Saturday, May 15, 2010

مرض بُعد النظر .. قراءة في مبررات الخذلان

مرض بُعد النظر .. قراءة في مبررات الخذلان
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله

تساهم الكثير من المصطلحات المنهجية في ضخ زخم كبير من التأييد للكثير من الرموز المتبنية لها ...

فـ ( العقلانية ) و ( التروي ) و ( وبعد النظر ) و ( الواقعية ) لها وهج عند الأتباع لما توحيه خفياً من نخبوية في التناول والطرح ومعالجة الأمور ... حيث تتداخل الكثير من المؤثرات لتجد لها متكأ ورافداً في قبول هذه المصطلحات ... ولا شك أن مظاهر الترف والميل إلى الدعة حتى في التناول الفكري شكّل بيئة مناسبة لها ...

هذه المصطلحات كـ ( قيم ) مجردة لا شك أنها اختيار إيجابي ... ولكن أن يتلبس بها الموقف ورد الفعل فإنها كثيراً ما تتخلف بل وتنعكس لتشكل تخبطات منهجية وتساعد سلبياً في بناء تراكمات وممارسات تبتعد كثيراً عن الحق والصواب ...

في منهج الأنبياء – عليهم السلام – والمصلحين في كل زمان صوراً ورؤى لا تنسجم كثيرا مع المدلولات العملية لهذه المصطلحات ... بل ويمكن تصنيف الكثير من تلك المواقف بعكسها تماماً ...

قصة الغلام المؤمن وتداعياتها في سورة " البروج " قمة في تجلية هذا الأمر فقتل الغلام وإحراق أتباعه مع غلبة الظن بتحقق ذلك لم يمنع من أن تختم القصة بقوله تعالى " ذلك الفوز الكبير " !

وفي كل ثنايا الفترة المكية ومفاصلها يبرز هذا المعنى جلياً ... فالصدع بالتوحيد الخالص والبراءة من الشرك والمشركين استجابة لأمر الله بذلك سبب للدعوة الكثير من المواجهات الصاخبة والتي انعكست على المؤمنين تضييقاً وبلاء بل حتى وقتلاً ... لم تكن تلك المواجهات وهي من متطلبات المرحلة الضرورية تهوراً أو عدم عقلانية أو خللاً في تقدير الأمور بل كانت من صميم العبودية وتتماشى مع الأهداف العليا للدعوة في تجلية صور التمحيص وصقل نفوس المؤمنين استعداداً لما يعقبها من مراحل ...

ولم يكن العهد المدني بعيداً عن هذا ، فبروز مفهوم القتال وتطبيقه عملياً أفرز صوراُ أخرى من الاستجابة لأمر الله تعالى تبدو في كثير من صورها وكأنها تهور سلوكي وقصر في النظر ... فأن يرسل صلى الله عليه وسلم أكثر من ثلاث سرايا فتفنى كلها ! وتقتل فيها كوادر من القراء تعبت الدعوة في إعدادهم ... وأن يختار صلى الله عليه وسلم حتمية المواجهة في بدر مع اختلال موازين القوى الظاهرة ... كل هذه الصور وغيرها الكثير حينما تجرد عن سياقها ومباشرة النبي صلى الله عليه وسلم لها تبدو ضرباً من التهور وصورة من صور الافتئات على الأمة وتعريضها لتداعيات ضخمة وإرجاعاً للدعوة إلى مراحل سابقة ... ولكنه أمر الله وحكمه الشرعي ورغبته سبحانه أن يتخذ منا شهداء ...

يبدو أن المنعطف المهم في الموضوع يكمن في عدم القدرة على المحافظة على التوازن المتزامن مع توفيق الله في ترتيب الأولويات ... والخطأ في تقدير أن الأذى وألم الدعوة مهما كان يصلح أن يكون مبرراً لإلغاء أسباب ذلك ، وما علم أولئك أن مخاض المرحلة يتطلب بل ويشترط الكثير من مثل ذلك حتى وإن كانت تصل إلى تلف النفوس وذهاب الأموال ... بل والدول !

إن مثل هذه المبررات التي تقطع على أوامر الله المحكمة الطريق ويمارس تجاهها الكثير من التجنيات والإهمال تمد بسبب قوى إلى ممارسات أهل النفاق وقديماً قال سلفهم " لو أطاعونا ما قتلوا " " لا تنفروا في الحر " نخشى أن تصيبنا دائرة " " إن الناس قد جمعوا لكم " ... كل هذه المبررات تبدو عقلانية وفيها من بعد النظر والتروي ظاهرياً ما فيها لولا أن أمر الله قد نفذ وقدره الشرعي قد سبق فأصبحت هباء تبريرياً سامجاً " قل فادرؤا عن أنفسكم الموت " " بل نار جهنم أشد حراً " " فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين "

أخيراً يحق لنا أن نصف تلك النفوس المنهزمة والمتكئة على ذلك الفساد التبريري بأنها سبب في تخلف الأمة من أن تلحق بركب الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين بتجنيها على أوامر الله ...

وما هم إلا ضحايا لمرض بعد النظر التي ابتليت به الأمة مع تداعيات الأحداث الراهنة ...

No comments:

Post a Comment