Sunday, May 23, 2010

دروس تربوية من الأحاديث النبوية للشيخ خالد الحسينان حفظه الله الجزء الثاني


الدرس الحادي عشر:
الذنوب الخفية
· قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ الرجلَ ليعملُ عملَ أهلِ الجنَّةِ فيما يبدو للنَّاس وهو منْ أهلِ النار ، وإنَّ الرجلَ ليعملُ عملَ أهلِ النارِ فيما يبدو للناس ، وهو منْ أهلِ الجنةِ ) زاد البخاري في رواية له : ( إنَّما الأعمالُ بالخواتيم ) .
- قال ابن رجب :وقوله : ( فيما يبدو للناس ) إشارةٌ إلى أنَّ باطنَ الأمر يكونُ بخلافِ ذلك ، وإنَّ خاتمة السُّوءِ تكونُ بسبب دسيسةٍ باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس ، إما من جهة عمل سيئ ونحو ذلك ، فتلك الخصلة الخفية توجب سُوءَ الخاتمة عند الموت ، وكذلك قد يعمل الرجلُ عملَ أهل النَّارِ وفي باطنه خصلةٌ خفيةٌ من خصال الخير ، فتغلب عليه تلكَ الخصلةُ في آخر عمره ، فتوجب له حسنَ الخاتمة .
- قال عبد العزيز بن أبي روَّاد: حضرت رجلاً عند الموت يُلَقَّنُ لا إله إلا الله ، فقال في آخر ما قال : هو كافرٌ بما تقول ، ومات على ذلك ، قال : فسألتُ عنه ، فإذا هو مدمنُ خمرٍ . فكان عبد العزيز يقول : اتقوا الذنوب ، فإنَّها هي التي أوقعته .
· كان خوف السلف يشتدُّ من سُوءِ الخواتيم:
- وقال سفيانُ لبعض الصالحين: هل أبكاك قطُّ علمُ الله فيك ؟ فقال له ذلك الرجل : تركتني لا أفرحُ أبداً .
- وكان سفيان يشتدُّ قلقُهُ من السوابق والخواتم ، فكان يبكي ويقول : أخاف أنْ أكون في أمِّ الكتاب شقياً ، ويبكي ويقول : أخافُ أنْ أسلبَ الإيمانَ عند الموت.
- وكان مالك بنُ دينار يقومُ طُولَ ليلهِ قابضاً على لحيته ، ويقول : يا ربِّ ، قد علمتَ ساكنَ الجنة من ساكن النار ، ففي أيِّ الدارين منْزلُ مالك.
· أثر الذنوب على القلوب:
- قال أبو الدرداء : لِيَتَّقِ أحدُكم أنْ تلعنه قلوبُ المؤمنين وهو لا يشعر ، يخلو بمعاصي الله ، فيلقي الله له البغضَ في قلوب المؤمنين .
- قال سليمانُ التيميُّ : إنَّ الرجل لَيُصيب الذنبَ في السرِّ فيصبح وعليه مذلتُه.
- وقال غيره : إنَّ العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبينَ الله ، ثم يجيءُ إلى إخوانه ، فيرون أَثَرَ ذلك عليه ، وهذا مِن أعظم الأدلة على وجودِ الإِله الحقِّ المجازي بذرَّات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة ، ولا يضيع عندَه عملُ عاملٍ ، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار.
· السعـيد .. والخـاسر :
- قال ابن رجب: فالسعيدُ مَنْ أصلح ما بينَه وبينَ الله، فإنَّه من أصلح ما بينه وبينَ الله أصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومن التمس محامدَ الناسِ بسخط الله ، عاد حامده من النَّاس له ذاماً .
- قال أبو سليمان: الخاسرُ من أبدى للناس صالح عمله ، وبارز بالقبيح من هو أقربُ إليه من حبل الوريد .
· من أسباب سوء الخاتمة:
- قال ابن رجب: خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لايطلع عليها الناس.
- وقال بعضهم: ذنوب الخلوات تؤدي الى الإنتكاسات، وطاعة الخلوات طريق للثبات حتى الممات بإذن الله.
· أبـدلـه اللـه خيـرا منـه:
- قال قتادة: لا يَقْدِر رَجلٌ على حرام ثم يَدَعه ليس به إلا مخافة الله عز وجل إلا أبدله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خيرٌ له من ذلك.
- قال أُبَيّ بن كعب: ما من عبد ترك شيئًا لله إلا أبدله الله به ما هو خير منه من حيث لا يحتسب، ولا تهاون به عبد فأخذ من حيث لا يصلح إلا أتاه الله بما هـو أشد عليه، ويشهد له قوله - صلى الله عليه وسلم - : (فإن مَن ترك شيئًا للهِ عوَّضَه اللهُ خيرًا منه).
· من علامات النفاق:
- قال يحيى بن معاذ: مَن ستر عن الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ فقد جعله أهون الناظرين إليه، وهو مِن علامات النفاق!

الدرس الثاني عشر:
أخـطـار تـهددنـا
· قال حاتمٌ الأصمُّ : مَنْ خلا قلبُه من ذكر أربعة أخطار ، فهو مغترٌّ ، فلا يأمن الشقاء :
- الأوَّل : خطرُ يوم الميثاق حين قال : هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي ، فلا يعلم في أيِّ الفريقين كان .
- والثاني : حين خلق في ظلمات ثلاث ، فنودي الملك بالسعادة والشَّقاوة ، ولا يدري : أمن الأشقياء هو أم منَ السعداء ؟.
- والثالث : ذكر هول المطلع ، فلا يدري أيبشر برضا الله أو بسخطه ؟.
- والرابع : يوم يَصدُرُ الناس أشتاتاً ، ولا يدري ، أيّ الطريقين يُسلك به .

· هل تخاف من النفاق ؟
- ومن هنا كان الصحابة ومَنْ بعدهم منَ السَّلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق ويشتد قلقهم وجزَعُهم منه.
- فالمؤمن يخاف على نفسه النفاقَ الأصغرَ ، ويخاف أنْ يغلب ذلك عليه عندَ الخاتمة ، فيخرجه إلى النفاق الأكبر ، كما تقدم أنَّ دسائس السوء الخفية تُوجِبُ سُوءَ الخاتمة .
- وقد كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُكثرُ أنْ يقول في دعائه : ( يا مقلِّب القلوب ثبتْ قلبي على دينكَ ) فقيل له : يا نبيَّ الله آمنا بك وبما جئتَ به ، فهل تخافُ علينا ؟ فقال : ( نعم ، إنَّ القُلوبَ بينَ أصبعين منْ أصابع الله - عز وجل - يُقلِّبها كيف يشاء ) خرّجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس.
· احذر أربعة أمور:
- قال الحسن : أربعٌ من كُنَّ فيه عصمه الله من الشيطان ، وحرَّمه على النار : مَنْ ملك نفسَه عندَ الرغبة ، والرهبة ، والشهوةِ ، والغضبِ.
- قال ابن رجب: فهذه الأربع التي ذكرها الحسن هي مبدأ الشرِّ كُلِّه .
1- فإنَّ الرغبةَ في الشيء هي ميلُ النفس إليه لاعتقاد نفعه ، فمن حصل له رغبةٌ في شيءٍ ، حملته تلك الرغبة على طلب ذلك الشيء من كل وجه يَظُنُّه موصلاً إليه ، وقد يكون كثير منها محرماً.
2- والرهبة : هي الخوفُ من الشيء ، وإذا خاف الإنسان من شيء تسبب في دفعه عنه بكلِّ طريق يظنه دافعاً له ، وقد يكون كثير منها محرَّماً .
3- والشهوة : هي ميلُ النفس إلى ما يُلائمها ، وتلتذُّ به ، وقد تميل كثيراً إلى ما هو محرَّم كالزنا والسرقة وشرب الخمر ، بل وإلى الكفر والسحر والنفاق والبدع .
4- والغضب : هو غليانُ دم القلب طلباً لدفع المؤذي عندَ خشية وقوعه ، أو طلباً للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعدَ وقوعه ، وينشأ من ذلك كثيرٌ من الأفعال المحرمة كالقتل والضربِ وأنواعِ الظلم والعُدوان ، وكثيرٍ من الأقوال المحرَّمة كالقذفِ والسبِّ والفحش ، وربما ارتقى إلى درجة الكفر.
· أخـطر الجـوارح! :
- قال ابن القيم: ومن العجب :
- أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ، ومن النظر المحرم وغير ذلك .
- ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه .
- حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة ، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالا ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب
- وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ، ولا يبالي ما يقول.
· خطر النار:
- قال يحيى بن معاذ: مسكين ابن آدم لو خاف من النار كما يخاف الفقر لدخل الجنة .

الدرس الثالث عشر:
القلب السليم
· قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا وإنَّ في الجسد مضغةً ، إذا صَلَحَتْ ، صَلَحَ الجسدُ كلُّه ، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه ، ألا وهي القلب ) .
- فيه إشارةٌ إلى أنَّ صلاحَ حركاتِ العبدِ بجوارحه ، واجتنابه للمحرَّمات واتَّقاءه للشُّبهات بحسب صلاحِ حركةِ قلبِه .
- فإنْ كان قلبُه سليماً ، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يُحبه الله ، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه ، صلحت حركاتُ الجوارح كلّها ، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرَّمات كلها ، وتوقي للشبهات حذراً مِنَ الوقوعِ في المحرَّمات .
- وإنْ كان القلبُ فاسداً ، قدِ استولى عليه اتِّباعُ هواه ، وطلب ما يحبُّه ، ولو كرهه الله ، فسدت حركاتُ الجوارح كلها ، وانبعثت إلى كلِّ المعاصي والمشتبهات بحسب اتِّباع هوى القلب .
- ولهذا يقال: القلبُ مَلِكُ الأعضاء ، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه ، وهم مع هذا جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره ، لا يخالفونه في شيءٍ من ذلك، فإنْ كان الملكُ صالحاً كانت هذه الجنود صالحةً ، وإنْ كان فاسداً كانت جنودُه بهذه المثابَةِ فاسدةً ، ولا ينفع عند الله إلاّ القلبُ السليم.كما قال تعالى : { يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } .
· فالقلب السليم : هو السالم من الآفات والمكروهات كلِّها ، وهو القلبُ الذي ليس فيه سوى محبة الله وما يحبُّه الله ، وخشية الله ، وخشية ما يُباعد منه .
- وفي مسند الإمام أحمد عن أنس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه ) .
- والمراد باستقامة إيمانه : استقامةُ أعمال جوارحه ، فإنَّ أعمالَ الجوارحِ لا تستقيمُ إلا باستقامة القلب ، ومعنى استقامة القلب : أنْ يكونَ ممتلئاً مِنْ محبَّةِ الله ، ومحبَّة طاعته ، وكراهة معصيته .
الدرس الرابع عشر:
بعض ما يريد الله منّا ؟
قال الله تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ).
- قال سيد قطب: وتكشف الآية الواحدة القصيرة عن حقيقة ما يريده الله للناس بمنهجه وطريقته .
- وحقيقة ما يريده بهم الذين يتبعون الشهوات ، ويحيدون عن منهج الله .
- وكل من يحيد عن منهج الله إنما يتبع الشهوات .
- فليس هنالك إلا منهج واحد هو الجد والاستقامة والالتزام .
- وكل ما عداه إن هو إلا هوى يتبع ، وشهوة تطاع ، وانحراف وفسوق وضلال .
- فماذا يريد الله بالناس ، حين يبين لهم منهجه ، ويشرع لهم سنته؟
- إنه يريد أن يتوب عليهم . يريد أن يهديهم . يريد أن يجنبهم المزالق . يريد أن يعينهم على التسامي في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة .
- وماذا يريد الذين يتبعون الشهوات؟ ، ويزينون للناس منابع ومذاهب لم يأذن بها الله ؟ ، ولم يشرعها لعباده؟.
- إنهم يريدن لهم أن يميلوا ميلاً عظيماً عن المنهج الراشد ، والمرتقى الصاعد والطريق المستقيم .
· قال الحسن البصري لرجل : داوِ قلبكَ؛ فإنَّ حاجة الله إلى العباد صلاحُ قلوبهم.
- قال ابن رجب: يعني : أنَّ مراده منهم ومطلوبه صلاحُ قلوبهم ، فلا صلاحَ للقلوب حتَّى تستقرَّ فيها معرفةُ اللهِ وعظمتُه ومحبَّتُه وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤهُ والتوكلُ عليهِ ، وتمتلئَ مِنْ ذَلِكَ .
- وهذا هوَ حقيقةُ التوحيد ، وهو معنى ( لا إله إلا الله ) ، فلا صلاحَ للقلوب حتَّى يكونَ إلهُها الذي تألَهُه وتعرفه وتحبُّه وتخشاه هوَ الله وحده لا شريكَ لهُ ، ولو كانَ في السماوات والأرض إله يُؤَلَّه سوى الله ، لفسدت بذلك السماوات والأرض ، كما قالَ تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا } .
· قال تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله }.
- فجعل الله علامة الصدق في محبته اتباعَ رسولِهِ ، فدلَّ على أنَّ المحبة لا تتمُّ بدون الطاعة والموافقة .
· قال الحسن البصري: اعلم أنَّك لن تُحِبَّ الله حتى تُحِبَّ طاعته .
· وسُئل ذو النون: متى أُحِبُّ ربي ؟ قالَ : إذا كانَ ما يُبغضه عندك أمرَّ من الصبر .
· وقال أبو يعقوب النهرجوري: كلُّ من ادَّعى محبة الله - عز وجل - ، ولم يُوافق الله في أمره ونهيه ، فدعواه باطل .
· متى يكمل إيمان العبد؟ :
- قال ابن رجب: ومعنى هذا أنَّ حركات القلب والجوارح إذا كانت كلُّها لله فقد كَمُلَ إيمانُ العبد بذلك ظاهراً وباطناً ، ويلزمُ من صلاح حركات القلب صلاحُ حركات الجوارح ، فإذا كان القلب صالحاً ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعثِ الجوارحُ إلا فيما يُريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكَفَّتْ عما يكرهه ، وعما يخشى أنْ يكونَ مما يكرهه وإنْ لم يتيقن ذلك .

· هل تراقـب حركاتـك؟:
- قال الحسن : ما نظرتُ ببصري ، ولا نطقتُ بلساني ، ولا بطشتُ بيدي ، ولا نهضتُ على قدمي حتّى أنظر على طاعةٍ أو على معصية ، فإنْ كانت طاعةٌ تقدمت ، وإنْ كانت معصية تأخَّرت .
- فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبُهم ، فلم يبق فيها إرادةٌ لغير الله تعالى ، صلحت جوارحُهم ، فلم تتحرّك إلا لله تعالى ، وبما فيه رضاه .
الدرس الخامس عشر:
أهمية النصيحة في حياة الأمة
· قال تعالى: ( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ).
· قال النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - : ( الدِّينُ النَّصيحَةُ ثلاثاً ) ، قُلْنا : لِمَنْ يا رَسُولَ اللهِ ؟ قالَ : ( للهِ ولِكتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأئمَّةِ المُسلِمِينَ وعامَّتِهم ) رَواهُ مُسلمٌ .
· تعريف النصيحة : هي كلمة يعبر بها عن إرادة الخير للمنصوح له .
· قال الحسن: وقال بعضُ أصحاب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده إنْ شئتم لأقسمنَّ لكم بالله إنَّ أحبَّ عبادِ الله إلى الله الذين يُحببون الله إلى عباده ويُحببون عباد الله إلى الله ، ويسعون في الأرض بالنصيحة.
· قال الفضيلُ بن عياض: ما أدركَ عندنا مَنْ أدرك بكثرة الصلاة والصيام ، وإنما أدرك عندنا بسخاءِ الأنفس ، وسلامةِ الصدور ، والنصح للأمة .
· سئل ابنُ المباركَ: أيُّ الأعمال أفضلُ ؟ قال : النصحُ لله .
· قال معمر: كان يقال : أنصحُ الناسِ لك مَنْ خاف الله فيك .
وكان السَّلفُ إذا أرادوا نصيحةَ أحدٍ ، وعظوه سراً حتّى قال بعضهم : مَنْ وعظ أخاه فيما بينه وبينَه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنَّما وبخه.
· قال الفضيل: المؤمن يَسْتُرُ ويَنْصَحُ ، والفاجرُ يهتك ويُعيِّرُ .
· قال عبد العزيز بن أبي رواد : كان مَنْ كان قبلكم إذا رأى الرجلُ من أخيه شيئاً يأمره في رفق ، فيؤجر في أمره ونهيه ، وإنَّ أحد هؤلاء يخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره.
· قال عليٌّ بن أبي طالب رضي الله عنه: إنَّ أول ما تُغلبونَ عليه مِنَ الجِهادِ : الجهادُ بأيديكم ، ثم الجهادُ بألسنتكم ، ثم الجهادُ بقلوبكم ، فمن لم يعرف قَلبهُ المعروفَ ، ويُنكرُ قلبهُ المنكرَ ، نُكِسَ فجُعِل أعلاه أسفلَه.
· الإنكار بالقلب:
- الإنكارَ بالقلب فرضٌ على كلِّ مسلمٍ في كلِّ حالٍ ، وأمَّا الإنكارُ باليدِ واللِّسانِ فبحسب القُدرة.
- كما في حديث أبي بكرٍ الصديق - رضي الله عنه - ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ما من قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي ، ثم يقدرون على أنْ يغيِّروا ، فلا يغيِّروا ، إلا يُوشِكُ أنْ يعمَّهم الله بعقابٍ ) خرّجه أبو داود.
· آداب النصيـحة:
1- أن يقصد بها وجه الله تعالى.
2- أن لا يقصد التشهير.
3- أن تكون النصيحة في السر، قال بعض السلف: (من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبَّخه)
4- أن يكون النصح بلطف وأدب ورفق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه).
5- اختيار الوقت المناسب للنصيحة، لأن المنصوح لا يكون في كل وقت مستعداً لقبول النصيحة، فقد يكون مكدراً في نفسه بحزن أو غضب ، أو غير ذلك مما يمنعه من الاستجابة لنصح الناصح.
6- العمل بالنصيحة التي توجهها للناس.
7- الصبر على الأذى في النصيحة.


· شعارنا: النصح لكل مسلم:
- أخي الحبيب: هل جعلت شعارك في يومك وليلك أنك ما إن ترى خطئا أو معصية من أحد إخوانك المسلمين، فتهدي له النصيحة بأسلوب رائع سواء كان عن طريق الكتابة أو إهداء شريط أو غير ذلك من الوسائل.
· كاليـديـن:
- قال شيخ الإسلام : فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى.
الدرس السادس عشر:
التَّـلقـي للتـنـفيـذ
· قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا نهيتُكم عن شيءٍ ، فاجتنبوه ، وإذا أمرتُكم بأمرٍ ، فأتوا منه ما استطعتم ).
- قال ابن رجب: فالذي يتعيَّنُ على المسلم الاعتناءُ به والاهتمامُ أنْ يبحثَ عمَّا جاءَ عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم يجتهدُ في فهم ذلك ، والوقوف على معانيه ، ثم يشتغل بالتصديقِ بذلك إنْ كان من الأمور العلمية ، وإنْ كان من الأمور العملية ، بذل وسْعَهُ في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر ، واجتناب ما يُنهى عنه ، وتكون همَّتُهُ مصروفةً بالكلية إلى ذلك ؛ لا إلى غيره .
- وهكذا كان حالُ أصحابِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - والتابعين لهم بإحسّانٍ في طلب العلم النافع مِنَ الكتاب والسنة .
- فأما إنْ كانت همةُ السامع مصروفةً عند سماعِ الأمر والنهي إلى فرض أمورٍ قد تقع ، وقد لا تقع ، فإنَّ هذا مما يدخل في النَّهي ، ويثبِّطُ عنِ الجد في متابعة الأمر .
· متى يُحمد طلب العلم ؟ :
- إنَّ التَّفقُّهَ في الدِّين، والسُّؤالَ عن العِلم إنَّما يُحمَدُ إذا كان للعمل، لا لِلمراءِ والجدال .
- ومِلاكُ الأمرِ كلِّه أنْ يقصِدَ بذلك وجه الله ، والتقرُّبَ إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله ، وسلوكِ طَريقه ، والعمل بذلك ، ودعاء الخلق إليه .
· فـتـن في آخر الزمان:
- وقد روي عن عليٍّ - رضي الله عنه - أنَّه ذكر فتناً تكونُ في آخر الزَّمان . فقال له عمر رضي الله عنه : متَى ذلك يا عليُّ ؟ قال :
- إذا تُفُقِّه لغير الدين .
- وتُعُلِّم لغير العمل .
- والتمست الدنيا بعمل الآخرة .
· السؤال عمَّا لم يكن؟ :
- قال ابن عمر رضي الله عنه : لا تسألوا عما لم يكن ، فإني سمعتُ عمر لعنَ السَّائل عمَّا لم يكن .
- وكان زيدُ بنُ ثابتٍ إذا سُئِلَ عن الشَّيءِ يقول : كان هذا ؟ فإنْ قالوا : لا ، قال : دعوه حتّى يكون.
· متى يذهب نور العلم ؟ :
- قال الإمام مالك : المِراء والجِدال في العلم يَذهبُ بنور العلم من قلب الرجل .
· قال ابن وهب : سمعت مالكاً يقول : المراء في العلم يُقسِّي القلوب ، ويورِّث الضغن.
· ثمرة العمل بالعلم:
ومَنْ كان كذلك ، وفَّقه الله وسدَّده ، وألهمه رشده ، وعلَّمه ما لم يكن يعلم ، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } .
· وصية مُشفق:
- أخي المسلم: لا يكن همك من العلم هو جمع الكتب، وحفظ المسائل وضبط المتون، ونيل الشهادات، وأخذ الإجازات دون العمل بالعلم، وتنفيذ ما تسمع أو تقرأ فتكثر من حجج الله عليك ويكون وبالا عليك .
· أمثلة واقعية من حياة السلف:
- المثال الأول: قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه: كنا نتعلم العشر آيات لا نتجاوزهن حتى نعمل بها.
- المثال الثاني: قال ابن عمر رضي الله عنه : بينما نحن نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذ قال رجل من القوم : الله أكبر كبيراً ، والحمد الله كثيراً ،وسبحان الله بكرة وأصيلاً . فقال رسول الله : من القائل كلمة كذا وكذا ؟ ) قال رجل من القوم : أنا يا رسول الله ! قال : (عجبت لها ! فتحت لها أبواب السماء) .
- قال ابن عمر : فما تركتهن منذ سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك. رواه مسلم.
- المثال الثالث: وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري ، قال : سمعت أبي رضي الله
عنه ، وهو بحضرة العدو يقول : قال رسول الله : (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) ، فقام رجل رث الهيئة فقال : يا أبا موسى أأنت سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك ؟ قال : نعم ، فرجع إلى أصحابه فقال : أقرأ عليكم السلام . ثم كسر جفن سيفه فألقاه ، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قُتِلَ. رواه مسلم
- المثال الرابع: عن علي رضي الله عنه قال : اشتكت فاطمة رضي الله عنها ما تلقى من الرحى في يدها ، وأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- سبيٌ فانطلقت فلم تجده ؛
فأخبرته عائشة بمجيء فاطمة إليه ، فجاء النبيّ -صلى الله عليه وسلم- إلينا وقد أخذنا مضاجعنا ، فذهبنا نقوم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم- : على مكانكما . فقعد بيننا ، ثم قال : (ألا أعلمكما خيراً مما سألتما ؟ إذا أخذتما مضاجعكما : أن تكبرا الله أربعاً وثلاثين ، وتسبحا ثلاثاً وثلاثين ، وتحمدا ثلاثاً وثلاثين ؛ فهو خير لكما من خادم)
- قال علي رضي الله عنه : ما تركته منذ سمعته من النبي . قيل له : ولا ليلة صفين ؟ قال :ولا ليلة صفين. رواه مسلم.
- المثال الخامس: عن سالم بن عبد الله بن عمر ابن الخطاب رضي الله عنهم ، عن أبيه : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، قال : (نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل).
قال سالم : فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً) رواه مسلم.
- المثال السادس: عن النعمان بن سالم ، عن عمرو بن أوسٍ ، قال : حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث يتسارّ إليه قالسمعت أم حبيبة رضي الله عنها سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : (من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُنِيَ لهُ بهن بيت في الجنة).
- قالت أم حبيبة رضي الله عنها : فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله .
- وقال عنبسة : فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة .
- وقال عمرو بن أوسٍ : ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة .
- قال النعمان بن سالم : ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوسٍ. رواه مسلم.
فلعلك ياأخي المسلم تقتدي بهم ولاتترك هذه النصيحة منذ أن تسمعها.
- المثال السابع: قال الإمام البخاري : ما اغتبت أحداً قط منذ علمت أن الغيبة حرام. إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً.
الدرس السابع عشر:
من صفات الراسخين في العلم
· قال تعالى: { لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ }.
- قال الشيخ السعدي: أي: الذين ثبت العلم في قلوبهم ورسخ الإيقان في أفئدتهم فأثمر لهم الإيمان التام العام { بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِن قَبْلِكَ } .
- وأثمر لهم الأعمال الصالحة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة اللذين هما أفضل الأعمال، وقد اشتملتا على الإخلاص للمعبود والإحسان إلى العبيد. وآمنوا باليوم الآخر فخافوا الوعيد ورجوا الوعد.
· قال نافع بن يزيد : يقال : الرَّاسخونَ في العلم : المتواضعون لله ، والمتذلِّلون لله في مرضاته لا يتعاطون من فوقهم ، ولا يحقرون من دونهم.
· قيل للإمام أحمد : مَنْ نسألُ بعدَك ؟ قال : عبد الوهَّاب الورَّاق ، قيل له : إنَّه ليس له اتَّساعٌ في العلم ، قال : إنَّه رجل صالح مثلُه يُوفَّقُ لإصابة الحق .
· وسئل عن معروف الكرخي ، فقال : كان معه أصلُ العلم : خشية الله.
· قال بعض السلف : كفى بخشية الله علماً ، وكفى بالاغترار بالله جهلاً.
· العلم النافع:
- قال ابن رجب: العلم قسمان :
- أحدهما: ما كان ثمرتُه في قلبِ الإنسان ، وهو العلمُ بالله تعالى ، وأسمائه ،وصفاته ، وأفعاله المقتضي لخشيتِهِ ، ومهابتِه ، وإجلالِه ، والخضوع له ، ولمحبَّتِه ،ورجائهِ ، ودعائه ، والتوكُّل عليه ، ونحو ذلك ، فهذا هو العلمُ النافع .
- كما قال ابنُ مسعود : إنَّ أقواماً يقرءون القرآن لا يُجاوُزِ تراقيهم ، ولكن إذا وقع في القلب ، فرسخ فيه ، نفع .
- وقال الحسنُ : العلم علمان : علمٌ على اللسان ، فذاك حُجَّة الله على ابن آدم ، وعلم في القلب ، فذاك العلم النافع.

- والقسم الثاني : العلمُ الذي على اللِّسَانِ ، وهو حجَّةُ الله كما في الحديث : ( القرآن حجة لك أو عليك ) .
- فأوَّلُ ما يُرفعُ مِنَ العلم: العلمُ النَّافع ، وهو العلم الباطنُ الذي يُخالِطُ القلوبَ ويُصلحها.
- ويبقى علمُ اللِّسان حجَّةً ، فيتهاونُ الناسُ به ، ولا يعملون بمقتضاه ، لا حملتُه ولا غيرهم ، ثم يذهبُ هذا العلم بذهاب حَمَلتِه ، فلا يبقى إلا القرآن في المصاحف ، وليس ثَمَّ من يعلمُ معانيه ، ولا حدوده ، ولا أحكامه ، ثمَّ يسرى به في آخر الزمان ، فلا يبقى في المصاحف ولا في القُلوب منه شيءٌ بالكلِّيَّةِ .
- وبعد ذلك تقومُ السَّاعة ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقومُ السَّاعة إلاَّ على شرارِ الناس ). رواه مسلم.
· قال ابن مسعود رضي الله عنه : لا تعلموا العلم لثلاث :
1- لتماروا به السفهاء .
2- أو لتجادلوا به الفقهاء .
3- أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم .
وابتغوا بقولكم وفعلكم ماعند الله ، فإنه يبقى ويذهب ما سواه.
· وهذه بعض آفات التعلم في زماننا:
وهي كون هم المتعلم صرف وجوه الناس إليه وهذا أمر خطير ومرض في القلب شره مستطير وعليه :
§ فلا يكن همك أن يجتمع عليك الناس.
§ وأن تسلّط عليك الأضواء وتلتقي بهم في برنامج على الهواء.
§ وأن تذكر في المجالس بالحفظ والفهم والمنطق .
· هل كلما ازدت علما ازدت عملا ؟ :
- قال ابن القيم: وكل علم وعمل لا يزيد الايمان واليقين قوة فمدخول وكل ايمان لا يبعث على العمل فمدخول. الدخل - العيب والخلل والنقص-
ونحن في زماننا هذا علمنا مدخول وعملنا غير مانقول ومهما كبر الرجل وعلا كعبه في العلم إلا أنك تتفاجئ بمواقفه وأحواله التي تناقض علمه الجم وفقهه الواسع ونظره الثاقب وتحليلالته للواقع والعيب والخلل يكمن فيما قاله ابن القيم بأن علمه مدخول
وقال الفضيل بن عياض : رهبة المرء من الله تعالى على قدر علمه بالله تعالى .
الدرس الثامن عشر:
إن الله جميل يحب الجمال
· عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ).
· جمال الله جل جلاله على أربع مراتب:
· قال ابن القيم:وجماله سبحانه على أربع مراتب:
1- جمال الذات، وما هو عليه أمر لا يدركه سواه ولا يعلمه غيره.
2- وجمال الأسماء، فأسماؤه كلها حسنى .
3- وجمال الصفات، فصفاته كلها صفات كمال.
4- وجمال الأفعال، فأفعاله كلها حكمة ومصلحة وعدل ورحمة.
· والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين:
- فأوله معرفة، فيعرف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء.
- وآخره سلوك، فيعبد بالجمال الذي يحبه من:
- قلبه: بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل.
- الأقوال: فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق.
- والأعمال: كالصلاة والصيام والصدق.
- والأخلاق: كالتواضع والحلم والشجاعة والكرم والسخاء.
- وجوارحه: بالطاعة والعبادة وكثرة التقرب إليه سبحانه.
- وبدنه: بإظهار نعمه عليه في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظفار.
- فيعرفه بصفات الجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه فجمع الحديث قاعدتين المعرفة والسلوك.
· يحب الجميل.. ويبغض القبيح:
· قال ابن القيم: وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيأة يبغض القبيح من الأقوال والافعال والثياب والهيأة فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله.
· جمال الظاهر والباطن :
- قال تعالى: (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ).
- فجمع سبحانه بين الزينتين زينة البدن باللباس , زينة القلب بالتقوى , زينة الظاهر والباطن , وكمال الظاهر والباطن .
- قال ابن القيم: وكما أن الجمال الباطن من أعظم نعم الله تعالى على عبده فالجمال الظاهر نعمة منه أيضا على عبده يوجب شكرا.
- فإن شكره بتقواه وصيانته ازداد جمالا على جماله.
- وإن استعمل جماله في معاصيه سبحانه قلبه له شيئا ظاهرا في الدنيا قبل الآخرة فتعود تلك المحاسن وحشة وقبحا وشينا وينفر عنه من رآه.
- فكل من لم يتق الله عز و جل في حسنه وجماله انقلب قبحا وشينا يشينه به بين الناس.
- فحسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره وقبح الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره.
· حكـمـة:
- جمال المرء في تقواه واستقامته على طاعة الله ومتابعته للكتاب والسنة.
الدرس التاسع عشر:
المؤمن طيب في كل شيء
· عَنْ أبي هُرَيرة رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّباً ، وإنَّ الله تعالى أمرَ المُؤْمِنينَ بما أمرَ به المُرسَلين ، فقال : { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحا } رواه مسلم.
- قال ابن رجب: والمعنى : أنَّه تعالى مقدَّسٌ منَزَّه عن النقائص والعيوب كلها ، وهذا كما في قوله:{ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُون} ، والمراد : المنزهون من أدناس الفواحش وأوضَارها .
· وقد قيل: إنَّ المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله : ( لا يقبلُ الله إلا طيباً ) أعمُّ مِنْ ذلك ، وهو أنَّه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيباً طاهراً من المفسدات كلِّها ، كالرياء والعُجب ، ولا من الأموال إلا ما كان طيباً حلالاً.
· فإنَّ الطيب تُوصَفُ به الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ ، فكلُّ هذه تنقسم إلى طيب وخبيث.
· ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب بقوله تعالى : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ } .
· وإنَّ الملائكة تقولُ عند الموت: اخرُجي أيتها النفس الطَّيِّبة التي كانت في الجسد الطيِّب، وإنَّ الملائكة تسلِّمُ عليهم عندَ دُخول الجنة، ويقولون لهم: طبتم فادخلوها خالدين.
· فالمؤمن كله طيِّبٌ قلبُه ولسانُه وجسدُه بما سكن في قلبه من الإيمان ، وظهر على لسانه من الذكر ، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان ، وداخلة في اسمه ، فهذه الطيباتِ كلُّها يقبلها الله - عز وجل - .
· ومن أعظم ما يحصل به طيبةُ الأعمَال للمؤمن طيبُ مطعمه ، وأنْ يكون من حلال ، فبذلك يزكو عملُه .
· وأما الصدقة بالمال الحرام ، فغيرُ مقبولةٍ كما في " صحيح مسلم " عن ابن عمر ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقبلُ الله صلاةً بغير طهورٍ ، ولا صدقةً من غلولٍ ) .
الدرس العشرون:
كرر في دعائك يا رب يا رب
· قال الشيخ السعدي: والرب هو المربي جميع عباده بالتدبير وأصناف النعم.
- وأخص من هذا تربيته لأصفيائه بإصلاح قلوبهم وأرواحهم وأخلاقهم.
- وبهذا كثر دعاؤهم له بهذا الإسم الجليل لأنهم يطلبون منه هذه التربية الخاصة.
- وهو الذي له جميع معاني الربوبية التي يستحق أن يؤله لأجلها وهي صفات الكمال كلها والمحامد كلها له والفضل كله والإحسان كله، وأنه لا يشارك الله أحد في معنى من معاني الربوبية {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
· لا بشر ولا ملك، بل هم جميعاً عبيد مربوبون لربهم بكل أنواع الربوبية
· روي عن أبي الدرداء وابن عباس أنَّهما كانا يقولان : اسم الله الأكبر ربِّ ربِّ.
· سئل مالك وسفيان عمَّن يقول في الدعاء: يا سيدي ، فقالا : يقول يا ربّ . زاد مالك : كما قالت الأنبياء في دعائهم .
· قال عطاء : ما قال عبدٌ يا ربِّ يا ربِّ يا ربِّ ثلاث مرات ، إلاّ نظر الله إليه ، فذكر ذلك للحسن ، فقال : أما تقرءون القرآن ؟ ثم تلا قوله تعالى: { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ } .
· ومن تأمَّل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالباً تفتتح باسم الرَّبِّ .
- كقوله تعالى : { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }
- وقوله: { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ }.
- وقوله : { رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } . ومثل هذا في القرآن كثير .


يتبع

No comments:

Post a Comment