد:
- منها: الاعتراض على قضاء الله وقدره وعدم رضا بما قدّره الله عز وجل؛ لأن الحسد يكره هذه النعمة التي أنعم الله بها على المحسود.
- ومنها : أن الحاسد يبقى دائمًا في قلق وحرقة ونكد؛ لأن نعم الله على العباد لا تحصى، فإذا كان كلما رأى نعمة على غيره حسده وكره أن تكون هذه النعمة حالّة عليه، فلا بد أن يكون في قلق دائم وهذا هو شأن الحاسد والعياذ بالله.
- ومنها: أن الغالب أن الحاسد يبغي على المحسود فيحاول أن يكتم نعمة الله على المحسود أو يزيل نعمة الله على هذا المحسود فيجمع بين الحسد وبين العدوان.
- ومنها: أن الحاسد فيه شبه من اليهود الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
- ومنها: أن الحاسد يحتقر نعمة الله عليه؛ لأنه يرى أن المحسود أكمل منه وأفضل فيزدري نعمة الله عليه، ولا يشكره سبحانه تعالى عليها.
- ومنها: أن الحسد يدل على دناءة الحاسد، وأنه شخص لا يحب الخير للغير؛ بل هو سافل ينظر إلى الدنيا، ولو نظر إلى الآخرة لأعرض عن هذا.
الدرس السادس والأربعون:
إياك و منغِّصات الأخوة
- قال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }.
- قال السعدي : هذا عقد، عقده الله بين المؤمنين، أنه إذا وجد من أي شخص كان، في مشرق الأرض ومغربها، الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فإنه أخ للمؤمنين، أخوة توجب أن يحب له المؤمنون، ما يحبون لأنفسهم، ويكرهون له، ما يكرهون لأنفسهم
- ولقد أمر الله ورسوله، بالقيام بحقوق المؤمنين، بعضهم لبعض، وبما به يحصل التآلف والتوادد، والتواصل بينهم، كل هذا، تأييد لحقوق بعضهم على بعض، فمن ذلك، إذا وقع الاقتتال بينهم، الموجب لتفرق القلوب وتباغضها [وتدابرها]، فليصلح المؤمنون بين إخوانهم، وليسعوا فيما به يزول شنآنهم
- ثم أمر بالتقوى عمومًا، ورتب على القيام بحقوق المؤمنين وبتقوى الله، الرحمة فقال: { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وإذا حصلت الرحمة، حصل خير الدنيا والآخرة، ودل ذلك، على أن عدم القيام بحقوق المؤمنين، من أعظم حواجب الرحمة.
· لقد حرص الإسلام على محاربة كل سبب وطريق يوصل إلى التنافر والتباغض والتباعد بين المسلمين، وحذّر منها وتوعد عليها، وإليك بعض الأسباب التي تهدم الروابط الأخوية والمحبة الإيمانية، حتى تتجنبها وتكون منها على حذر.
· قال - صلى الله عليه وسلم - : ( المسلمُ أخو المسلم ، لا يظلِمُه ، ولا يَخذُلُه ، ولا يَكذِبُه ، ولا يَحقِرُه ) .
- قال ابن رجب: هذا مأخوذ من قوله - عز وجل - : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ }.
- فإذا كان المؤمنون إخوةً ، أُمروا فيما بينهم بما يُوجب تآلُفَ القلوب واجتماعَها ، ونُهوا عمَّا يوجبُ تنافرَ القلوب واختلافَها.
- وأيضاً ، فإنَّ الأخ مِنْ شأنه أنْ يوصِلَ إلى أخيه النَّفع ، ويكفَّ عنه الضَّرر .
- ومن أعظم الضرِّ الذي يجبُ كفُّه عَنِ الأَخِ المسلم الظُّلم ، وهذا لا يختصُّ بالمسلم ، بل هو محرَّمٌ في حقِّ كلِّ أحَدٍ ، وقد سبق الكلام على الظُّلم مستوفى عندَ ذكر حديث أبي ذرِّ الإلهي : ( يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرَّماً ، فلا تظالموا ) .
- ومِنْ ذلك : خِذلانُ المسلم لأخيه ، فإنَّ المؤمن مأمورٌ أنْ يَنصُرَ أخاه ،كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( انصُر أخاك ظالماً أو مظلوماً ) ، قال : يا رسولَ الله ، أنصُرُهُ مَظلوماً ، فكيف أنصره ظالماً ؟ قال : ( تمنعه عنِ الظُّلم ، فـذلك نصرُك إيَّاه ) . خرَّجه البخاري.
- ومن ذلك : كذِبُ المسلم لأخيه ، فلا يَحِـلُّ له أن يُحدِّثه فيكذبـه ، بل لا يُحدِّثه إلاَّ صدقاً ، وفي مسند الإمام أحمد عن النَّوَّاس بن سمعان ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( كَبُرَت خِيانةً أن تُحدِّثَ أخاكَ حـديثاً هو لك مصدِّقٌ وأنت به كاذب ) .
ومن ذلك : احتقارُ المسلم لأخيه المسلم ، وهو ناشئٌ عن الكِبْرِ ، كما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس ) رواه مسلم. وغمط النَّاس : الطَّعنُ عليهم وازدراؤهم ، وقال الله - عز وجل:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنّ }.
- فالمتكبر ينظرُ إلى نفسه بعين الكمال ، وإلى غيره بعين النَّقصِ ، فيحتقرهم ويزدريهم ، ولا يراهم أهلاً لأنْ يقومَ بحقُوقهم ، ولا أن يقبلَ مِنْ أحد منهم الحقَّ إذا أورده عليه .
- ومن ذلك: الغيبة ، ففي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عنِ الغيبة ، فقال : ( ذكرُك أخاكَ بما يكرهُ ) ، قال : أرأيت إنْ كان فيه ما أقولُ ؟ فقال : ( إن كان فيه ما تقولُ فقد اغتَبته ، وإنْ لم يكن فيه ما تقولُ ، فقد بهتَّه ) .
- فتضمَّنت هذه النُّصوص كلُّها أنَّ المسلمَ لا يحِلُّ إيصالُ الأذى إليه بوجهٍ مِنَ الوجوهِ من قولٍ أو فعلٍ بغير حقٍّ ، وقد قال الله تعـالى : { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً } .
- ومن ذلك: الجدال والمراء : فالجدال والمراء يوحش القلوب ويوغرها لاسيما وأنه أصبح لحظ النفس لا لإظهار الحق.
- ومن ذلك: السخرية والتهكم بالآخرين حتى ولو كان عن طريق المزاح.
- ومن ذلك: الخلطة الزائدة والكثيرة غير المثمرة والتي ينتج عنها في الغالب ضياع الأوقات والوقوع في المحرمات.
- ومن ذلك: حب الذات والتفكير بالنفس فقط: وهذا يقود إلى عدم تطبيق حقوق الأخوة وآدابها.
- ومنها: الذنوب بشكل عام: فان لها أثراً عظيماً في قطع الصلة فإذا وجدت من إخوانك جفاء فذلك لذنب أحدثته.
- قال يحيى بن معاذ الرازي : ليكن حظُّ المؤمن منك ثلاثة :
1- إنْ لم تنفعه ، فلا تضرَّه .
2- وإنْ لم تُفرحه ، فلا تَغُمَّه .
3- وإنْ لم تمدحه فلا تَذُمَّه .
الدرس السابع والأربعون:
حب الدنيا رأس كل خطيئة
· قال تعالى: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ) .
- قال القرطبي: متاع : أي يتمتع بها قليل ثم تنقطع وتزول، ودار الآخرة هي دار الاستقرار والخلود .
· عن المستورد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع) رواه مسلم
- قال النووي: ما للدنيا بالنسبة للآخرة في قصر مدتها وفناء لذاتها ودوام الآخرة ودوام لذاتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر .
· قال ابن القيم:قالوا وإنما كان حب الدنيا رأس الخطايا ومفسدا للدين من وجوه:
- أحدها: أن حبها يقتضي تعظيمها وهى حقيرة عند الله، ومن أكبر الذنوب تعظيم ما حقر الله.
- وثانيها: أن الله لعنها ومقتها وأبغضها إلا ما كان له فيها، ومن أحب ما لعنه الله ومقته وأبغضه فقد تعرض للفتنة ومقته وغضبه.
- وثالثها: أنه إذا أحبها صيرها غايته وتوسل إليها بالأعمال التي جعلها الله وسائل إليه وإلى الدار الآخرة فعكس الأمر وقلب الحكمة فانعكس قلبه وانعكس سيره إلى وراء.
- ورابعها: أن محبتها تعترض بين العبد وبين فعل ما يعود عليه نفعه في الآخرة لاشتغاله عنه بمحبوبه، وأقل درجات حبها أن يشغل عن سعادة العبد وهو تفريغ القلب لحب الله ولسانه لذكره.
- وخامسها: أن محبتها تجعلها أكثر هم العبد.
- وسادسها: أن محبها أشد الناس عذابا بها وهو معذب في دوره الثلاث يعذب في الدنيا بتحصيلها والسعي فيها ومنازعة أهلها وفي دار البرزخ بفواتها والحسرة عليها وكونه قد حيل بينه وبين محبوبه على وجه لا يرجوا اجتماعه به أبدا ولم يحصل له هناك محبوب يعوضه عنه فهذا أشد الناس عذابا فى قبره يعمل الهم والغم والحزن والحسرة فى روحه ما تعمل الديدان وهوام الأرض فى جسمه.
- والمقصود أن محب الدنيا يعذب فى قبره ويعذب يوم لقاء ربه.
- وسابعها: أن عاشقها ومحبها الذي يؤثرها على الآخرة من أسفه الخلق وأقلهم عقلا إذ آثر الخيال على الحقيقة والمنام على اليقظة والظل الزائل على النعيم الدائم والدار الفانية على الدار الباقية وباع حياة الأبد في أرغد عيش بحياة إنما هي أحلام نوم أو كظل زائل ،إن اللبيب بمثلها لا يخدع.
· أصول المعاصي:
- قال ابن القيم: إن الرغبة فى الدنيا أصل المعاصى الظاهرة فهي أصل معاصى القلب من التسخط والحسد والكبر والفخر والخيلاء والتكاثر.
· راحة القلب والبدن:
- قال ابن القيم: إن الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن.
- وإن الرغبة في الدنيا تطيل الهم والحزن.
- وإنما تحصل الهموم والغموم والأحزان من جهتين إحداهما الرغبة في الدنيا والحرص عليها والثاني التقصير في أعمال البر والطاعة.
- قال بعض السلف: من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب ومحب الدنيا لا ينفك من ثلاث: هم لازم وتعب دائم وحسرة لا تنقضي.
- وذلك أن محبها لا ينال منها شيئا إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه كما في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة و السلام: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا).
· مـن هـم العـقـلاء؟ :
· قال يحي بن معاذ: العقلاء ثلاثة : من ترك الدنيا قبل أن تتركه ، وبنى قبره قبل أن يدخله ، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه .
· اعـتـبـر واتعــظ: قال عون بن عبدا لله: صحبت الأغنياء فلم أرى أحد أكبر هماً مني، أرى دابة خيراً من دابتي ، وثوب خير من ثوبي، فصحبت الفقراء فاسترحت.
الدرس الثامن والأربعون:
الحسنات والسيئات
· عَنِ ابنِ عَبَّاسَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما عَنْ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا يَروي عَنْ رَبِّهِ تَباركَ وتَعَالى قَالَ : ( إنَّ الله - عز وجل - كَتَبَ الحَسَناتِ والسيِّئاتِ ، ثمَّ بَيَّنَ ذلك ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنةٍ ، فَلَمْ يَعْمَلْها ، كَتَبها الله عِنْدَهُ حَسنَةً كَامِلةً ، وإن هَمَّ بِها فَعَمِلَها ، كَتَبَها الله عَنْدَهُ عَشْرَ حَسناتٍ إلى سبع مائة ضِعْفٍ إلى أضعاف كَثيرةٍ ، وإنْ هَمَّ بسيِّئة ، فلمْ يَعْمَلها ، كَتَبَها عِنْدَهُ حَسنةً كَامِلةً ، وإنْ هَمَّ بِهَا ، فعَمِلَها كَتَبَها الله سيِّئة واحِدَةً ) . رَواهُ البُخارِيُّ ومُسلمٌ .
· كتابة الحسنات والسيئات:
- قال ابن رجب: النوع الأول : عملُ الحسنات ، فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرةٍ ، فمُضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازمٌ لكلِّ الحسنات ، وقد دلَّ عليه قوله تعالى : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } .
- وأما زيادةُ المضاعفةِ على العشر لمن شاء الله أن يُضاعف له ، فدلَّ عليه قوله تعالى : { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مائة حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ، فدلَّت هذه الآيةُ على أنّ النَّفقة في سبيل الله تُضاعف بسبع مائة ضعف .
- قال أبو مسعود رضي الله عنه ، قال : جاء رجلٌ بناقةٍ مخطومةٍ ، فقال : يا رسول الله ، هذه في سبيل الله ، فقال : ( لك بها يوم القيامة سبع مائةناقة ) رواه مسلم.
- النوع الثاني : عمل السيِّئات ، فتكتب السيِّئةُ بمثلها مِنْ غير مضاعفةٍ ، كما قال تعالى : { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ }
- وقوله : ( كتبت له سيِّئة واحدة ) إشارةٌ إلى أنّها غيرُ مضاعفة ، ما صرَّح به في حديث آخر ، لكن السَّيِّئة تعظُمُ أحياناً بشرف الزَّمان ، أو المكان.
- النوع الثالث : الهمُّ بالحسنات ، فتكتب حسنة كاملة ، وإنْ لم يعملها ، ،كما في حديث أبي هريرة الذي خرَّجه مسلمٌ : ( إذا تحدَّث عبدي بأن يعملَ حسنةً ، فأنا أكتُبها له حسنةً ) ، والظَّاهِرُ أن المرادَ بالتَّحدُّث : حديث النفس ، وهو الهمُّ ، وفي الحديث : ( مَن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها ) فعَلِمَ الله أنَّه قد أشعرها قلبَه ، وحَرَصَ عليها ، كتبت له حسنة .
- ما المراد بالهم بالحسنة ؟
- إن المرادَ بالهمِّ هنا : هو العزمُ المصمّم الذي يُوجَدُ معه الحرصُ على العمل ، لا مجرَّدُ الخَطْرَةِ التي تخطر ، ثم تنفسِخُ من غير عزمٍ ولا تصميم .
- النوع الرابع : الهمُّ بالسَّيِّئات من غير عملٍ لها ، ففي حديث ابن عباس : أنَّها تُكتب حسنةً كاملةً ، وكذلك ، وفي حديث أبي هريرة قال : ( إنَّما تركها مِن جرَّاي ) يعني : من أجلي .
- وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ مَنْ قَدَرَ على ما همَّ به مِنَ المعصية ، فتركه لله تعالى ، وهذا لا رَيبَ في أنَّه يُكتَبُ له بذلك حسنة ؛ لأنَّ تركه للمعصية بهذا المقصد عملٌ صالحٌ .
- فأمَّا إن همَّ بمعصية ، ثم ترك عملها خوفاً من المخلوقين ، أو مراءاةً لهم ، فقد قيل : إنَّه يُعاقَبُ على تركها بهذه النيَّة ؛ لأنَّ تقديم خوفِ المخلوقين على خوف الله محرَّم . وكذلك قصدُ الرِّياءِ للمخلوقين محرَّم ، فإذا اقترنَ به تركُ المعصـية لأجله ، عُوقِبَ على هذا الترك.
· مقارنة بين الحسنات والسيئات:
- قال ابن عباس رضي الله عنهما:
- إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس.
- وإن للسيئة ظلمة في القلب وسواداً في الوجه ووهناً في البدن وبغضة في قلوب الخلق.
الدرس التاسع والأربعون:
احفـظ الله يحفظـك
· قال – صلى الله عليه وسلم: ( احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك...).
- قال ابن رجب: يعني: احفظ حدوده، وحقوقه، وأوامره، ونواهيه.
- وحفظُ ذلك : هو الوقوفُ عندَ أوامره بالامتثال ، وعند نواهيه بالاجتنابِ ، وعندَ حدوده ، فلا يتجاوزُ ما أمر به ، وأذن فيه إلى ما نهى عنه ، فمن فعل ذلك ، فهو مِنَ الحافظين لحدود الله الذين مدحهمُ الله في كتابه .
- وقال تعالى : { هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ } .
- وفسر الحفيظ هاهنا بالحافظ لأوامرِ الله ، وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها .
· الأمور التي أمرنا الله بحفظها:
- ومن أعظم ما يجبُ حِفظُه من أوامر الله الصَّلاةُ ، وقد أمر الله بالمحافظة عليها ، فقال : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى }.
- وكذلك الطهارة ، فإنَّها مفتاحُ الصلاة ، وقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يُحافِظُ على الوضوء إلاَّ مؤمن ).
- وممَّا يُؤمر بحفظه الأيمانُ ، قال الله - عز وجل - : { واحْفَظوا أَيْمَانَكُم } ، فإنَّ الأيمان يقع الناس فيها كثيراً ، ويُهْمِل كثيرٌ منهم ما يجب بها ، فلا يحفظه ، ولا يلتزمه .
- ومن ذلك حفظُ الرأس والبطن كما في قول النبي صلى الله عليه وسلـم:(الاستحياءُ من الله حَقَّ الحياء أنْ تَحْفَظَ الرأس وما وَعَى ، وتحفظ البطنَ وما حوى) رواه الترمذي.
- وحفظ الرأس وما وعى يدخل فيه حفظُ السَّمع والبصر واللسان من المحرمات .
- وحفظُ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عَنِ الإصرار على محرم .
- وقد جمع الله ذلك كُلَّه في قوله : { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } .
- ويتضمن أيضاً حفظُ البطنِ من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب .
- ومِنْ أعظم ما يجبُ حفظُه من نواهي الله - عز وجل - : اللسانُ والفرجُ ، وفي حديث أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( مَنْ حَفِظَ ما بَينَ لَحييه ، وما بَينَ رِجليهِ ، دَخَلَ الجنة ) خرَّجه الحاكم .
- وأمر الله - عز وجل - بحفظ الفروج ، ومدحَ الحافظين لها ، فقال : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ }.
· وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يحفظك ) .
- قال ابن رجب: يعني : أنَّ من حفظَ حدود الله ، وراعى حقوقَه ، حفظه الله ، فإنَّ الجزاء من جنس العمل ، كما قال تعالى : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } ، وقال : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } ، وقال : { إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ }.
· وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان :
- أحدهما : حفظه له في مصالح دنياه ، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله ، قال الله تعالى: { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ }
- قال ابن عباس : هم الملائكة يحفظونَهُ بأمرِ الله ، فإذا جاء القدر خَلُّوْا عنه .
· الدعاء بحفظ الإنسان نفسه من كل شر:
- قال ابن عمر رضي الله عنهما : لم يكن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَدَعُ هؤلاء الدَّعوات حين يُمسي وحين يُصبح : ( اللهمّ إني أسألُكَ العافية في الدنيا والآخرة ، اللهم إنِّي أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي ، اللهمَّ استُر عورتي، وآمن روعتي ، واحفظني من بين يدي ومن خلفي ، وعن يميني وعن شمالي ، ومن فوقي ، وأعوذُ بعظمتك أنْ أُغتَالَ من تحتي ) رواه أبو داود .
- النوع الثاني من الحفظ ، وهو أشرف النوعين :
- حفظُ الله للعبد في دينه وإيمانه ، فيحفظه في حياته من الشبهات المُضِلَّة ، ومن الشهوات المحرَّمة ، ويحفظ عليه دينَه عندَ موته ، فيتوفَّاه على الإيمان .
- وفي الصحيحين عن البراء بن عازب ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : أنَّه أمره أنْ يقولَ عندَ منامه : إنْ قبضتَ نفسي فارحمها ، وإنْ أرسلتَها فاحفظها بما تحفظُ به عبادَك الصالحين .
- وفي الجملة ، فالله - عز وجل - يحفظُ على المؤمن الحافظ لحدود دينَه ، ويحولُ بينَه وبين ما يُفسد عليه دينَه بأنواعٍ مِنَ الحفظ ، وقد لا يشعرُ العبدُ ببعضها ، وقد يكونُ كارهاً له ، كما قال في حقِّ يوسُف - عليه السلام - : { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } .
- قال ابن عباس في قوله تعالى : { أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } .
قال : يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار.
- وقال الحسن - وذكر أهل المعاصي - : هانوا عليه ، فعَصَوْه ، ولو عزُّوا عليه لعصمهم.
· حِـكَـم ودُرر :
- مَنْ حفظ الله في صباه وقوَّته ، حفظه الله في حال كبَره وضعفِ قوّته ، ومتَّعه بسمعه وبصره وحولِه وقوَّته وعقله .
- وقال ابن المنكدرِ : إنَّ الله ليحفظُ بالرجل الصالح ولدَه وولدَ ولده والدويرات التي حوله فما يزالونَ في حفظ من الله وستر.
- متى كان العبد مشتغلاً بطاعة الله ، فإنَّ الله يحفظه في تلك الحال.
- قال بعضُ السَّلف : من اتقى الله ، فقد حَفِظَ نفسه ، ومن ضيَّع تقواه ، فقد ضيَّع نفسه ، والله الغنىُّ عنه .
- إن من ضيع الله ، ضيَّعهُ الله ، فضاع بين خلقه حتى يدخلَ عليه الضررُ والأذى ممن كان يرجو نفعه من أهله وغيرهم .
- كما قال بعض السَّلف : إني لأعصي الله ، فأعرِفُ ذلك في خُلُقِ خادمي ودابَّتي.
· من ثمرات حفظ حدود الله:
- وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( احفظ الله تجده تجاهك ) ، وفي رواية : ( أمامك ) معناه : أنَّ مَنْ حَفِظَ حُدودَ الله ، وراعى حقوقه ، وجد الله معه في كُلِّ أحواله حيث توجَّه يَحُوطُهُ وينصرهُ ويحفَظه ويوفِّقُه ويُسدده فـ { إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } .
- قال قتادة : من يتق الله يكن معه ، ومن يكن الله معه ، فمعه الفئة التي لا تُغلب ، والحارس الذي لا ينام ، والهادي الذي لا يضل .
- كتبَ بعضُ السَّلف إلى أخٍ له : أمَّا بعد ، فإنْ كان الله معك فمن تخاف ؟ وإنْ كان عليك فمن ترجو ؟
- وهذه المعيةُ الخاصة هي المذكورةُ في قوله تعالى لموسى وهارون : { لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } ، وقول موسى : { إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }.
- وفي قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وهما في الغار : ( ما ظَنُّكَ باثنين الله ثالثهما ؟ لا تحزن إنَّ الله معنا ).
الدرس الخمسون:
الشــوق إلــى اللــه تعالـى
· غاية ما يتمناه المسلم هو رضا الله سبحانه ودخول جنته.
- وهناك غاية أعظم منها وهي رؤية الله سبحانه في جنات النعيم.
· يجب علينا أن نؤمن بأن الله يراه المؤمنون في الجنة.
- وأن نؤمن بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع والبصير.
- وأن نؤمن بهذه الأحاديث من غير أن نسأل عن الكيفية.
- لأن الكيفية من الغيب الذي امتدح الله المؤمنين بالإيمان به في أول مدح في القرآن، قال سبحانه: ( الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ).
· قال تعالى { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
- قال الشيخ السعدي: أي: للذين أحسنوا في عبادة الخالق، بأن عبدوه على وجه المراقبة والنصيحة في عبوديته، وقاموا بما قدروا عليه منها.
- وأحسنوا إلى عباد الله بما يقدرون عليه من الإحسان القولي والفعلي، من بذل الإحسان المالي، والإحسان البدني، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهلين، ونصيحة المعرضين، وغير ذلك من وجوه البر والإحسان.
- فهؤلاء الذين أحسنوا، لهم "الحسنى" وهي الجنة الكاملة في حسنها و "زيادة" وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، والفوز برضاه والبهجة بقربه، فبهذا حصل لهم أعلى ما يتمناه المتمنون، ويسأله السائلون.
· عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال يقول الله تبارك وتعالى تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة }) رواه مسلم.
- فيا له من يوم ما أعظمه! وما أشد سرور المؤمنين حين ينظرون إلى ربهم عياناً كما نرى الشمس اليوم ليس دونها سحاب، وكما نرى القمر ليلة البدر! يرون ربهم فيصيبهم من النور والضياء، ويجدون من اللذة ما يصغر معه نعيم الجنة على ما فيها من أنواع النعيم، ويرجعون إلى بيوتهم قد ازدادوا نوراً وضياءً، فهل اشتقت -يا عبد الله- إلى رؤية الله تبارك وتعالى ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ).
· عوامل بعث الشوق إلى الله:
1- مطالعة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وتدبر كلامه فإن من شأن هذه المطالعة والفهم والتدبر فيها أن يشحذ من القلب همة للوصول إلى تجليات هذه الأسماء والصفات والمعاني، فتتحرك كوامن المعرفة في القلب والعقل ويأتي عندئذٍ المدد.
2- مطالعة منن الله العظيمة وآلائه الجسيمة فالقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها ولذلك كثر في القرآن سوقُ آيات النعم الخلق والفضل تنبيهًا لهذا المعنى، وكلما ازددت علمًا بنعم الله عليك كلما ازددت شوقًا لشكره على نعمائه.
3- التحسر على فوت الأزمنة في غير طاعة الله، بل قضاؤها في عبادة الهوى.
4- تذكر سبق السابقين مع تخلفك مع القاعدين يورثك هذا تحرقًا للمسابقة والمسارعة والمنافسة، وكل ذلك أمر الله به، قال تعالى:
{ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ }.
- ومجالات الشوق عندك كثيرة أعظمها وألذها الشوق إلى رؤية وجه الله عز وجل، ويمكنك أن تتمرن على قراءة هذا الحديث مع تحديث نفسك بمنزلتها عند الله، وهل ستنال شرف رؤيته أم لا؟.
- قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنة وتنجّنا من النار؟ فيُكشفُ الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم). رواه مسلم.
- وفي مجالات الشوق: الشوق إلى لقاء الله وإلى جنته ورحمته ورؤية أوليائه في الجنة وخاصة الشوق للقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفردوس الأعلى.
· اللـذة الكـبـرى:
- إذا تجلّى الرب لعباده المؤمنين في الجنة نسوا كلّ ما هم فيه من ألوان النعيم من أجل ما ظفرت به أعينهم من اللذة الكبرى بالنظر إلى وجه الله عز وجل.
- فإذا ما احتجَب عنهم عادوا إلى ما كانوا فيه من ألوان السرور والنعيم.
- فلهم نعيمان في الجنة: نعيم عند رؤيته سبحانه، وهو أجلها وأشرفها.
- ونعيم عند ما يرجعون إلى ماكانوا فيه من ظلال وفواكه وحور وولدان إلى آخره، فيا حبذا هذان النعيمان.
· الخسـارة الكـبـرى:
- والخسارة الكبرى ، والحرمان الأعظم ، أن يُحرم العبد من لذَّة النظر إلى وجه الله الكريم في الجنَّة يوم المزيد والنظر إلى وجه العزيز الحميد .
· مـن أعـلى أهل الجـنة منـزلة:
- قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : وإن أفضلهم منزلة لمن ينظر إلى وجه الله في كل يوم مرتين.
- قال سعيد بن جبير: أن اشرف أهل الجنة لمن ينظر إلى الله تبارك و تعالى غدوة و عشية.
· الناس يتـفـاوتـون في رؤيـة الله:
- فأقواهم رؤية له سبحانه أشدهم حباً له، وأشدهم تعلقاً به ومعرفةً له، فيتفاوت الناس في رؤية الله على حسب خشوعهم في الصلاة ومحبتهم لله وتعلقهم به.
· و قال هشام بن حسان: إن الله سبحانه و تعالى يتجلى لأهل الجنة فإذا رآه أهل الجنة نسوا نعيم الجنة.
· قال الشيخ السعدي في قوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ }.
- أي: حسنة بهية، لها رونق ونور، مما هم فيه من نعيم القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح.
- { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } أي: تنظر إلى ربها على حسب مراتبهم:
- منهم من ينظره كل يوم بكرة وعشيا.
- ومنهم من ينظره كل جمعة مرة واحدة.
- فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وجماله الباهر، الذي ليس كمثله شيء.
- فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ونضرت وجوههم فازدادوا جمالا إلى جمالهم، فنسأل الله الكريم أن يجعلنا معهم.
· تـخـيـل وتصـور هذا المشهـد العـظيـم ! :
- وبينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وذلك قول الله: (سلام قولا من رب رحيم).
- تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ربَّنا، وأي خير لم تفعله بنا؟ ألست أعنتنا على سكرات الموت، وآنستَ منا الوحشة في ظلمات القبور، وآمنتَ روعتنا عند النفخة في الصور، ألستَ أقلتَ عثراتنا، وسترتَ علينا القبيح من فعلنا، وثبَّتَ على جسر جهنم أقدامنا، ألستَ الذي أدنيتنا من جوارك، وأسمعتنا لذاذة منطقك، وتجليتَ لنا بنورك، فأي خير لم تفعله بنا! ألم تُبيِّض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار.
- فيكشف الحجاب، فينظر إليهم وينظرون إليه، فما أُعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ولا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم، قال تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة).
- وتخيل كم هي الخسارة والحسرة، وكم هو الحرمان والندم والألم والعناء والشقاء عندما تُحرم من هذه اللحظات العظيمة الجليلة الجميلة الرائعة التي لا تعدلها لذة في الدنيا ولا في الآخرة، والتي لا يستطيع أن يصفها الواصفون ولا أن يتخيلها المتخيلون من شدة النعيم والسرور والأنس والبهجة، فلا حول ولا قوة إلا بالله والله المستعان وعليه التكلان.

اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك
في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.

ادعوا لإخوانكم المجاهدين

إخوانكم في
مركـز الفجـر للإعلام
1431هـ ~ 2010م

No comments:

Post a Comment