Thursday, May 6, 2010

بعد استشهاد الشيخين : الضربة التي لا تقتلك .. تقويك . بقلم حسني سلامة

بسم الله الرحمن الرحيم



2001


الشيخ أسامة في خندق في أعالي جبال تورا بورا ..واضعاً رشاشه على كتفه و يلصق " المذياع " بأذنه ليستمع آخر أخبار القوات الصليبية التي تحاصره مع إخوانهم المرتدين , و بقربه من المجاهدين نحو من العدد الذي حضر للمسلمين في معركة بدر , محاولاً تجنب ضجيج القنابل الضخمة التي تتناثر بهمجية و بذكاء كبير هنا و هناك .
لم يكن الشيخ بذلك الرجل الذي ينهار في أقسى الظروف و أشدها , و قد كانت معركته مع القوات الخاصة الروسية في مأسدة الأنصار خير شاهدة لذلك , فهناك الكثير من الناس الذين يغلق تفكيرهم في الظروف الصعبة و لا يستطيعون التصرف بحكمة في الأحداث القاسية .
الفرق بين معركته السابقة مع القوات الخاصة الروسية - و التي انتصر فيها عليهم وبشكل كاسح - و بين معركته المرتقبة مع القوات الأمريكية الخاصة .. هو أن الأولى كانت في بداية العمل .. فالهزيمة ليست أمراً غريباً خصوصاً مع عدم تكافؤ القوى .
بينما هذه المعركة المرتقبة على جبال تورا بورا تحدث و قد استوى المشروع الجهادي على سوقه بتدريب الآلاف من الرجال الذين تم تدريبهم تدريباً عالياً يجعلهم على استعداد تام لنصرة المسلمين في أي أرض على وجه الأرض , وبالتالي فالمعركة بين أمرين : إما أن نكون أو لا نكون ! وليس أبو عبدالله ممن يرضى بأنصاف الحلول في مبادئه و ثوابته .
يذهب الشيخ أسامة بخاطره بعيداً .. حينما كان يحضر حفلات تخريج عشرات الرجال الأكفاء المدربين تدريباً عالياً في المعسكرات التي أنشاها أو أشرف على تمويلها , و ليتذكر أن الآلاف تخرجوا من تلك المعسكرات.. و يذهب أبعد من ذلك حينما أرسل مبعوثيه لمختلف معسكرات العرب في أفغانستان ليختاروا الرجال الأقوياء دينياً و جسدياً ليكونوا نواة لـ جيش غير نظامي مدرب تدريباً عالياً يستطيع نصرة قضايا المسلمين في كل وقت وفي أي مكان بالإضافة إلى من يتم تدريبهم في معسكر خاص .
ثم يلتفت حواليه فيجد نفسه محصارا في خنادق جبلية ضيقة مع 300 من المجاهدين , جزء منهم حديث عهد بالقتال بل بأفغانستان فلم يتموا تدريبهم !
كانت قناة الجزيرة تبث حينذاك برنامجاً بعنوان ( رجل في مواجهة دولة ) هذا العنوان .. يصور حقيقة المعركة الخاسرة تماماً في عالم الماديات .. إنها حالة تصيب باليأس أعتى الرجال و أشدهم بأساً ..
أن ترى كل أحلامك تنهار في لحظة ..
أن تنظر إلى بنيانك الذي شيدته خلال عقد من الزمان يسيح ككومة ملح أصابها الماء ..
أن تعتقد أن آمالك كانت مجرد طيف خيال لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع القاسية .
كل هذه الأمور لا تعني شيئاً أمام الرجال الذين يؤمنون بقوله تعالى ( إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم ) و ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم ) و ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم .. ) .
كان الشيخ أسامة على تلك الجبال التي تقصف بالقنابل ذوات العدد من الأطنان و بمختلف الطائرات القاذفة و المتجسسة , متشوق لقتال الأمريكان الذين كانوا يقفون بعيداً خلف تروس من المرتدين يعلم ذلك كل من رآه .. لا يأبه بكل تلك الخيالات التي قد تطرأ على أكثرنا لو كان مكانه .
لقد اتضح رسوخ إيمانه بتلك الآيات العظيمات.
إنما علينا الدعاء و على الله الإجابة .. علينا العمل و على الله النصر و التسديد .

و لهذا جاء عتاب الله لنبيه لما قال ( كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم ) , قالها - بأبي هو و أمي - في تلك اللحظات العصيبات التي لم يعد عندها حوله من أصحابه إلا من يعدون على أصابع اليد الواحدة , و قد أصابت المسلمين مقتلة لم يصابوا حينذاك بمثلها أبداًُ , فجاء التعليم الإلهي من فوق سبع سموات لخير أهل الأرض ( ليس لك من الأمر شيء ) ! أي ( إنما عليك البلاغ و علينا الحساب ) و لهذا يأتي بعض الأنبياء يوم القيامة و ليس معه أحد !
و كثير من الجهلة يظنون أن الجولة لا تكون أبداً على المتقين و أن أهل الإسلام لا بد أن ينتصروا في أي صراع بين الحق و الباطل مع أن الله عز و جل قال ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ) أي بين المسلمين و الكفار لكن الخبر المحتوم ( والعاقبة للمتقين ) .
فالحقيقة الواجبة هي العمل وفق الأمر الإلهي , و تحقيق المراد الشرعي و لم يكلفنا الله عزوجل بالنتائج , فالواجب هو أن تعمل لا أن تنتصر !
استطاع الشيخ أسامة - بعد أن علم أن الأمريكان لن يقتحموها ما دام الشيخ و من معه فيها أحياء - إيجاد ثغرة في الحصار و الخروج منها بسلام إلى مكان آمن ..
لكنه كان خالي الوفاض و خلو اليدين تماماً و من أي شيء .. من مشروعه .. أكثر أصحابه .. أمواله .. أي عليه أن يبدأ من تحت الصفر و في حالة أصعب بكثير مما كانت عليه بدايته و التي على صعوبتها تعتبر في غاية الرفاهية بمقارنتها مع صعوبة الحال الحالية .

2010



الشيخ أسامة مرة أخرى .. في جبل من الجبال أو كهف من الكهوف , لا ينادي بصوته المتهدج الضعيف في ناحية من نواحي الأرض و لا ركن من أركانها إلا و كان هناك من يقول له : لبيك لبيك .
هاهم رجاله في أفغانستان - موطنهم الأول - و باكستان والصومال والجزائر والمغرب ونيجيريا و أوروبا و القوقاز والعراق والشام وجزيرة العرب وغيرها .. فلم يكن في تلك السنة التي حوصر فيها في " تورا بورا " من قوة إسلامية سوى التي في أفغانستان وقد غزاها الصليبيون .. وتمر الأيام فيصبح بدل الواحد عشرة ! والحسنة بعشر أمثالها .
و يحق للتاريخ أن يقول بكل وضوح : الشيخ أسامة ممن إذا غضب .. غضب له 100 ألف رشاش , بل أكثر .
إنها سيرة عطرة وفريدة و متجددة في تجديد بعض ما اندرس من أمور الدين ألا وهو الجهاد في سبيل الله .. نعم , لم يتوقف الجهاد في يوم من الأيام و لن يتوقف , لكنه ضمر في هذا العصر كما ضمر بعض العلم الشرعي في بعض العصور فجاء من يجدده و يبعثه حياً في نفوس الناس , و كذلك فعل أبو عبد الله و ذلك فضل الله .


واليوم يضع البعض يده على قلبه شفقة على قرة عيون الموحدين و سلوة المشردين والمظلومين .. دولة الإسلام في العراق , التي طرحت نفسها بقوة أمام مشاريع وطنية و رافضية و مجوسية و علمانية , كلها تطمح لتحويل عراق الخلافة و الأمجاد إلى حانة خبيثة لمستنقع الأفكار المحاربة للإسلام و المسلمين إن لم تكن صراحة فأفضل حالها أن تسترها بستار ( المرحلة المكية ) مع أن هذه المرحلة مرحلة انتصار و دحر للصليبيين !
دولة الإسلام .. سقاها عبدالهادي و أبو أنس و أبو مصعب و الرشود و الكردي - و غيرهم لا نعرفهم - بدمائهم و شيدوها من جماجمهم , لكي تنعم أمتهم بدولة تعيد لهم عزة دار السلام و رفاهية سر من رأى .

لو لم يكن في دولة الإسلام التي تتناهشها تلك الضباع اللئيمة ..
إلا أنها .. وفاء لدماء و أموال المهاجرين من المغرب الإسلامي و مصر و الشام و جزيرة العرب و أوروبا و بنجلاديش وجزر المالديف وغيرها من البلدان .. فهي وصيتهم المرعية ..
و وفاء.. لما بذل الأنصار لأجله كل ما يمكنهم بذله من دماء وأعراض و أموال استرخصوها بل استعذبوها في سبيل ذلك ..
لكفى بهذا وقوداً باعث على إقامتها و المحافظة عليها باليدين و العضدين بل و بالروح تحلق بمعانيها عالياً .. حتى تجد أرضاً طيبة , قد حصد فرسان الأنبار منها مرتدوا الجيش الإفلاسي و زلزل أسود بغداد أرضها ليخرج منها خبث مجوسها الأنجاس , فتهبط على صعيد طيب .. صهرته دماء المهاجرين و سقته دماء الأنصار و طيبته دماء البغدادي و جملته دماء المهاجر و الزرقاوي .

إنها دولة الإسلام في العراق التي لا يوجد ثغر في الإسلام يواجه مثلما يواجهون من المكر الكبّار ,الذي لا يزلزلونه إلا بأرواح الشهداء , التي تأخذ أجرها عند وزارة المالية , و تغرد في فندق المنصور , و تفحم المخالفين في البرلمان , و توقع تعهداً أمام سفارات مصر اليهودية , و الأردن الصليبية , و ألمانيا النازية , أن راية الشريعة باقية .. و لو كره المجلس السياسي و حارث الضاري .

واهم من ظن أن صقور ديالى و الكواسر في الموصل و ضراغم الأنبار و الفرسان المرعبين في بغداد و غيرهم .. سيوصل إلى دولة الإسلام من دون سيل دمائهم الجارف و قعقعة عظامهم التي تفقد العدو صوابه , و بقايا جماجمهم التي ستصبح أطيافاً مخيفة تلاحق المرتدين و لو في منامهم باللاصقات و القناصات .

هل ظن بايدن بإعلانه مقتل الشيخين أنه كسر جناح طيور الجنة لكي لا تصل إليه ؟ و هل ظن أولئك الذين يعبثون بأيديهم من خارج العراق ألا تصل إليهم أيدي أسود جزيرة العرب .. اليد الضاربة لدولة الإسلام خارج العراق !؟
لقد مضى ذلك الزمان الذي يفترس فيه المسلمون في مكان دون أية عواقب وخيمة .. ضربونا في العراق , فها نحن نضربهم في صنعاء و نيويورك ! و لا زلنا في أول المشوار .
و سيجلجل صوت الأمير الجديد في وقت مناسب لم يأت بعد , ليجعل العالم مرة أخرى يقف على قدميه و تستنفر كافة حواسه , و تعود حليمة إلى عادتها القديمة .. و اعتقلنا الأمير !


كل متابع للوضع السياسي للمنطقة الخضراء و حكومتها يدرك بجلاء أنه لو تم تشكيل الحكومة , فإن مقتل بعض مسئوليها الكبار سيجعل انهيارها أمراً شبه محتوم , فإذا كانوا في وضع يرون أنهم انتصروا فيه و أن الأمان الذي سيمكنهم من البقاء في بغداد قادم لا محالة بسبب مقتل رؤوس الإرهابيين وقد تنازعوا أشد التنازع .. فما بالكم حينما يرون ملك الموت قد قدم لينزع أرواح إخوانهم من بين أيديهم , و أن حواجز المنطقة الخضراء و جدار برلين و حاجز بارليف و جدار بغداد لا تمنعهم من الوصول إليهم .. سيعلمون حق اليقين ألا فائدة من البقاء في العراق و الصراع على فتات الأموال و المناصب تحت ظلال سيوف الموحدين !

و هل يقدر على فعلها أسود بغداد !؟
إذا كان خطف مسئولين في عهد الأمير الراشد أبي عمر البغدادي - رحمه الله - قد كان ليتم لولا قدر الله النافذ .. فما الظن و الأسود قد شحنت بشحنات الغضب و صواعق الثأر ؟! وفوق ذلك و قبله توفيق الله لمن غرسوا راية التوحيد في أرواحهم فدونها و دون سقوطها أهوال و مصاعب قد أقسموا ألا يروا راية التوحيد تسقط .. فإن عميت أرواحهم عن أجسادهم فتلك تحلة القسم .

و عندها سيكرر خدام الصليب و عباد المتعة .. عند كل روح ترفرف إلى مستقرها في عليائها : ربما تكون نهايتهم !
و سيقولونها و يقولونها حتى يؤذن الشيخ أسامة فوق قبة البيت الأبيض و يصلي الشيخ أبو يحيى الليبي في مزرعتها لأن داخل البيت الأبيض نجس بفضائحهم المعروفة .

هل تستنكرون ذلك ؟
إذاً .. أعيدكم إلى عناوين صحف 2001 عندما صرح رامسفيلد و إخوانه في الدين بأن القبض على أسامة و تفكيك القاعدة للأبد مجرد وقت فقط !!
فهل كان أحد يمتلك القدرة على مجرد تخيل الحال الذي وصلت إليه حالياً ؟
الإجابة بالأعلى .. حيث العنوان .

وصلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين .

حسني سلامة

No comments:

Post a Comment