Sunday, May 23, 2010

استراتيجية الحرب المرتقبة | كتبه / عبدالله الحاج


بسم الله الرحمن الرحيم



-------------

الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية
Global Islamic Media Front


:: تقدم ::



مقالٌ مُهم بعنوان :

~ | استرَاتِيجيـّةُ الحَـرب المُرتَقَبَـة |~




^| كتبه / عبدالله الحاج ^|




[ استرَاتِيجيـّةُ الحَـربِ المُرتَقَبَـة ]

بسم الله الواحد القهّار
والصلاةُ والسّلام على الضّحُوك القَتّال
وَبَعد

يقفُ مراقبوا الأرصاد الجويّة في حَيرة هذه الأيّام وهم يحاولون تفسير تقلّبات المناخ العالميّ بازدياد الزلازل ونشاط البراكين, ويقفُ مراقبوا الطقس السياسيّ في حَيرة شديدة أيضاً, أمام تقلبات السّياسة الدوليّة في المنطقة, ويقفون في حَيرة أشدّ وهم يحاولون التّنبؤ بما يمكن أن يحدث !

ومع أن مراقبى الأحوال الجويّة والسياسيّة يضعون تنبؤاتهم وفق تفسيراتهم ثم يختمون كلامهم بـ "الله أعلم", إلّا أن أحدا لن يَنقِم عليهم إن أخطأوا في تنبؤاتهم تلك ! لأنها بمثابة تحذيراتٍ لا يكلّف الأخذ بها شيئا، فما الذي يكلّفك إن اصطحبت معك مِظلة للوقاية من الأمطار المتوقعّة لهذا اليوم .؟ لا شيء ، كذلك لن يكلّف الكيانات السياسيّةِ الحذر من سيناريو معيّن أي شيء, بل إن من الوظائف الأساسيّة في مؤسّسات الفكر والدراسات الاستراتيجيّة في الغرب أن تعطي وتضَع سيناريوهات معيّنة بأسماء ومواقع وتواريخ في نهاية تقاريرها التي تناقش قضايا متنوعة, وهي ما تسمّى بعمليّة استشراف المستقبل، وتأتي أهميّة هذه العمليّة في أنها تضع أمام السياسيّ مشهداً تقريبياً لما يمكن أن يَقَع قبل وقوعه، وبمجرّد ظهور الإشارات الأولى التي تدلّ على صدق هذه التّنبؤات يكونُ هو الوحيدُ المدركُ –أي السياسيّ- لطبيعة الأحداث القادمة, وبالتالي يستطيع أن يبنيَ عليها تحركاته بكل ثباتٍ وثقة . .

وبما أن الحديث هنا يتناول منطقة الصراع الوُسطى من العالم والتي غلب عليها اسم الشّرق الأوسط, فإنّي أودّ أن أبدأ بحادثةٍ تُبيّن مدى حُسن قراءة مراكز البحث الغربيّة لمجريات الأمور على هذه السّاحة قبل وقوعها، حيث نُشرت دراسةٌ في منتصف التسعينيات –تقريباً- لأحد الخبراء الأمريكيين الباحثين في الشّؤون العراقيّة، فبعد أن أجرى مسحاً شاملاً للعرقيّات والتوجّهات والتقسيمات الشّعبية والمذهبيّة في داخل العراق, توقّع أنّه في حالة حدوث تدخّل عسكريّ أمريكيّ في العراق أن يؤيّد الشيعة في الجنوب هذا التدخل, وكذلك الحال بالنسبة للأكراد في الشمال, وأن العلمانيين السّنة والصوفيّة والعشائر البدويّة لن يشكلوا أيّ مشكلة لأمريكا وسيتوافقُون معها بشكلٍ أو بآخر، أمّا المشكلة فستكون في هذه النقطة بالتحديد –ووضع سهماً على الخريطة- وذلك لوجود بدايةِ مدّ وهابيّ في هذه المنطقة وهذا يشكّل تهديداً حقيقيّا للوجود الأمريكي، والحقيقة أن تلك المنطقة التي أشار إليها الخبير الأمريكيّ لم تكن سوى الفلّوجة !! تلك المدينة الصغيرة التي أصبحت عنواناً للجماعات الجهاديّة ورمزاً لرفض الاحتلال الأمريكيّ، ومع أنّ الجيش الأمريكيّ تجاهل هذه الدراسة أو لم يعلم بها أصلاً, إلا أنّه ندم كثيرا على عدم الأخذ بهذا التحذير المسبق والذي كلفّه تجاهُله الشيء الكثير . .

ومن وَاقع تجربتي الشّخصيّة مع سرعة تغيّر الأحداث في هذه المنطقة بالتحديد, و سرعة تبادل الأدوار فيها بحيث يكون عدوّ اليوم صديق الغد وبالعكس, فلقد يمّمت وجهيَ تِلقاء منطقة شمال العراق -كردستان-, بداية العام 2003م, بعد أن وصلتني تقاريرٌ مشجّعة عن الوضع العسكريّ والإداريّ الجيّد لجماعة أنصار الإسلام هناك, وهي جماعةٌ جهاديّة كانت تقاتل النظام العراقيّ البعثيّ وبعض الفصائل الكرديّة الموالية له, فقُمت ببعض الترتيبات وحزمت حقائبي وغادرتُ الحدود, وقدّر الله أنّي تعرضت للاعتقال في إحدى البلدان وتحفظت عليّ السلطات هناك, ولم أستطع إكمال الطريق, ثمّ مضت الأيام والشّهور وبدأت الاستعدادات الأمريكيّة لغزو العراق, فأصدر الشيخ أسامة بن لادن -حفظه الله- فتوى بوجوب الجهاد في بلاد الرافدين, وأوضح أن القتال ضد القوات الأمريكيّة الغازية وإن كان فيه مصلحة للنظام البعثيّ العراقيّ إلا أنّ -تقاطع المصالح- في هذه الحالة لا بأس به, وشبّه الأمر بتقاطع مصالح الصّحابة معَ مصالح الفُرس في عدائهم للروم أثناء معارك الفتح الإسلاميّ، فتأملت الأمر فوجدته عجباً ! فقد كُنّا نُقاتل النظام العراقيّ بالأمس, واليوم نقاتل معه في خندق واحد !! فخرجت من ذلك بالدرس الأوّل لي في علم السّياسة ( ليس هناك عدوّ إلى الأبد, كما أنّه ليس هناك صديق إلى الأبد ) ..

إذن نستطيع أن نستخلص ممّا سبقَ أنّ الدارس لهذه المنطقة يجب أن يتجاوز بأفُقه كلّ ما رسخ في أذهان النّاس أنّه ثابتٌ من المواقف السياسيّة والعسكريّة, ليتمكّن من الرؤية بشكل أفضل . .

الحربُ المرتقبَةُ بَين الحِلف الأمريكيّ وَالحِلف الشّيعيّ

قد يُقال هنا ما فائدة الانشغال بالمستقبل وهو نوعٌ من الرّجم بالغيب ؟ وللإجابة على ذلك أقول إن عمليّة استشراف المستقبل ضروريّة جداً في بناء تحركاتنا في الحروب القادمة، فالحروبُ قد تنشب في أيّ وقت, والمستعد لها فقط هو من يكون أكثر حظاً في الفوز بنتائجها, وهذا النوع من الدّراسات يُعتبر من الإعداد الجيّد الذي تهتم به الجيوش الحديثة وتُنشَأ له المراكز البحثيّة الضخمة, وتُنفَق عليه الملايين كمؤسّسة "راند" التي تُعنى بالدراسات الاستراتيجيّة في المؤسّسة العسكريّة الأمريكيّة, وغيرها من مخازن الفِكر التي تَجمع المعطيات وتدرُس تاريخ كلّ منطقة على حده, ثمّ تضع توقعاتها وتوصياتها المستقبليّة بناءً على قاعدة المعلومات السابقة ..

ونحنُ عندما نتحدّث عن الحرب المرتقبة في الخليج وامتداداتها في المنطقة فإنّما نتحدث عن حربٍ قد استُعِدّ لها بالفعلِ ومنذ سنين طويلة, ووُضعت لها استراتيجيّات ومراحلُ بحيث لا تصل الأمور إلى حدّ الأزمة كما هو الآن, إلّا بعد أن يكون كلّ طرف قد أخذ أهبته للحرب، والناظر في الخريطة العسكريّة الآن يرى أن أمريكا تمتلك عشرات القواعد العسكريّة على الضفة الغربية من الخليج, وتتمتع بامتيازات خاصّةً في استخدام موارد وأراضي الحلفاء, وبهذه التسهيلات ترفع من قدرتها على تعبئة وزيادة قوّاتها في أيّ لحظة, وقد جاءت هذه الاستعدادات بناءً على قديمة ونظريات -مبدأ كارتر- توقعت نشوب نزاعاتٍ مختلفة في هذه البقعة من العالم, بسبب النفط وموقعها الجغرافيّ المهمّ وتركيبتها السكانية المتباينة فهُم في مجملهم عرب سنّة في مقابل فرس شيعة ..

أما الحديث عن توقّع واستعدادات ايران للحرب فهو حديثٌ ذو شجون, خاصّة أن الإيرانيين قد وصلوا إلى مرحلةٍ متقدمةٍ من خطّتهم الشهيرة التي تحمل اسم "الخطّة الخمسينيّة", وهي الخطّة التي وضعت في الأصل لاحتلال المنطقة ثقافياً وتجارياً واجتماعياً ومن ثمّ عسكرياً، وفيما يلي اقتباسٌ بسيط من الخطّة يُبيّن اهتمامهم الشديد بالمنطقة : ( وجيراننا من أهل السنة والوهابيّة هم : تركيا والعراق وأفغانستان وباكستان وعددٍ من الإمارات في الحاشية الجنوبيّة ومدخل الخليج الفارسيّ التي تبدوا دولاً متّحدة في الظّاهر إلا أنّها في الحقيقة مختلفة، ولهذه المنطقة بالذات أهميّة كبرى سواء في الماضي أو الحاضر, كما أنها تعتبر حلقوم الكرة الأرضيّة من حيث النفط، ولا يوجد في العالم نقطة أكثر حساسيّة منها, ويملك حكام هذه المناطق بسبب بيع النفط أفضل إمكانيّات الحياة . . . إن سيطرتنا على هذه الدول تعني السّيطرة على نصف العالم ) انتهى ..

وبغضّ النظر عن خلايا الرّصد التي اكتُشفت في الخليج مؤخّرا ومظاهر العداء والاستعداء في المنطقة, فإنّ توقع الحرب لم يكُن وليد مواجهةٍ سياسيّة بسبب ملفٍ نوويّ أو نزاعٍ سياديّ أو غيره, بل هو في الأصل بسبب الموروث العقائديّ لدى الشيعة الإثنى عشريّة والذي بسببه تربّوا وترعرعوا على انتظار مثل هذه الحرب المصيريّة، ومن مشاهداتي الشّخصيّة في هذا الشّأن أننّي عِشت فترةً من عام 2001 في مدينة "مشهد" الإيرانيّة, فلاحظت أنّ المناطق الدّاخليّة في مركز المدينة تتميّز بضيق مساحة الشّوارع بحيث لا يتّسع الشّارع إلّا لعبور سيّارةٍ واحدةٍ صغيرة الحجم فقط ! وعندما تساءلت عن السبب قال لي أحد الباحثين في الشّأن الشّيعي أنّ الأمر يعود لاعتقاد الشّيعة أن هناك حرباً ستقوم في المستقبل, وأنّهم سيكونون في مأمن من آليّات ومدرّعات الجيوش إذا قاموا بتضييق شوارعهم بحيث لا تسمح بمرور مثل هذه المدرّعات !!

ومع سخافة هذا التصوّر للوهلة الأولى إلا أنّني قد شاهدت نفس التكتيك في مساحة شوارع حيّ "النخاولة" في المدينة النبوية, وهو الحيّ الذي يقطنه شيعة المدينة, ثمّ تفاجأت أنّ ثقافة الشّوارع الضيّقة منتشرة لدى شيعة المنطقة عموماً في "القطيف" ومدن جنوب العراق ! وقد استفاد شيعة "النّجف" كثيراً من هذا الأمر أثناء الحملة العسكريّة الأمريكيّة لتأديب جيش "المهدي" هناك، فقد تعذّر على الدبّابات الأمريكيّة دخول بعض نواحي المدينة لضيق الشّوارع فيها، بل وأفلتَ الكثيرون من الحصارات المضروبة بفضل الأنفاق الأرضية بين البيوت, والتي حُفرت لتهريب المطارَدين منذ أيّام صدّام حسين، والمقصود هنا أنّ الشّيعة كانوا يتوقّعون منذ زمنٍ طويلٍ مثل هذه المواجهات التي نتكلّم عنها الآن, ولم يغفلوا عن إعداد أنفسهم وأبنائهم بل وبيوتهم وشوارعهم لمِثل ذلك اليوم المرتقب ..

وفيما يلي عرضٌ لأهمّ الجبهات التي ستكون محور نزاع الصّراع القادم, وأهمّ الخيارات المفتوحة أمام الجماعات الجهادية في كلٍّ منها، وقد تحدثت بإسهابٍ عن الجبهة الأولى لأهميّتها الاستراتيجية في تحديد ملامح وهويّة الصراع, وقد قسّمتُ مناطق النّزاع إلى خمس جبهات, وهي كالآتي :

(1) جبهة شرق جزيرة العرب
(2) جبهة جنوب لبنان
(3) جبهة جنوب غرب سوريا
(4) جبهة قطاع غزّة
(5) جبهة بلاد الرّافدين


الجبهةُ الرئيسيّة
شرقُ جزيرةِ العَرب

الحقيقة أنّ هذه المنطقة مشحونة فكرياً ضد الفكر الشّيعي، فالمؤسّسات والهيئات الدينيّة استُخدمت قديماً بشكلٍ أو بآخر في حشد التأييد المعنويّ والماديّ لدعم الجماعات الجهاديّة في أفغانستان, وعندما انتهى الدور المطلوب منها قامت بتوجيه دفّة الدعوة الداخلية لأفرادها ضد التشيّع بألوانه المختلفة -العدو المفترض-, ولقد وجدوا في هذه المعركة مساحةً جيدةً لإشغال جماهيرهم الملتزمة دينياً, خِشية التفلّت من أيديهم باتجاه الحركات الجهاديّة وخاصةً بعد أحداث 11 / سبتمبر التي سحبت البساط من تحت تلك المؤسّسات وكشفت حقيقة توجهاتها المرتبطة برباطٍ وثيقٍ برغبات الأنظمة الحاكمة ومن خلفها أمريكا ..

ونحن عندما نتحدث عن منطقة الجزيرة العربيّة فنحن نتحدث عن منطقةٍ تنشط فيها التيّارات السّلفية التي تربّت على كتب وأفكار المجدّد محمد بن عبد الوهّاب رحمة الله عليه، والتي كسر فيها حاجز تكفير وقتال عُبّاد القبور والمشاهد الشركيّة، وقد كانت لكتب ورسائل الشّيخ ودعوتُه الأثر الكبير في إقناع أبناء الجزيرة بشرعيّة حمل السلاح ضد طوائف الشّرك المنتشرة آنذاك في نجدٍ والحجاز وشرق الجزيرة، ولو كانوا من ذوي القُربى، والمتصفّح للمناهج الدراسيّة في السّعودية والدورات الشّرعية في بقيّة الدول يرى أنها تتناول بشكلٍ دوريٍّ منتظم مسائل التّوحيد وأحكام الدّين فيمن تلبّس بمظاهر الشرك الأكبر، فإنّ ربطنا هذا الأساس الشّرعي الرّاسخ عند التيّارات السّلفية خاصّة بموجة الشّحن الفكريّ الموجّه ضد الشيعة والراعيّة الرسميّ لهم "إيران" نجد وبكلّ وضوح أنّ المنطقة مهيّأة فكرياً وشعورياً لقبول فكرة قتال الشّيعة كطائفةٍ كفريّة ولو كانوا من مواطنيهم ! وهذا ما سيدفع أبناء الجزيرة العربيّة إلى تلبية نداء الجهاد المقدّس الذي سيطلقه بن سعود وليس بن لادن هذه المرّة ! فماذا يمكن أن يحدث يا ترى ؟

قبل التطرّق لمرحلة إعلان الجهاد في جزيرة العرب والذي سيظنّها البعض أحلام يقظةٍ أو مبالغاً فيها -مع أنّ بوادر الدعوة إليها قد ظهرت في القتال بين الحوثيين والجيش السعوديّ- يجب أن ندرك أن الإيرانيّين كقادةٍ للحلف الشيعيّ سيقودون المعركة من خلال محورين :

الأوّل : انطلاقاً من دول الهلال الشيعيّ ( إيران - جنوب العراق - سوريا - جنوب لبنان ) ، والثّاني : عبر الخلايا النّائمة في الجيوب السّكّانية الشيعيّة المنتشرة في جزيرة العرب ( مدينة الكويت - القطيف - البحرين - صَعده ) والتي ستخرج على أنّها ثورات شعبيّة ضد المحتل الأمريكيّ، والخطر الكامن في هذه الخلايا أنّها الوحيدة -على مستوى سكّان المنطقة- المدربّة عسكرياً بشكلٍ جيّد, وذلك في معسكرات ( قُم وحزب الله ) طوال السّنين الماضية, وتحمّل مقدارٍ أكبرَ وأعمقَ من الشّحن العقائديّ والعاطفيّ ضد كل ما هو سنيّ ! وهذا الشّحن لم يأت عبثاً أو كردّة فعلٍ ضدّ ممارساتٍ قمعيّة, وإنّما فَنيَت عليه أجيال ورَبيَت عليه أجيالٌ أخرى، والملاحظ أنّ شيعة جزيرة العرب قبل عشرين سنةٍ ليسوا هم شيعة الآن، فبالماضي القريب كانت إيران ضعيفةً بسبب الحرب المنهِكة مع العراق, ولذلك كان الشّيعة هم نُزلاء زنازين المباحث وأمن الدّولة في معظم بلدان الخليج ! وكانوا يُقمعون بشكلٍ دمويّ كما حدث في دخول الحرس الوطنيّ السعوديّ إلى البحرين لقمع انتفاضة الشّيعة هناك في الثمانينات, وكان لا يُسمح لهم بارتقاء المناصب ولا بالظّهور في وسائل الإعلام, ولكنّ الوضع الآن تبدّل مع تنامي قوّة إيران والحلف الشيعيّ، فأصبحت لهم كياناتهم السّياسيّة والاجتماعيّة الخاصّة ، ولهم ظهورٌ إعلاميّ بارزٌ وتميّز عن بقيّة شعوب المنطقة وكأنّهم ليسوا منها ! والأخطر من ذلك أنّهم بدءوا يتصرّفون بإيعازٍ ودعمٍ من إيران بشكل جرئٍ وغير مسبوق، ففي الكويت مثلاً تجرؤا على إقامة حفل تأبينٍ للقائد الميدانيّ في حزب الله اللبنانيّ "عماد مغنية", مع أنّه ضالعٌ في محاولة اغتيال أمير الكويت السّابق "جابر الأحمد" عام 1985, وهو أيضاً أحد خاطفي طائرة الخطوط الجويّة الكويتية "الجابريّة" عام 1988, والتي قُتل فيها عدد من الكويتيين, ومع ذلك لم يعبئوا بأحد ! وعندما تحركت السلطات الكويتيّة وقبضت على منظّمي التأبين قامت جماهيرٌ غاضبةٌ من الشّيعة وتجمهرَت أمام مبنى أمن الدّولة ورشقت بعض ضبّاطه بالحجارة ! والمضحك أنّ أحد الموقوفين في هذه القضيّة عُيّن وزيراً في الحكومة الكويتيّة فيما بعد !! وقُل نفس الكلام عن جُرأة شيعة المدينة في أحداث البقيع عام 1430 للهجرة ، أما الأقليّة الشيعيّة المسلّحة الوحيدة في المنطقة -الحوثيّون- فقد بدءوا قتالهم بشكلٍ عشوائيّ ولم يتغير الأمر حتى الحرب الخامسة بينهم وبين الجيش اليمنيّ, ولكنّ الأمور تغيّرت بدرجة كبيرة جداً بعد وصول ضبّاط الحرس الثّوري الإيرانيّ, وظهرت تكتيكاتٌ جديدةٌ وأساليب قتالٍ فعّالةٍ تمكنوا من خلالها وبتحرك يدلّ على دهاءٍ سياسيٍ وعسكريٍ -غريب على المنطقة-, تمكنوا من استدراج وإدخال الجيش السعوديّ إلى المعركة بعد أن قاموا بعمليّة احتلالٍ جزئيّ لبعض المواقع داخل الحدود السّعودية والتمركز فيها طوال فترة الحرب السادسة, ممّا أدّى إلى نقل المعركة من كونها صراعُ يمنيٌ داخليٌ, إلى صراعٍ إقليميٍ دينيٍ ساعد في تجييش الحوثيين ونقل معركتهم إلى المسرح الدوليّ, بعد أن تناولت حيثياتها وسائل الإعلام العالميّة مما أدى إلى دخول إيران على الخط ومطالبتها وقف إطلاق النار وبدءَ المفاوضات, ووصفتها السّعودية بأنّها دولة مذهبيّة قائمة على التطرف الديني ! وبعد أن وقّع أطراف النّزاع الثلاثة اتفاقيّة الهُدنة, ومن ثمّ تثبيتُ وقف اطلاقِ النّار وتبادل الأسرى وإخلاء المواقع المحتلّة, وبعد أن انقشع غبار المعركة اكتشفت السّعودية واليمن أن هناك "حزب الله" آخر قد غُرس في خاصرتها ليقوم بنفس الدّور الذي يقوم به حزب الله اللبنانيّ في لبنان ! ومن نافلة القول هنا أن أقول أنّ من أراد التفاوض مع حزب الله الجديد فعليه التوجّه إلى طهران مباشرةً, تماماً كمن يريد التفاوض مع حزب الله اللبنانيّ أو بقيّة أدوات إيران في المنطقة، وفي اعتقادي أنّه من أجل هذا الوضع السياسيّ والعسكريّ الجديد شنّ الحوثيّون معركتهم تلك باتجاه الحدود السعوديّة !

الطَلقةُ الأولَى

أعتقدُ أنّ تأمين بعض الجبهات الدّاخليّة والخارجيّة لدى أطراف النّزاع هيَ التي تُعيق الدّخول الفعليّ في الحرب، فالأمريكان يعانون كثيراً في جبهاتهم الخارجيّة في أفغانستان والعراق، والإيرانيّون منزعجون من الاضّطرابات الدّاخليّة التي يُثيرها الإصلاحيّون بين الحين والآخر، فإن تمّ تأمينُ كِلا الجبهتين فستشهد المنطقة تسارعاً كبيراً في المناورات السّياسية التي يتخلّلها بعض الاستفزازات العسكريّة والأمنيّة, في محاولة كلّ فريقٍ لدفع الفريق الآخر لإطلاق الطلقةِ الأولى في المعركة، وهذه الحالة شبيهةٌ إلى حدٍ كبير بالمناورات السّياسيّة التى تلَت تأميم قناة السّويس عام 1956 بين كلٍ من مصر وروسيا من جهة, واسرائيل وفرنسا وبريطانيا من جهة أخرى, حيث حاول كل فريقٍ جرّ الآخر ليكون هوَ من يُطلق الطلقة الأولى في الحرب التي عُرفت بعد ذلك بالعدوان الثلاثيّ، ولهذه المسألة دورٌ حيويّ يُستخدم في اقناع بعض المصوّتين في الأمم المتحدة ومجلس الأمن, لأنّها ستظهر متلقّي الطلقة الأولى بمظهر المجنيّ عليه ..

وقبل التعرض للسّيناريو المحتمل وقوعه في اندلاع الحرب, أوَدّ التّطرّق لسلوكٍ مبهمٍ أوقعَ الكثير من المراقبين في حَيرةٍ وهُم يحاولون تفسيره وفق رؤاهم ونظرتهم للسّياسة الإيرانيّة، فالطّبيعة السّريّة للنظام الإيرانيّ لا تتَوافق مع المناقشات والتحديّات العلنيّة في كلّ مرحلة من مراحل البرنامج النوويّ الإيرانيّ، والتفسير الوحيد الذي أميل إليه بشدّة هو أن الإيرانيّين يمتلكون السلاح النوويّ بالفعل ! سواءً عن طريق شراءه من السّوق السوداء الروسيّة أو قاموا بتصنيعه في مراحل سريّة سابقة كما فعلت اسرائيل في برنامجها النوويّ، وأنّهم لم يُعلنوا عن مراحل برنامجهم النوويّ التمويهيّ الذي يتضمّن إنشاء وبناء مفاعلاتٍ نوويّة غير خاضعةٍ للتفتيش إمّا ليتلقوا ضربة تدميريّة من أمريكا وحلفائها في المنطقة الذين لن يسمحوا لها بذلك، فتقوم إيران عندها باستخدام السلاح النوويّ في فرض واقعٍ معيّنٍ بعد أن تشرع في تنفيذ خطط الاحتلال الجزئيّ لبعض المناطق على الضفّة الأخرى من الخليج العربيّ، ولفكّ التشابك الذي قد يحصل في فهم العبارة السّابقة أقول أن السّياسة الإيرانيّة تتميز بالمكر والخداع في تنفيذ أجنداتها السّياسيّة وهذا الأمر جُبِل عليه السّاسة في فارس واشتُهر منذ القدم, وقد جاء عن عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- أنّه وجّه جيشا إلى بلاد فارس وأمّر عليهم أبى عبيد الثقفيّ فأوصاه وقال : إنك تُقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة !

وقد لفت انتباهي وأنا أنظر إلى الخريطة القديمة لبلاد فارسٍ أنها تضمّ مقاطعاتٍ باسم "مكر و مكران" ! فقد يكون لهذه الأسماء دلالةٌ معيّنة على طبيعة ساكنيها، على العموم هذا الأمر دعا د. عبدالله النفيسي إلى وصفهم بأنهم -سادة الشطرنج-, والشطرنج لعبة تعتمد على التّفكير الإستراتيجيّ الذي يعتمد على ربط وإدارة مجموعة تكتيكاتٍ للوصول إلى هدفٍ نهائيّ، وبالنظر إلى مجموع دوافع ومحركات السّياسة الفارسيّة كما يسمّيها الباحث عادل عبدالله في كتابه القيّم ( محركات السّياسة الفارسيّة ) فإني أعتقد أنّ الهدف النّهائيّ من مَسار السّياسة الإيرانيّة الحاليّة لن تنتهي مراحله إلّا بالسّيطرة الإيرانيّة الكاملة على البقعة الجغرافيّة الضّخمة التي تضمّ العراق والشّام وجزيرة العرب, يدفعها إلى ذلك حقدها الفارسيّ الدفين ضد كلّ ما هو عربيّ -وهذه الأقاليم الثّلاثة هي مهد العرب-, ويدفعها ثانياً حقدها العقائديّ ضدّ كلّ ما هو سنيّ, وطموحها الكبير في تنفيذ خطّة تشييع جزيرة العرب كما فعل الصفويّون بأهالي السّنة في إيران من قبل, ويدفعها ثالثاً تعطّشها الشّديد للوثوب على مصادر الطّاقة التي ستجعل منها القوّة النفطيّة الأولى في العالم, وهو الشّكل الذي ستَتَسيَد من خلاله إيران العالم كما تسيّدته أمريكا من خلال القوّة العسكريّة، وللوصول إلى هذا الهدف الطّموح يجب أن تخطو إيران عدّة خطوات وتقوم بعدّة نقلاتٍ شطرنجيّةٍ لتجرّ المنطقة إلى حالةٍ من الحرب, لأنّ الحروب وحدها هي التى تغيّر معالم الخرائط لمساحات الدّول، وقد خرجت سيناريوات كثيرة للشّكل الذي يمكن أن تأخذه هذه المواجهة, اتسّم بعضها بالواقعية, ولكنّ أحداً لم يربط الأحداث العسكريّة الممكنة بالأهداف الإيرانيّة الغير معلنة, والتي تعرضنا لها سابقاً بل إنّ كلّ ما اطّلعت عليه مجرّد تحركاتٍ وضرباتٍ عسكريّة تأتي كردّات فعلٍ لاعتداء طرفٍ على آخر ! ولذلك فإنّي أعتقد أنّ الخطوات العسكريّة الإيرانيّة القادمة يجب أن تكون ممهّددةً لمرحلةٍ تاليةٍ في برنامج السّيطرة على الأقاليم الثّلاثة (العراق - جزيرة العرب - الشّام ), وبما أنّ الكلام هنا عن الجّبهة الرئيسيّة للحرب المرتقبة وهي جَبهة شرق جزيرة العرب, فإنّي أرى والله أعلم أن الشّرارة الأولى للحرب ستنطلق من هذه المنطقة عبر سلسلة استفزازات إيرانية للأسطول البحريّ الأمريكيّ الرابض في مياه الخليج, كما حدث مؤخراً في تحليق إحدى المقاتلات الإيرانيّة فوق حاملة الطّائرات "آيزنهاور", وسوف لن تردّ أمريكا أو اسرائيل على هذه الاستفزازات حتّى يتّم الانتهاء من التّرتيبات المتعلّقة بتهيئة الوضع النهائيّ قبل الحرب, كالانسحاب من أفغانستان والعراق والهدنة مع طالبان والقاعدة -هذه النّقطة هي الإعلان الرسميّ لنهاية الحرب على الإرهاب-, وإجلاء الرّعايا الأجانب وتأمين احتياطيّ النفط لأيّام الحرب, وتحييد روسيا والصّين لاستصدار قرار حقّ استخدام القوّة لإيقاف البرنامج النوويّ الإيرانيّ وغيره مما تتطلبه الحرب، طبعاً أمريكا تحتاج إلى كثيرٍ من الترتيبات السياسيّة للبدء من تلقاء نفسها ولكنّها عندما تتعرض لهجومٍ عنيف أو ما شابه فإنّها ستذهب إلى الحرب مباشرةً لوجود المسوّغ الشرعيّ لذلك -الدفاع عن النفس-, وهذا ما سيحاول الإيرانيّون أن يوفّروه لأمريكا قبل الانتهاء من ترتيباتها النهائيّة لقطع الطريق عليها قبل استكمال هذه الترتيبات، فإن حدثت الضّربة الأمريكيّة التي ستستهدف في موجاتها الأولى نُظم الدفاع الجويّ وجميع المطارات ومقارّ القيادة والتوجيه، وهذا التكتيك جزء من العقيدة القتاليّة الأمريكيّة والتي اسميها "عقيدة النّسر" في السّيطرة على الجّو، عندئذ وبعد امتصاص الموجة الأولى ستدفع إيران بمئات الزّوارق البحريّة السريعة للانقضاض على القطع البحريّة الأمريكيّة في الخليج, وهنا ستكون أشرس المعارك على الإطلاق لأنّنا عندما نتحدّث عن مئاتٍ من الزّوارق صغيرة الحجم وبالغة السّرعة وتهاجم أهدافاً كبيرةً كحاملات الطّائرات والبوارج الأمريكيّة فإنّنا نتحدث عن مشكلة لم تجد لها البحريّة الأمريكيّة حلاً حتى وقت كتابة هذه السّطور ! وللعلم فإنّ هذا التكتيك قد استخدمه الكويتيّون من قبل في معركةٍ بحريّة مع أسطول "بني كعب" عام 1783 في منطقة الرقة البحرية, عندما استدرجت القوارب الكويتيّة الصغيرة الأسطول الضّخم لبني كعب في منطقةٍ ينخفض فيها منسوب المياه ممّا أعاق حركة السّفن الكبيرة وجعلها هدفاً سهلاً للمقاتلين الكويتيّين الذين التفّوا حولها بسهولة ..

وأهميّة الهجوم البحريّ الإيرانيّ الكاسح يكمُن في إعطاء إيران الهيمنة الكاملة على مياه الخليج العربيّ, الذي ستجعل منه عمقاً استراتيجياً لها, ومساحةً مهمّة وآمنةً لتحركاتها في المراحل القادمة من الحرب, وقبل كلّ شيء سيمهّد لإغلاق مضيق الفاروق عمر -هرمز سابقا-, ومن بعده تهديد الملاحة في بحر العرب، ومع بدء الهجوم البحريّ تنطلق الأسراب الأولى من صواريخ شهاب1و2 الإيرانيّة باتجاه القواعد العسكريّة الأمريكيّة في المنطقة, وذلك وفق برنامجٍ طويل الأمد على غرار البرنامج الصاروخيّ لحزب الله في قصف اسرائيل 2006, وأهميّة هذا البرنامج الصاروخيّ اليوميّ يكمُن في أنّه سيُحدث هجرات جماعيّة كبيرةً من مدن السّاحل الغربيّ للخليج إلى داخل جزيرة العرب, أو أبعد من ذلك كما حصل في نزوح الكويتيّين إلى السّعوديّة عندما اجتاحت القوّات العراقيّة الكويت عام 1990, وكما حصل أيضا في هجرة مئات الآلاف من اليهود من المستوطنات الشّمالية إلى مدن الوسط هرباً من صواريخ الكاتيوشا التابعة للحزب، أضف إلى ذلك مخاوف سكّان مدن السّاحل من إمكانيّة الإنزال البحريّ على شواطئهم ستتزايد بعد الهجمة الإيرانيّة على كامل مياه الخليج, وسيساعد كِلا الأمرين في إخلاء مدن السّاحل من السّكان باستثناء الشّيعة الذين سيكونون في استقبال الفاتحين الجدد، عند هذه النّقطة بالتحديد سيبدأ أضخم إنزالٍ بحريٍّ منذ نزول الحلفاء على شواطئ النورماندي عام 1944، وأعتقد أنّ الإنزال البحريّ الإيرانيّ سيتركز على الشواطئ الكويتيّة والبحرينيّة بمساعدة خلايا الرصد الشيعيّة هناك، وأعتقد أيضاً أنّ التّدخل الإيرانيّ العسكريّ سيقتصر على هاتين الدّولتين فقط, وذلك لعدّة أسبابٍ منها :
أنّ حالة الهجرة التي ستصاحب القصف الصّاروخيّ كما ذكرنا ستجعل من الأقليّة الشّيعية في الكويت والبحرين أكثريّة مطلقة، والدّخول الإيرانيّ بهذا الوضع سيكون مُرحّباً به شعبياً وكأنه بطلب رسميّ من أصحاب البلد، وهذا ما سيعتمد عليه ساسة طهران في تثبيت أقدامهم ريثما تنتهي خطط تغيّر الواقع السكانيّ عَبر إعادة توطين شيعة جنوب العراق في الكويت, بزعم أنّهم من فئة البدون المهجّرين قسراً من الكويت بعد خروج القوّات العراقيّة من الكويت عام 1990, وعبر توطين شيعة السّواحل الإيرانيّة في البحرين لتكون جزيرةً شيعيّةً بالكامل ..

أمريكا بالطّبع لن تقف عاجزةً أمام هذه التّطورات الخطيرة, وستبدأ بتشكيل تحالفٍ دوليّ قويّ لطرد الإيرانيّين من الكويت والبحرين ولفتح المضيق وإعادة الملاحة الدوليّة إلى مياه الخليج بالقوة العسكريّة, على غرار نموذج التحالف الدوليّ عام 1990 ضد العراق، ومع بدء عمليّات تنسيق وصول قوّات التّحالف لموانئ البحر الأحمر الذي سيُستخدم كرصيف وصولٍ وإمدادٍ وتموينٍ لقوّات التّحالف في هذا الوقت الحرج, وفي هذا المشهد الذي لم يغب عن مخيّلة سادة الشّطرنج تنطلق القاذفات الإيرانيّة لتحلّق فوق صحراء الرُبع الخالي لتُسقط ثلاث قنابل نوويّة في عمق الصحراء . . . . ها نحن هنا !!

طبعاً التأثيراتُ الكبيرة لهذه العمليّة لن تقف عند حدوث هجرةٍ ثانيةٍ لسكّان جزيرة العرب هرباً من شبح الحرب النّوويّة التي رأوا شيئاً منها بأعينهم, ولن تقف عند قلب موازين المعركة على الجبهات الأخرى -سوريا ولبنان والعراق-، بل إنّ التأثير الحقيقيّ لهذا الأمر هو بفرض واقعٍ جديدٍ ومخيفٍ دائمٍ يُرغم المجتمع الدوليّ وعلى رأسه أمريكا على قبول الجلوس على مائدة المفاوضات والاستماع بكلّ اهتمامٍ للجانب الإيرانيّ عند إملائه الشّروط لوقف إطلاق النار، ولن تملك أمريكا ومِن خلفها المجتمع الدوليّ إلّا الرّضوخ للواقع الجديد بناءً على الحقائق الجديدة على الأرض, وهذا ما سيدعو أمريكا والقوى العظمى لبدء المباحثات السّريّة مع الجانب الإيرانيّ حول الشّكل الذي يمكن أن تُدار به هذه المنطقة بما يحقق المصالح المشتركة لكلا الفريقين، والحقيقة أنّ رضوخ المجتمع الدّوليّ لإيران لا ينبع من خطورة امتلاك ايران للسّلاح النّوويّ, بل يتعداه لخطورة امتلاك ايران القرار السّياسيّ الذي يخوّلها من استخدام هذا السّلاح المدمّر، فدُول النّادي النّووي اتّفقت على أنّ السّلاح النّوويّ سلاحُ ردعٍ لا يجوز استخدامه في الحروب إطلاقاً, لتأثيراته الكارثيّة على البشريّة, ولهذا لم يُستخدم هذا السّلاح منذ إلقاء القنبلتين على هيروشيما وناجازاكي 1945، فباكستان مثلاً دولةٌ تمتلك السّلاح النّوويّ ولكنّها مكبّلة ولا تمتلك القرار السّياسيّ اللاّزم لاستخدامه في أيّ حربٍ مع الهند إلّا إذا استُخدم ضدّها ، ولذلك هو سلاحٌ يُصنع ليوضع في المخازن ليقوم بوظيفة "الردع", ولتقريب الصّورة أكثر أقول أنّ الجّميع يذكر الحدّة والغطرسة التي عاملت بها أمريكا كوريا الشّمالية في محاولة ابتزازها في موضوع قطع المساعدات الاقتصاديّة, ولكن عندما ظهرت صور قضبان اليورانيوم المخصّب في أحد المفاعلات النّوويّة الكوريّة أسقط في أيدي الأمريكان, وبدأت نغمةٌ دبلوماسيّة جديدة تتميّز بالودّ والاحترام في مخاطبة المسؤولين الكوريّين, ومحاولة استمالتهم للجلوس على طاولة المفاوضات ! وهذا الرّضوخ الأمريكيّ المفاجأ ليس بسبب امتلاك كوريا للسلاح النّوويّ فقط, بل لامتلاكها القرار السّياسيّ الذي يخوّلها من استخدامه كدولةٍ خارج المسار الأمريكيّ, وهو السّيناريو المشابه للمشهد الإيرانيّ هنا ..

إذن إيران ستلقي بالقنابل الثّلاثة -وفي العدد ثلاثة دلالةٌ على أنّها تحتفظ بالكثير من هذه القنابل- كي تحصل على الردع لتفكيك التّحالف الأمريكيّ و لتثبت واقعاً معيناً وهو احتلال الكويت والبحرين ثم تتفاوض على أساسه, وأعتقد أنّ المفاوضات ستخرج باتفاق حول فتح المضيق أمام السّفن التجاريّة فقط, وضمان سلامة الملاحة في مياه الخليج وضمان وصول امدادات النّفط, ووضع جدولٍ زمنيّ لانسحاب القوّات الإيرانيّة من الكويت والبحرين، وهذه الاتفاقيّة تبدوا للوهلة الأولى مُرضية للمجتمع الدوليّ, ولكنّها في حقيقتها قد وضعت منطقة الخليج العربيّ تحت الوصاية الإيرانيّة عمليّاً وبمباركة الأمم المتّحدة والقُوى العظمى . . ولكن كيف حدث ذلك ؟

الذي يدقّق في النقّاط السّابقة يرى أنّها كرّست الهيمنة الإيرانيّة على مياه الخليج وذلك بِجعلها مفتوحةً أمام الملاحة التجاريّة, ومغلقةً أمام الأساطيل العسكريّة من خارج الدول المطلّة على الخليج, وهنا يتحقّق الهدف الإستراتيجيّ الأوّل من هذه المرحلة بجعل الخليج تحت السّيادة الفارسيّة لتكون العبارة أصدق في وصفه بالخليج الفارسيّ !

أمّا الهدف الإستراتيجيّ الثّاني فهو ربط الكويت والبحرين إدارياً بطهران, أمّا موضوع الانسحاب المتّفق عليه فهو ذرٌ للرّماد في العيون لا أكثر, لأنّ الانسحاب لن يتّم إلا بعد صبغ الدولتين باللّون الأسود الشّيعيّ, ومن ثمّ تقوم الأمم المتّحدة بتنظيم انتخاباتٍ تفوز فيها الأغلبيّة الشّيعيّة, وتحتفظ ايران بامتيازاتٍ تجاريّة وعسكريّة, وبقيّة القصّة معروفةٌ لدى الجميع كما فعلت تماماً في العراق إلّا أنّها ستعمل في العلن هذه المرّة !

والسّؤال الآن ما هي الخيارات التكتيكيّة المطروحة أمام الحلف الأمريكيّ للتّعامل مع المخطّط الإيرانيّ إن نجح في الوصول إلى هذه المرحلة ؟

طبعاً الإدارة الأمريكيّة لن تلجأ إلى تطوير المواجهة حينئذٍ, وستبحث عن صيغةٍ توافقيّةٍ تضمن لها استمرار أهمّ مصالحها الإستراتيجيّة والتي تتمثل في وصول إمدادات النفط, والسّبب يكمُن في أنّ الجّهود الدبلوماسيّة الأمريكيّة والعقوبات الاقتصاديّة والمواجهة العسكريّة كانت تهدف بدايةً إلى إيقاف البرنامج النوويّ الإيرانيّ وتفكيك إيران أو إضعاف قدراتها على تهديد جيرانها أو تهديد اسرائيل، وبما أنّ إيران أصبحت عضواً غير مرغوبٍ فيه في النادي النّوويّ وكشفت عن شيءٍ من ترسانتها النّوويّة وأصبحت في موقعٍ أقوى عسكرياً وسياسياً فلن تكون هناك حاجةٌ في الاستمرار بنفس الأساليب الفاشلة في السّابق، إذن فالمهمّة التي تنتظر استراتيجيّي البيت الأبيض هي البحث عن أساليب جديدةٍ فاعلةٍ وممكنةٍ للتّعامل مع الإخطبوط الإيرانيّ المهيمن على المنطقة، وللتّعرف على ما سيجول في أدمغة البنتاغون والخارجيّة الأمريكيّة حينها يجب أن نأخذ جولةً سريعةً في تاريخ التّجارب الأمريكيّة في التّعامل مع حالات -الأمر الواقع- الشّبيهة بهذه الحالة, واختصارا للوقت أقول بمّا أنّ أمريكا وهي على رأس النّظام الدوليّ لم تستطع حسم هذا النّزاع عسكريّاً فإنّها بالتّأكيد ستعود لتكتيكات واستراتيجيّات الحرب الباردة في فرض إرادتها السّياسيّة والعسكريّة على الموقف ..

وباستعراضٍ سريعٍ أيضا لمجمل أحداث تلك الحرب الخفيّة والطويلة مع الإتحاد السّوفييتيّ, نجدُ أنّ السوفييت قد تفوّقوا على أمريكا في مُعظم نقاط الصّراع بين الكتلتين الشّرقيّة والغربيّة إلّا أنّ أمريكا انتصرت في النّهاية بالضّربة القاضية من خلال دعمها الغير معلن للمجاهدين الأفغان ضدّ الغزاة الرّوس، فقد رأى "نيكسون" أنّ في إنهاك الدّب الروسيّ بحربٍٍ طويلةٍ في جبال الهندكوش فرصةٌ كبيرةٌ لإضعافه، وقد رأى أنّ ذلك لا يتحقّق عن طريق الحكومات الوطنيّة, بل بجعل المواجهة ذات طابعٍ دينيٍّ يكون فيها الإسلام مقابل الشّيوعيّة، وتستثمر فيها طاقات المسلمين البشريّة والماديّة وتُضخّ في حربٍ طويلةٍ ومدمّرةٍ لكلا الفريقين، وللعلم فإنّ الأمريكان لم يخطّطوا لهذه الحرب في البداية, ولم يتوقّعوا أنّ انهيار الإتّحاد السّوفييتيّ سيكون على إثرها، ولكنّ الحركة الجهاديّة عندما انطلقت في وجه الغزاة الرّوس وأثبتت فاعليتّها في الميدان لفتت إليها أنظار المراقبين الأمريكان ووجدوا فيها مشروعاً ناجحاً لإفشال المخططات الشّيوعيّة في الوصول إلى المياه الدافئة -الخليج العربيّ-, فأعطت أمريكا حينئذ الضّوء الأخضر لدول المنطقة لتجييش الشّباب المسلم والمؤسّسات الخيريّة والدعويّة لدعم حركة الجهاد في أفغانستان، وأصبح المسلمون ولأوّل مرّةٍ منذ مئات السّنين أمام مواجهةٍ أمميّة استمرّت 8 سنوات, وخرجوا منها منتصرين ، ومن ذلك نعرف أنّ أمريكا فضّلت التّعامل مع قوّة نوويّة عظمى مثل الإتحاد السّوفييتيّ في أزمة تهدّد المصالح الأمريكيّة والإستراتيجيّة كالغزو الرّوسيّ لأفغانستان, بإدخال الرّوس في صراعٍ أيدلوجيٍّ و عسكريٍّ مع أمّة أخرى مغايرةٍ لها تماماً في العقيدة الدينيّة والعسكريّة, واستطاعت من خلال إدارة عمليّات تغذية الصّراع من بعيد أن تطيل أمد الحرب ممّا أدّى إلى عجز الجيش الأحمر عن الاستمرار في الحرب ومن ثمّ هزيمته، ولذلك ألّف الرئيس نيكسون كتابه الشّهير ( نصرٌ بلا حرب )؛ والذي تحتاجه أمريكا للتعامل مع المثال النّوويّ الإيرانيّ هنا هي خطّةٌ بعنوان : نصرٌ بلا حرب ! وأستطيع القول بأنّ الصّراع الوحيد الذي يمكن لأمريكا إدارته بخفاء هنا هو العمل باتجاه إعلان الجهاد المقدّس ضد الشّيعة عن طريق تجييش أهل السّنة في منطقة المواجهة -جزيرة العرب- وباقي المناطق المساندة في بقيّة العالم, تماماً كما حدث إبّان الغزو الروسيّ لأفغانستان، وهنا ستظهر الحاجة الملحّة لتطوير اتفاقيّة الهدنة مع قادة المجاهدين لتتضمّن نوعاً من التحالف الإستراتيجيّ المحدود ضدّ العدوّ المشترك إيران، وأهميّة هذا التنسيق الذي ستسعى إليه أمريكا ودول المنطقة يكمن في أنّ الجماعات الجهاديّة هي الوحيدة التي تتمركز على حدود إيران الشّرقية والغربيّة مع أفغانستان والعراق والوحيدة القادرة على العمل في اقليم بلوشستان الإيرانيّ لخبرتها الميدانيّة فيه، والوحيدة القادرة على إدارة المعارك بكفاءةٍ مع دولة الفرس لخبراتها الطّويلة في حروب العصابات, وأمريكا تعلم ذلك جيّداً والأهمّ من ذلك أن مصطلح ( الجهاد ) قد التصق برموز وأدبيّات وتاريخ التيّار الجهاديّ, بعكس العلماء والدّعاة الرسميّين الذين إن اشتهروا بشيء فقد اشتهروا بمحاربة الجهاد وليس بالدعوة إليه !
ومع أنّها المرّة الأولى التي يتناول فيها موضوعٌ عودة الحلف الإستراتيجيّ بين التيّار الجهاديّ وأمريكا والأنظمة العربيّة إلّا أنّني على يقينٍ بأنّ تقارير مخازن الفكر الأمريكيّة القادمة سوف تتنبأ بشكلٍ ما بما بدأه كاتب هذه السطور ! لأن النّمط التحليليّ الدقيق لخبراء تلك المراكز الإستراتيجيّة سوف يقودهم بلا شكٍ إلى معالم هذا الصّلح الذي تقتضيه الضّرورة وأذن به الشرع ..

وقبل أن أختم الكلام في هذه الجّبهة أودّ أن أهمس بكلماتٍ في أسماع أصحاب القرار في المنطقة . . إنّ الحرب قد طرقت أبوابكم شئتم أم أبيتم وأنتم مسؤولون أمام الله ثم أمام شعوبكم والتّاريخ على ألّا تكرّروا أخطاء مَن قبلكم, فقد عرض الشّيخ أسامة بن لادن -حفظه الله- على الملك فهد بن عبدالعزيز عام 1990 مبادرة الاستعانة بقوّات المجاهدين التي انتصرت للتّو على الجيش الأحمر الروسي, ولكنه أبَى إلّا الاستعانة بالأمريكان بعد أن هوّلوا له خطر الجيش العراقيّ ثمّ دخلت المنطقة في الدواّمة التي لم تخرج منها بعد, أمّا الآتي فلا يبشّر بخيرٍ إلّا أن يلطف الله بعباده, ولكم في التاريخ عبرةٌ فقد كان حاكم "قشتالة" الفونسو السّادس يعامل أمراء الممالك الأندلسيّة بنفس ما يعاملكم به الفرس الآن, و نجح الفونسو في استمالة بعض الأمراء وإضعاف الآخرين وهيمن على الأمور ثم بدأ بفرض الجزية على الإمارات الإسلاميّة فقبلوا, واستمر الوضع على ذلك إلى أن أرسل الفونسو رسالةً إلى المعتمد بن عبّاد حاكم أشبيليّة يتقصّد منها اهانته عندما طلب وبكل وقاحة أن يسمح لزوجة الفونسو الحامل أن تضع مولودها في أكبر مساجد المسلمين !! ثم تطورت التهديدات فاجتمع الأمراء والملوك للتّشاور في مجلس التعاون الأندلسيّ حول المبادرة التي طرحها أحد العلماء للاستعانة بقوّات المرابطين وقائدهم المجاهد يوسف بن تاشفين, فدار اللّغط كالعادة في مثل تلك الاجتماعات وأبدَى كلٌ منهم مخاوفه على كرسيّ الحكم في حالة انتصار بن تاشفين على الفونسو, وعندها قام أحزم القوم وأشجعهم المعتمد بن عبّاد وقال قولته المشهورة التي حفرت في تاريخ أعلام النّخوة والمروءة عندما قال : لئن أرعَى الإبل عند ابن تاشفين خير لي من أن أرعَى الخنازير عند الفونسو !، ثم وافق الجميع على استدعاء قوّات المرابطين وعبرَت القوّات من المغرب إلى الأندلس, وانتصرت على ملك قشتالة بحمد الله ودوّن التاريخ واحدةً من أعظم ملاحم المسلمين في معركة "الزلّاقة" عام 479 للهجرة, وحقنت دماء المسلمين واستتبّ الأمن في الأندلس وعاد بن تاشفين من حيث أتى ولم يأخذ من غنائم الحرب درهماً واحداً ! .

وإن كنتُ أنصحكم بشيء في هذا الوقت الحرج فإنّي أنصحكم بإزاحة كلّ العقول الملوّثة من حولكم, علّكم تبصرون شيئاً من النّور, ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نّور ..

جَبهَة جنُوبِ لُبنَان

حزب الله اللبنانيّ هو الحلقة الأضعف في التحالف الشيعيّ، وسقوط إيران أو سوريا هو سقوطٌ له وإن لم يطلق طلقةً واحدةً في الحرب القادمة, لأنّ وجوده وثِقله الحقيقيّ يعتمد على وجود ودعم حلفائه الأقوياء -إيران وسوريا- الذين طالما استخدما الحزب كيدٍ ضاربةٍ لهما في المنطقةِ وخارج المنطقة أيضاً, فعمليّات خطف الرّهائن الغربيّين في بيروت أيّام الحرب الأهليّة كان المفاوضون الغربيّون يتوجهون إلى وسطاء إيرانيّين لحل مثل تلك الأزمات الصعبة, وذلك لمعرفتهم بطبيعة العلاقة التي تحكم ملالي طهران بعلويّة دمشق وشيعة لبنان !

إذن فسقوط الحزب قد يكون بدخول الحرب وقد يكون بوقوفه صامتاً أيضاً, وما يهمّنا هنا هو معرفة إلى أين ستئول ترسانته العسكريّة ؟ ومن سيحلّ محلّه من التنظيمات العسكريّة الأخرى في لبنان ؟

أعتقد أنّ الإجابة على هذا السّؤال سوف يحدّدها من يرتّب أوراقه من الآن لذلك اليوم ! وأرى أيضا وبكلّ وضوحٍ أنّ مسألة القضاء على حزب الله اللبنانيّ تعتبر فرصةً تاريخيّةً أمام المجاهدين يجب عليهم ألّا يضيّعوها لأنّها المفتاح الصّحيح لوجودهم وظهورهم على السّاحة بشكلٍ يجعل جماهير الأمّة تقِف من خلفهم لتأييدهم, فبمجرّد وضع أيدينا على معسكرات وقرى الجنوب اللبنانيّ وتثبيتها وتأمين الإمدادات والاتصالات وغيره وفتح جبهةٍ حقيقيّة لقتال اليهود, بمجرّد وضع شعوب المنطقة أمام هذه الحقيقة سيظهر كل من يطعننا من الخلف أو يؤلّب علينا أو يجاهر بعدائنا سيظهر بمظهر الخائن للأمّة والعميل لليهود, وهذا الوضع شبيهٌ إلى حدٍ كبيرٍ بوضع غزّة عندما سيطرت عليها حركة حماس، فحركة حماس مرفوضةٌ من القوى المحيطة بها سواءً من اسرائيل أو حكومة الضّفة أو مصر وبقية الدول العربيّة والأجنبيّة, ولكنّها حقيقةٌ على الأرض جعلت كلّ من يتآمر عليها يظهر بمظهر الخائن لدينه وعرُوبته !

يجب أن تُعدّ الجماعات الجهاديّة العدّة منذ الآن للسّيطرة على مواقع الحزب فور اندحاره كما فعلت التنظيمات الشيعيّة - فيلق بدر, حزب الدعوة, ميليشيا الصدر- بعد اندحار الجيش العراقيّ, خاصّة أنّ الحزب سيخلف وراءه معسكرات مجهزّة بشكلٍ جيّد وترسانةً ضخمةً ومتنوّعةً من الصّواريخِ بعيدةِ وقصيرة المدَى, ولا أعتقد أنّ إسرائيل ستدخل في معارك ملحقةً بمعركتها الأساسيّة مع الحلف الشيعيّ, أي أنّها بمجرّد انتهاء الحرب بتحقيق الأهداف الرئيسيّة -تدمير قوة إيران وسوريا والحزب- فإنّها قد تسرّع الخطَى إلى الخلف حتى تسجّل العمليّة على أنّها ناجحة, وهذا مهمٌ جداً بالنسبة للحكومة الإسرائيليّة ولقيادة الأركان, فالقادة اليهود الآن يبحثون عن أمجادٍ شخصيّة وليسُوا من النّوع العنيد كأسلافهم، واسرائيل عندما تنسحب سريعاً من لبنان فإنّها ستعتمد على الجيش اللبنانيّ والكتائب النصرانيّة في سدّ الفراغ الذي سيُحدثه اختفاء حزب الله من الخارطة اللبنانيّة، وأذكر هنا أن كونداليزا رايس وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة علّقت في بداية حرب تموز لمّا كانت الطائرات الإسرائيليّة تقصف لبنان بشراسةٍ بقولها : حرب لبنان ما هي إلّا آلام مخاضٍ لولادة شرق أوسطَ جديد ! وهي جملة فيها الكثير مما يُقرأ بين السّطور ولكنّ فشل اسرائيل في القضاء على الحزب خيّب ظنون الوزيرة، والسّؤال الآن ما هي الصّعوبات التي تحول دون تنفيذ مثل هذه الخطّة ؟

في تصوّري أنّ أكبر صعوبةٍ ستقابل الجماعات الجهاديّة أثناء أو بعد سيطرتها على مواقع الحزب وترسانته العسكريّة هي الجيش اللبنانيّ وميليشيا الكتائب, الذين لن يقبلوا بذلك الواقع خاصّة أنهّم لا يقيمون للجماعات الجهاديّة في لبنان أي وزن عسكريّ، وقبل الخوض في حلّ المسألة يجب أن ندرك أن الجيش اللبنانيّ يحوي في مكوّناته بعض العناصر الشيعيّة على مستوى القيادة -مخابرات الجيش-, وبسقوط الحزب سيسقطون هم أيضا من حساب الجيش وذلك بالطّبع على يد الموارنة الذين ستتلألأ أعينهم لفكرة لبنان المارونيّة من جديد, ولذا فنحن أمام واقعٍ جديدٍ كلياً على السّاحة اللبنانيّة, وأعتقد أن التّعامل المثاليّ مع التّدخل المتوقّع من قبل الجيش والكتائب هو بإشعال الحرب الأهليّة في لبنان مرةً أخرى, وإدخال أهل السّنة كطرفٍ أساسيٍ في هذه الحرب, وبإعادة عمليّات خطف الرّهائن الأجانب وهم متوفرّون بكثرة, وذلك للضّغط على الدّول الكبرى لتضغط هي بدورها على الجّيش والكتائب كلما أقاموا حصاراً أو شنّوا حملةً عسكريّة, ولا قيمة لكِلا الخطوتين إن لم نثبّت أقدامنا ونغرس أنفسنا بقوّة في تلك البقعة المهمّة من العالم, ولا أعتقد أنّ ذلك مستحيلاً أو ضرباً من الخيال, فجماعة فتح الإسلام مع محدوديّة مقاتليها -300 مجاهد- وبأسلحةٍ خفيفةٍ وفي محيطٍ صغيرٍ جداً -مخيّم نهر البارد- استطاعت الصّمود قُرابة الثّلاثة أشهر وهيَ أمام الجيش اللبنانيّ بكامل عتاده الحربيّ وبدعمٍ لا محدودٍ من الدّول العربيّة والقوى الدوليّة وبجسرٍ جويّ من الذّخائر الأمريكيّة وغيره, فبالرغم من كلّ هذه الظّروف استطاعت الجماعة أن تصمد في معركةٍ لم تخطّط لها من الأصل, بل وجدت نفسها مرغمةً على خوضها بشكلٍ مفاجأ، أمّا إن قامت الجماعات الجهاديّة في لبنان بتوحيد جهودها وإجراء دراسات ميدانيّة للمعطيات على الأرض وبتدريب أفرادها على الأسلحة التي سيتم الاستحواذ عليها, وقامت بوضع خطّة تفصيليّة لساعة الصّفر والتحالفات المطلوبة لضمان تحييد بعض الخصوم وتأييد بعضهم وغيره من الخطوات التي تسبق أو تُواكب الحرب, فأعتقد أنّ الفرصة كبيرةٌ جداً في فتح أوّل جبهة إسلاميّة تُواجه خطوط قتال العدوّ الصهيونيّ, وهيَ الخطوة الكبيرة التي ستُجيّش منطقة الشّام بكاملها خلف المجاهدين بإذن الله تعالى ..

الجَبهَةُ السّورِيّة

يتوقّع بعض أبرز المحلّلين اليهود أنّ يتم احتواء سوريا وإخراجها من الحلف الشيعيّ شيئاً فشيئاً، وقد يُستخدم في عمليّة الاحتواء والتحييد هذه بعض أوراق الضّغط مِن قِبل حلفاء سوريا من خارج المنطقة كروسيا مثلاً، وقد يُستخدم في إنجاح ذلك أسلوب التّرغيب كرفع العقوبات وإخراج سوريا من عُزلتها الدوليّة وإدراج برنامجٍ للمساعدات الاقتصاديّة أسوةً بمصر، وحلُّ مسألة الجولان بما يوافق الشّروط السوريّة, وغيره مما قد ينظر إليه القادة السّوريون على أنّه فرصة العمر، والحقيقة أنّ للمحلّلين اليهود وجهةٌ قويةٌ في وجهة نظرهم تلك, وإن لم تأت على ألسنتهم فالتّاريخ يشهد بأنّ سوريا تخلّت عن حلفائها العرب في حرب الأيّام الستّة، فقد ذكر سعد جمعة رئيس الوزراء الأردنيّ السابق في كتابه "المؤامرة ومعركة المصير" بعد أن طلبت الأردن من القيادة القُطريّة في سوريا الغطاء الجويّ قال سعد جمعة : ثمّ علمنا النّبأ اليقين أنّ اسرائيل أرسلت إلى سفير دولةٍ كبرى في دمشق تقول فيها ( إن إسرائيل تعطف على التجربة الاشتراكيّة العلويّة، فإذا التزمت سوريا الصمت فإن إسرائيل لا تمسّها ) وأرسل السفير البرقيّة إلى القيادة القُطريّة فأجابوا : نحن موافقون ! ! مما أدى إلى خروج سوريا من الحلف العربيّ وتأمين الجبهة الشماليّة لإسرائيل !

وبالرغم من وجاهة وجهة النّظر هذه إلا أننّي أرجّح فشل محاولات تفكيك الحلف الشيعيّ لعدّة أسبابٍ من أهمّها البعد العقديّ للحلف -التشيّع- والذي يقف خلفه كل ملالي الشيعة ومُعمَّمِيهم, والبُعد الإستراتيجيّ الذي يوفّره هذا الحلف لسوريا, فقادة حزب البعث في سوريا لا يريدون أن يأتي اليوم الذي يقولون فيه : أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض ! خاصّة أنّ الرئيس السّوريّ ينظر إلى أمريكا وإسرائيل على أنّهما خصومٌ لن يرضوا عنه ولو اتبّع ملتهم ! ولذا فإنّي أرَى أنّ سوريا ستدخل الحرب بطريقةٍ أو بأخرى، أي أنّ سوريا لن تبدأ الحرب ولكنّها ستلعب دوراً حيويّاً في الدّعم اللّوجستّي لحزب الله في لبنان، وقد تسمح له باستخدام مرتفعات الجولان للالتفات على الجّيش الإسرائيلي، وهذه الخطوات تأتي لاستفزاز إسرائيل لتقوم الأخيرة بتوجيه ضربةٍ تأديبيّة كما كانت تفعل في السّابق، وهذه الضّربة هي المبرّر الذي سيُدخل سوريا في الحرب دفاعاً عن سِيادة أراضيها المنتهكة، وهذه الخطوات من جانب سوريا ضروريّة لكسب تأييد الصّين وبقيّة دول العالم التي ستضغط في اتّجاه استصدار بيانٍ من الأمم المتّحدة يُدين الاعتداءات الإسرائيليّة, وقرارٌ من مجلس الأمن بوقف إطلاق النّار ! وهذه المعركة السّياسيّة لا تقّل أهميّة عن المعركة على الأرض, لأنّ أمريكا وهي دولة لا تستمر فيما يُغضب الرأي العام المحليّ, و لا تستطيع القتال بدون غطاءٍ شرعيّ -الأمم المتحدة-, ولذلك قوّتها السّياسيّة تكمُن في سيطرتها على كلّ ما يجري في دهاليز مبنى الأمم المتّحدة ، وأيّ إدانةٍ تخرج من هذا المبنى ستجعل الإدارة الأمريكيّة في موقفٍ حرجٍ أمام الكونغرس ومجلس الشّيوخ وبقيّة الشّارع الأمريكيّ ..

والذي يراجع تاريخ التحرّكات السّياسيّة المصاحبة للحروب في هذه المنطقة من سنة 1984 إلى 2006 أي من الحرب التي خاضتها الجيوش العربيّة بعد إعلان دولة إسرائيل إلى حرب تمّوز التي خاضتها إسرائيل في مواجهة حزب الله اللبنانيّ, يجد أنّ التحركات السّياسيّة تأتي دائماً بعد التّطوّرات العسكريّة على الأرض, لتبثّ واقعاً معيّنا يتمّ التّفاوض على أساسه ! وهي ما يُعرف بسياسة الأمر الواقع التي تتّبعها إسرائيل في تثبيت مكاسبها العسكريّة، فالجيش الإسرائيليّ عندما اجتاح سيناء في حرب الأيّام الستّة وافق على قرار إيقاف إطلاق النّار الفوريّ ولكن بعد أن احتلّ سيناء بأكملها، وهكذا توَظّف قرارات مجلس الأمن والأمم المتّحدة لخدمة المكاسب العسكريّة، وقُل نفس الشيء عن الجولان وجنوب لبنان وغيره، وهذا بالطبع مع دولة مثل إسرائيل لا تُلقى بالاً لقرارات الأمم المتّحدة ومجلس الأمن, لأنّها تعتمد على جبهة داخليّة صلبة فيما يتعلّق بحروب البقاء أو الفناء، بالإضافة إلى أنّها تعتمد على أمريكا في نقض معظم القرارات تلك ..

أمّا بالنسبة للولايات المتّحدة الأمريكيّة فالأمر مختلفٌ كما أشرنا سابقاً، ولذا فإنّي أعتقد أنّ الأمر محسومٌ بالنّسبة للسّوريّين في أهمّية خوض هذه الحرب التي ستؤكّد على قوّة تحالفهم الحديديّ [ إيران - سوريا - الحزب ] وقد بات من المؤكّد أنّ اللقاءات التشاوريّة بين قيادات القوى الثلاث قد أنهت كل الترتيبات والخطوط العامة لمواجهة كافّة التحركّات السّياسيّة والعسكريّة المرتقبة في المنطقة، وقد بات الأمر مشجعاً للشركاء الثّلاثة بعد تجربة حرب تمّوز التي أثبتت فعاليّة التّحالف في معركةٍ لم يُعمل لها حسابٌ مسبق، فقد أدار خبراء الحرس الثّوريّ الحرب من عُمق لبنان واستمرّت الإمدادات السّوريّة في الوصول بدون انقطاع، فكيف إذاً تمّ العمل بشكلٍ أدقّ وبإعدادٍ مسبق وبجاهزيّةٍ كاملة !

وقد أطلتُ الحديث هنا لأبيّن مدَى وضوح العقيدة القتاليّة لدى أطراف النّزاع من الجانب الشّيعيّ, وأنّها معركة حياةٍ أو موت, ووجودٌ أو محوٌ من الخريطة ! وهذا ما سيدعو السّاسة الأمريكان لطلب خطّة ناجحة من القادة العسكرييّن في كِلا الجيشين الأمريكيّ والإسرائيليّ مهما كلّف الأمر، وقد استخدمتُ هنا تعبير -مهما كلّف الأمر- لأذكّر القارئ بمشاهد القصف الوحشيّ الذي تعرضت له مدن العراق عام 2003 عندما ألقت القاذفات الأمريكيّة 500 طن من القنابل وهو ما يعادل 4425 قنبلةٍ نوويّة بقوة القنبلة التي ألقيت على هيروشيما ! إذن فنحن أمام حربٍ عنيفةٍ تذكّرني بمقولة مساعد وزير الخارجيّة الأمريكيّ أرميتاج لحكومة برويز مشرّف : إنّ المسألة ليس في أن نقرّر إذا ما كنّا مع أمريكا أو مع الإرهابيّين وحسب، ولكن إذا اخترنا الإرهابيّين فإنّ علينا أن نتوقع أن تدمرنا القنابل بحيث نعود إلى العصر الحجريّ ! .

والسؤال الذي يهمّنا هو معرفة مدَى تأثير هزيمة الحلف الشيعيّ على سوريا بالذّات وما هو الدّور المطلوب من الحركات الجهاديّة أن تلعبه قبل وبعد الهزيمة ؟

لم تتعرض سوريا منذ نهاية الانتداب الفرنسيّ لخطر الاحتلال الكامل، مع أنّها خاضت مواجهاتٍ مدمرة في جبهة الجولان ضدّ إسرائيل، ومع أنّ الجيش الإسرائيليّ دمّر المطارات الجويّة السوريّة غير مرّة وجعل دمشق تحت رحمة مدفعيّته عندما تقدّم على خطوط الجولان، ومع أن الخسائر في المعدّات والأرواح كانت فادحة -في معركة واحدة من المعارك دُمّر أكثر من 200 دبابة سوريّة-, إلّا أنّ ذلك لم يؤثّر على وجود سوريا كدولةٍ تستطيع لمّ شعثها بسرعةٍ فائقة، وقد يرجع ذلك لطبيعتها الاستخباراتيّة البحتة التي تتيح لها الإمساك بزمام الأمور الداخليّة في أحلك الظروف، إذن فنحن أمام حربٍ قد تهُزم فيها سوريا وتدمّر بنيتها التحتيّة العسكريّة والإداريّة، ولكنّها قد تصمد بشكلٍ ما وهذه الفرصة مبنيّة على مبدأٍ أمريكيّ قديمٍ مفاده - لا تقم بالتغيير ما لم تمتلك البديل المناسب - أو كما يقال بالخليجيّ ( خلّك على مجنونك لا يجيك أجنّ منّه ) وهذا ما اتبعه الجيش الأمريكيّ في حرب الخليج الثّانية عندما اكتفى بتدمير قوة الجيش العراقيّ وقدراته الصاروخيّة دون إزاحة النظام الحاكم الذي كان من السّهل وقتها أن يُزاح لأنّ التّساؤل الذي كان أمام السّاسة الأمريكان هو : إذا أزحنا صدام فمن سيحلّ مكانه ؟ ولكنّهم عندما أعدّوا البديل في 2003 دخلوا بأنفسهم إلى بغداد خلال 14 يوماً فقط ! والسّيناريو المعدّ لسوريا قد يكون على غِرار حرب الخليج الثّانية لعدم وجودِ بديلٍ يستطيع الوثوب على السّلطة إن تزعزعت أركانها، بمعنى أنّ سوريا ستتعرّض لقصفٍ جوّيّ وصاروخيّ مهُولٍ وطويل الأمد, يرغمها في النّهاية بعد أن ترى ضعف قدرة الإيرانيّين على مجابهة الآلة العسكريّة الأمريكيّة خارج أراضيها ونهاية حزب الله واختفائه من علَى وجه الأرض يرغمها هذا البرنامج النفسيّ القاسي في هزيمة الخصوم على الإذعان للشّروط الأمريكيّة لوقف إطلاق النّار والذي سيُوضع على أساس إضعاف سوريا إلى الأبد, كأن يعطى لإقليم الأكراد الشماليّ الحقّ في إدارة شؤونه أسوة بأكراد العراق, وكأنّ تتنازل سوريا نهائياً عن مطالباتها بمرتفعات الجولان وغيرها من الشّروط التي ستكبّل سوريا عن الحركة وقد تُوضع هذه الشّروط من أجل أن تُرفض من قِبل الجانب السّوريّ, أو تُنقض فيما بعد لتتمكن الإدارة الأمريكيّة مع مجموعة حلفائها في الأمم المتّحدة ومجلس الأمن من سنّ القوانين التي تضمن حصار سوريا بشكل يجعل منها غزّة كبرى لا يدخل إليها شيء ولا يخرج إلّا بإذن السّيّد الأمريكيّ، والحقيقة أنّ برامج الحصار المميتة هذه مفضّلة لدى الإدارات الأمريكيّة المتعاقبة لأنّها تضمن إضعاف الخصم يوماً بعد يوم ليستسلم في النّهاية, وعندها تكون الأجواء مناسبة لاحتلال البلد عسكرياً كما فُعل بالعراق ومن قبله أفغانستان, أو تتسلم الشّركات الأمريكيّة مهمّة إعادة تأهيل اقتصاد هذه البلدان بما يخدم المصالح الأمريكيّة كما فعُل في ليبيا بعد رفع العقوبات عنها، وما يهمّنا هنا هو أن نتعرّف على الخطوات الصّحيحة التي يجب أن نخطوها في ظلّ هذه الظّروف المتوقّعة, وللإجابة على هذا التّساؤل يجب أن نبدأ بإجراء مسحٍ ميدانيٍ لجنوب سوريا الغربيّ والذي يقع في قلب دائرة الصّراع, والذي يضمّ التّضاريس المُناسبة لمثل التّحركات التي نرغب بالقيام بها, وبعد أن تتوفّر لدينا قاعدة بيانات عن أهمّ المناطق الحدوديّة مع لبنان واسرائيل وطبيعة السّكان فيها وممرات التّهريب وغيرها من المعلومات الإستخباراتية المهمة يمكن لنا أن نضع الحروف الأولى لأي خطة تستثمر الأحداث القادمة بما يخدم المسار الجهاديّ العام, أي أنّنا نريد خطةً تمكّننا من فتح جبهةٍ مباشرةٍ مع الجيش الإسرائيلي أو جبهة مساندة لجبهة جنوب لبنان, وبمعنى أدقّ أقول أنّ خارطة سوريا ولبنان تحتاج إلى خطة عمل واحدة لخلق [ إقليمٍ جهاديٍ ] يمتد من جنوب لبنان إلى المناطق المحاذية له على الجانب السوريّ, وبقواعد إمدادٍ وتموينٍ من عمق الأراضي السوريّة، وأعلم أنّ الجميع الآن يتساءل كيف سيسمح لنا النظام النصيريّ السوريّ بمثل هذا التمركز الخطير على أراضيه ؟ أقول وبالله التوفيق أنّ مثل هذه الحروب من شأنها أن تفرض واقعا جديدا على الدّولة يبدأ بانكماش قوّاتها المسّلحة من الأطراف وتمركزها حول العاصمة -مركز العاصمة- وذلك لتأمينها من الأخطار المرتقبة, وهنا ستظهر الحاجة إلى تبنّي خياراتٍ غير رسميّة لإشغال اسرائيل عن الإجهاز على ما تبقّى من القوّات السوريّة إذا ما أحبّت ذلك، وبما أنّ حزب الله اللبنانيّ قد اختفى من السّاحة حينها فلن يكون هناك إلّا الفصائل الوطنيّة الفلسطينيّة للقيام بهذه المهمّة, إلّا إن قرّرنا نحن أن نسبق الجميع ونسيطر على هذه المواقع بما فيها، وسواءً كنّا نحن من نطلق النّار باتجاه اسرائيل أو غيرنا فلن تقول الحكومة السوريّة إلّا كما قال أبو سفيان يوم أحد : لم آمر بها ولم تسئني !!

والشّواهد علَى مثل هذه الإجراءات كثيرة, ويكفينا أن نعرف أنّ المنطقة قد مرّت بنفس هذا السّيناريو ولكن على نطاق أوسع, فعندما انهزمت الجّّيوش العربيّة في حروب 1984 و 1967 وما بينها اتّجهت الدّول العربيّة إلى فتح المجال أمام التنظيمات المسلّحة لتنفيذ عمليّاتها الفدائيّة انطلاقاً من الجبهة الأردنيّة وعلى طول الجبهة المصريّة، إذن فالدّور المطلوب من قيادات المجاهدين في الشّام هو أن يكون لهم دراسات موضوعيّة وتواجد قريب من أرض الأحداث وقرارٌ صائبٌ في الوقت المناسب، ومما يذكر هنا أنّ بعض قيادات المجاهدين تعاملوا مع الحالة العراقيّة بنفس الخطوات السّابقة فقد كانوا على اطّلاع تامٍ بالوضع العسكري بعد هزيمة الجيّش العراقيّ, وقاموا برصد كلّ شيء -المواقع المناسبة للتّمركز, مخازن السلاح, الشّخصيّات التي يمكن التّنسيق معها- ثمّ توالت اجتماعاتهم في الأردن لوضع التّرتيبات النهائيّة للدّخول, ثمّ انتظروا الوقت المناسب لبدء العمليات العسكريّة والذي حُدّد بعد إعلان بوش انتهاء الحرب يوم 1/ 5 ورفع شعار ( مهمّة كاملة ), فبمجرّد انتهاء مهمّة بوش بدأت مهمّة المجاهدين ..

جَبهَةُ قِطَاع غَزّة

أعتقد أنّ التّحرك التّكتيكيّ المطلوب في غزّة يكمُن في إشعال حرب الصّواريخ -من غير أن نتبنىّ شيئا- حتى ندخل على خطّ الحرب، فمن المتوقّع أن تلتزم حماس الصّمت حيال الوضع المخيف والجوّ العنيف للحرب المرتقبة، ويجب علينا وقتها أن نكسر هذا الصّمت كي تقوم اسرائيل بضرباتٍ أو حملاتٍ عسكريّةٍ لإسكات مصادر النّيران أو لكتم أنفاس حماس عبر التوغّل في القطاع واحتلال التّلال التي تُشرف على مدينة غزّة, وأخذ نفس المواقع تجاه خان يونس و رفح، وهذه التّطورات المتوقّعة من الجانب الإسرائيليّ بنيناها من خلال فهمنا للعقليّة اليهوديّة العسكريّة في التّعامل مع الجيوب غير الآمنة، فجبهة غزّة لن يخرج منها أيّ تحرّك عسكريّ باتجاه اسرائيل, ولكن قد يخرج منها عشرات الصّواريخ الغير مؤذيةٍ عسكرياً, بعكس حزب الله الذي يتوقّع المحلّلون أن يقوم بعملية اختراقٍ للحدود الإسرائيليّة لمحاصرة مستوطنات -كفار روش , هنكرا , ليمان - في حالة تأكّده من قرب اندلاع الحرب، والخبراء العسكريّون اليهود عندما يخشون مثل هذه التّحركات المفاجئة من قبل الحزب فلأنهم يعلمون أنّ الحزب يمتلك قدراتٍ هجوميةٍ بعكس قواّت حماس التي تعتبر وتصنّف على أنّها قوّات دفاعٍ قليلة الفاعليّة خارج أراضيها، وهذه القناعة لدى القادة اليهود هي التي ستدعوهم إلى الاكتفاء بضرباتٍ تأديبيّة أو القيام بحملاتٍ عسكريّة محدودةٍ لتقطيع أوصال القطاع كما فعلوا في حرب غزّة السّابقة، وهذا السّيناريو سيوضع ضمن خطط الطّوارئ للتّعامل مع أيّ طارئ عند نشوب الحرب ضدّ الحلف الشيعيّ, أي أنّ ردّة فعل الجيش الإسرائيليّ لن تكون أكثر ممّا ذكرناه سابقاً ..

والذي يدعونا إلى إثارة النّزاع في هذه المنطقة الصّعبة من العالم هي محاولة إعادة انتشار وترتيب خلايا المجاهدين بشكلٍ يجعل منها قوةً مرنةً في مدافعة الجيش اليهوديّ, وعندها ستمرّ حكومة حماس بنفس الظّروف التي دعت غيرها للتعامل معنا على أننا واقعٌ حقيقيّ يخدم أمنها الوجوديّ, ويجب أن ننتبه هنا إلى أنّنا يجب أن نمتلك أسلحةً ونجنّد أعداداً يشكّلون قوّة ردعٍ مرنة, وأقول مرنة حتى لا نَجمُد على أسلوبٍ قتاليٍ واحدٍ كالصواريخ مثلاً في مواجهة العدوّ الصهيونيّ، فإن نجحت عمليّاتنا العسكريّة في إيجاد الأثر والزخم المطلوب محليّاً وعالميّاً فعندئذ نكون قد ثبّتنا أقدامنا وغرسنا أنفسنا بقوّة في غزّة, وسيتمّ التّعامل معنا بشكلٍ مسئول, أي أنّنا لن نتعرّض للإلغاء كما حدث في السّابق, ومسألة الاعتراف بنا كقوّة على الأرض ضروريّة جداً لأنّها الهدف الإستراتيجيّ من إثارة النّزاع مع الجّيش الإسرائيليّ في البداية, والذي سنتمكّن من خلاله من إنشاء المؤسّسات والمعسكرات الخاصّة بنا وممارسة الدعوة, وهي التي تمثل الهدف النهائيّ في هذه المرحلة ..

والذي يدقّق في التّكتيك السّابق يرَى أنّه يُشابه إلى حدٍ كبيرٍ خطّة استدراج العدّو إلى أرض المعركة المعدّ مسبقاً ( كمينٌ تكتيكيّ ), وما فعلناه هنا باختصار هو محاولة استدراج الجيش الإسرائيليّ إلى أطراف غزّة ثمّ القيام بعمليّات عسكريّة أعددناها مسبقا, وقمنا بالتدّرب عليها بشكل جيّد، والذي أحبّ أن أأكّد عليه مرّة أخرى أنّ الجيش الإسرائيليّ لن يطوّر إجراءاته العسكريّة في قطاع غزة في ظل الحرب القائمة مع الحلف الشّيعيّ مهما كلّفه الأمر من خسائر, ولذلك أرى أن يتم دراسة خطةٍ للتّمركز في بقعةٍ جغرافيةٍ يكون البحر أحد جهاتها, والحدود الإسرائيليّة في جهةٍ أخرى كي لا نتعرض للحصار الكامل من قبل اليهود أو حكومة حماس, وأن تُوضع الخطّة على أساس القتال من تلك المنطقة ..

بقي أن أقول أنّ أيّ دورٍ ناجحٍ للجماعات الجهاديّة في غزّة يجب أن يُربط بالمسار العام لحركة الجهاد العالميّ بحيث يكون بمثابة جناحٍ داخليّ لها, وأيُّ دورٍ منعزل لأيّ جماعةٍ لن يكون له تأثيرٌ على السّاحة إلّا أن يشاء الله, لأنّ غزّة عسكرياً لا تصلُح لانطلاقة سرايا أو وحداتٍ عسكريّة, لأنّها هي والأراضي التي من حولها مسطّحة ولا تحمل تضاريس يمكن الإفادة منها في تحييد بعض أسلحة الجيش الإسرائيليّ كالطيّران والمدرّعات الثّقيلة، وقد اقترحتُ هذه الخطّة للمرحلة الأولى حتىّ نحصل على آليّة عملٍ ناجحةٍ للمرحلة الثّانية, والتي سيأخذ فيها المجاهدون دور مساندٍ للجّبهة الرئيسيّة في الإقليم الجهاديّ (جنوب غرب سوريا - جنوب لبنان ) وهذا الدور المساند سوف يتركّز على مهام إشغال العدوّ وتهديد أمنه الداخليّ وتشتيت انتباهه قبل انطلاق أيّ عمليّات كبرى من الجبهة الشّماليّة, وهو نفس الدّور الذي كان يتبادله الجيش السوري ّوالمصريّ في قتال اليهود في الجبهة الجّنوبيّة والشّماليّة ( الجّولان - سيناء ) ..

الجَبهَة العِرَاقِيّة

هذه الجبهة تُدار فيها برامجٌ مسبقةٌ من قبل الجماعات الجهاديّة, وقد عانت في الفترة الماضية 2007 - 2010 من تدهورٍ شديدٍ بسبب قوّة التحالف الأمريكيّ الشيعيّ وخيانة بعض مكوّنات أهل السّنة وانجرارهم في مؤامرةٍ مخزيةٍ ضدّ المجاهدين، ونتائج الحرب المرتقبة في المنطقة ستلقي بظلالها على المشهد العراقيّ بدون شك, فالأمريكان فشلوا في تحويل العراق إلى سنغافورة ثانية كما كان مخططا من قبل, ولم تنجح محاولاتهم في الإمساك بزمام الأمور بسبب الجماعات الجهاديّة في البداية, ثمّ بسبب الدّور الإيرانيّ الخفيّ الذي بدأ بالعمل مُنذ أوّل يومٍ للغزو الأمريكيّ ولم يظهر للعلن إلا بعد أن كشفت تقارير المراقبين أنّ جنوب العراق قد تّحول إلى إقليمٍ فارسيٍ بكلّ ما تحمله الكلمة من معنىً، فقد أسفرت أكبر عمليّة "تهجيرٍ وإعادة توطين" شهدتها المنطقة إلى تغيير التّركيبة السّكانيّة لمحافظات الجنوب وبغدادَ على وجه الخصوص, وأصبح نصف العراق الجنوبيّ موشّحاً بالسّواد ويُديره الفُرس من خلف الكواليس تارةً وبشكل مباشرٍ تارةً أخرى, وأصبح الأمريكان بين يوم وليلة أمام واقعٍ جديدٍ لم يخططوا له ولا يستطيعون تغييره ! ولهذا أصبح المسئولون الأمريكيّون يجلسون مع نظرائهم الإيرانيّين للتّفاوض حول الشّأن الداخليّ العراقيّ مع أنهّم هُم من يحتلّون البلد ! وفي هذا أكبر دلالة على نجاح إيران في اختراق العراق وضمّه إلى الهلال الشّيعيّ ليأخذ شكله النّهائيّ ( إيران - جنوب العراق - سوريا - جنوب لبنان ), كما توقّع ملك الأردن بالضبط عندما حذّر المنطقة من قرب قيام مشروع الهلال الشّيعيّ ..

والذي يهمّنا في هذه المنطقة هو أن نعرف شكل الصّراع الذي يمُكن أن يدور إن نشبت الحرب بين قطبي الصّراع القادم إيران وأمريكا, المتواجدتين بقوّةٍ على السّاحة العراقيّة، ومن خلال مراقبتي للوضع العراقيّ المعقّد على جميع الأصعدة بوصفه عاصمةً للصّراع العالميّ, فليست المسألة مقتصرةً على إيران وأمريكا فالتيّار الجهاديّ حاضرٌ بقوّة، والسّعوديّة موجودةٌ أيضاً عبر بعض الفصائل والهياكل السّياسيّة ، والاستخبارات الأردنيّة موجودة, والموساد ينشط في الإقليم الكرديّ, وتركيا ليست غائبة, وسوريا مازالت محتفظةً بالبديل البعثيّ على أراضيها على أمل عودته يوماً ما, والكويت موجودةٌ ولها تأثيرٌ في تأجيج الصّراع تارةً والعمل على احتوائه تارةً أخرى، هذا بالنسبة للتّدخّلات الخارجيّة, أمّا الوضع الداخليّ فالوضع أسوأ بكثير, فالتّمايز الطّائفيّ والعرقيّ وتأثيراته التي ظهرت بجلاءٍ خلال السّنين الماضية جعلت عبارة ( الحرب الأهليّة ) لا تغيب عن تصريحات السّاسة وتعليقات المحلّلين والمراقبين للوضع، وفي اعتقادي أنّ صمّام الأمان الوحيد الذي يمنع وقوع حربٍ أهليّةٍ كاملةٍ هو التّفاهم الأمريكيّ الإيرانيّ على نزع فتيل أيّ أزمةٍ يمكن أن تشعل مثل هذا النّوع من الحروب, كالأزمة التي نتجت عن تفجير مرقديّ الإمام الهادي و العسكريّ في سامراء 2006, التي أشعلت نار الحرب الطّائفيّة ولكنّها سرعان ما خبَت بفعل التّفاهم الأمريكيّ الإيرانيّ الممسك بزمام الأمور، أمّا إن وقع النّزاع بين قطبي صمّام الأمان فالأمر شبه أكيدٍ في اشتعال الحرب الأهليّة بين مكوّنات كلّ فريقٍ منهما، وأنا هنا لا أقترح شيئاً على المجاهدين هناك لأنّهم أعلم بالوضع العسكريّ وما يلزم له, ولكنّي أدعوهم لوضع خطط طوارئٍ تستثمر النّزاع في حالة وقوعه لتجييش أهل السّنة خلفهم, فالحرب الأهلية إن وقعت ستُلغي كلّ هذا الغثاء من الهيئات السّياسيّة والمؤسّسات الدعويّة المحسوبة على أهل السّنة, ولن تبقى كلمةٌ إلا لمن يحمل السّلاح, لأنّه وحده من يلتفّ من حوله النّاس لتأمين حمايتهم، فلن يفكّر أهل السّنة حينها في العمليّة الانتخابيّة أو الوحدة الوطنيّة أو غيره . . لن يفكّروا ولن يهتمّوا إلّا بسلامة أرواحهم في ظل هذا النّوع من الحروب المدمّرة التي لا يعرف فيها القتيل فيما قُتل ! وهذا هو الجوّ الملائم لعودة المجاهدين على رأس أهل السّنة ولتوجيه دفّة الصّراع على خطوط الجبهة العراقيّة المتداخلة ..

خَاتِمَة

كَما هو واضحٌ من السّيناريوهات السّابقة فقد رجّحت انكسار الجناح الغربي للحلف الشّيعيّ سوريا - حزب الله ، واشتعال الحرب الأهليّة في العراق, وأعتقد أنّ هذه التّطورات ستحدث في ظرفٍ زمنيّ من 3 إلى 6 شهور, أمّا المعركة الأمّ مع دولة الفرس فقد تستغرق المراحل التي ذكرتها سابقا من 5 إلى 7 سنين, ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله, ينصر من يشاء وهو العزيز الرّحيم .


والله أعلم

عبدالله الحاج
5/جمادي الآخر/1431



doc

http://www.megaupload.com/?d=HG3ZJIO6
http://uploading.com/files/573fef7e/War-strategy.doc/
http://www.zshare.net/download/763801081525d5eb/
http://hotfile.com/dl/44112660/e96ec...ategy.doc.html
http://uploading.com/files/573fef7e/War-strategy.doc/
http://rapidshare.com/files/39025664...ategy.doc.html

pdf

http://www.megaupload.com/?d=TGGM5F67
http://www.zshare.net/download/76380167632139ce/
http://uploading.com/files/e3acbbde/War-strategy.pdf/
http://hotfile.com/dl/44113017/02780...ategy.pdf.html
http://rapidshare.com/files/39025726...ategy.pdf.html




------------------------------------------------------------


لا تنسونا من صالح دعائكم

إخوانكم في


الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية
رَصدٌ لأخبَار المُجَاهدِين وَ تَحرِيضٌ للمُؤمِنين

No comments:

Post a Comment