Monday, April 26, 2010

تعزيةٌ وتسليةٌ ووعدٌ ووعيدٌ

بسم الله الرحمن الرحيم


تعزيةٌ وتسليةٌ ووعدٌ ووعيدٌ

للشيخ عبد العزيز بن شاكر الرافعي حفظه الله


بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعون.

هذه تعزيةٌ وتسليةٌ ووعدٌ ووعيدٌ.

عزاءً لأمةِ الإسلامِ كلِّها وللمجاهدين في دولةِ العِراقِ الإسلاميةِ خاصةً، في مقتلِ الشيخين أبي عمرَ البغداديِّ وأبي حمزةَ المهاجرِ تقبَّلهما الله في الشهداءِ وغفر لهما، وأقام مقامَهما من هو خيرٌ مِنهما وأشدُّ على الكافرين. وفي الصحيحين عن أنس -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنَّ العينَ تدمعُ، وإنَّ القلبَ يحزنُ، ولا نقول إلا ما يرضى ربُّنا، وإنا بفراقِك -يا إبراهيم- لمحزونون) ، فلا تثريبَ مِن حزنٍ يحلُّ في القلبِ، ويُدمِعُ العينَ، ولا يوقِعُ فيما يَسخَطُ الربُّ -جلَّ وعلا- مِن الأقوالِ والأعمالِ الظاهرةِ والباطنةِ؛ فأيُّما حزن أورث صاحبَه يأسًا وقنوطًا وسوءَ ظنٍّ باللهِ، أو حملَه على التفريطِ في الواجباتِ مِن مدافعةٍ لأعداءِ اللهِ في ثغرِه الذي هو فيه؛ فإنَّه حزنٌ مذمومٌ؛ قد فارقَه الصبرُ الواجبُ على قدرِ اللهِ، الذي هو جزءٌ مِن الإيمانِ بالقدرِ خيرِه وشرِّه، قال تعالى: {... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} ، وإنَّما يجتمعُ الصبرُ في قلبٍ واحدٍ مع الحزنِ الجِبِلِّيِّ؛ فلا يقعُ مِنه يتنافى مع الإيمانِ والتسليمِ بقضاءِ الله تعالى. وقد قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} ، وروى مسلمٌ عن صهيب بن سنان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (عجَبًا لأمرِ المؤمِنِ؛ إنَّ أمرَه كلَّه له خيرٌ -وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمِنِ- إنْ أصابَتْه سرَّاءُ شَكَرَ؛ فكان خيرًا له، وإنْ أصابتْه ضرَّاءُ صَبَرَ؛ فكان خَيرًا له) ؛ فحسنُ الظنِّ باللهِ، واليقينُ بأنَّ مآلَ الضراءِ -مع الصبرِ- الخيرُ؛ وأنَّ الابتلاءَ خيرٌ في الدارينِ لمَن صبرَ والتزم بأمرِ اللهِ، وأنَّ النصرَ مع الصبرِ، وأنَّ العاقبةَ للمتقين، والنصرَ للمؤمنين؛ من أعظمِ الفقهِ في الدين، وأرفعِ درجاتِ الإيمانِ، وأعلى مقاماتِ التوحيدِ.

قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} ، وقال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} ، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ، هذا وعدُه لمن أطاعَه واتَّقاه، واهتدى -متوكِّلاً عليه- بهُدى الكتابِ العزيزِ، وهو وعدٌ لا يتخلَّفُ ، غيرَ أنَّه معلَّقٌ بوصفِ الإيمانِ ؛ وهو العلمُ باللهِ وأمرِه، والعملُ بمقتضى ذلك؛ وهو في المقامِ الذي نحنُ فيه الثباتُ على دينِ اللهِ، وطاعةُ أمرِه في المؤمنين رحمةً وولاءً، وفي الكافرين شِدَّةً وعداءً؛ فاثبتوا يا جُندَ اللهِ حيثُ كنتم، وأروا اللهَ صبرَكم بإحسانِ عملِكم، وأروه قصدَكم وجهَه الكريمَ بالثباتِ على ما أنتم فيه؛ فمَن كان يعملُ لغيرِ الله؛ فإنَّ كلَّ مَن عليها فانٍ، ومَن كان يعملُ لله؛ فإنَّ اللهَ حيٌّ لا يموتُ؛ يرى أعمالَكم، ويطّلع على قلوبِكم.

وإنَّ الجهادَ ماضٍ وإن ذَهَبَ بعضُ أهلِه اصطفاءً بشهادةٍ أو ابتلاءً بأسرٍ أو انتكاسًا بردةٍ؛ فلا تزال طائفةٌ من أمةِ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- يقاتلون على الحقِّ ظاهرين، يذهبُ أقوامٌ فيخلفهم أقوام، وذلك مِن فضلِ الله وحفظِه لدينِه.

فصبرًا أهلَ الجهادِ؛ فإنَّما هو بيعُ النفوسِ للهِ؛ واللهُ يقبضُها متى شاءَ، ويُعطِيكُم عِوَضَها في الآخرةِ؛ {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .

وأبشرُوا بتحقُّقِ النصرِ على الكافرين بأيديكم بإذن الله تعالى ؛ قال الله تعالى: {... وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ *سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} ، قال ابنُ جريرٍ [في تفسيرِه 22/158] : (ولو يشاءُ ربُّكم، ويريدُ؛ لانتَصَرَ مِن هؤلاءِ المشركين الذين بيَّنَ هذا الحكمَ فيهم، بعقوبةٍ مِنه لهُم عاجلةٍ، وكفاكم ذلك كلَّه، ولكنَّه -تعالى ذِكرُه- كَرِهَ الانتصارَ مِنهُم، وعقوبتَهم عاجِلاً إلا بأيدِيكم أيُّها المؤمنون {لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } يقول: ليختبرَكم بِهِم؛ فيعلمَ المجاهدين مِنكُم والصابرين، ويبلوَهم بكم؛ فيعاقِبَ بأيديكم مَن شاءَ مِنهم، ويتعظَ مَن شاءَ مِنهُم بمن أهَلَكَ بأيدِيكُِم) اهـ.

ونحسبُ أنَّ قتلَ أمرائكم علامةُ صدقٍ وثباتٍ على الدين، ودليلٌ على شدةِ نكايتِهم بالكافرين؛ وهذا إمامُهم محمد -صلى الله عليه وسلم- اشتدَّ طلبُ الكافرين له ، وعظم مكرُهم به، قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} ؛ وهم كذلك؛ اشتدَّ طلبُ أهلِ الكفرِ لهم؛ لمَّا علموا أنَّهم لا يميلون إليهم رغبةً فيقولوا: {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} ، ولا يميلون إليهم رهبةً فيقولوا: {نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} ؛ ولو شاؤوا لكانوا كغيرِهم ممن يروحُ ويغدو في سلطانِ أعداءِ اللهِ تحت أعيِنِهم إذ عليها صُنِعَ، واستقامَ في نظامِهم؛ ثمَّ تراهُ يذهبُ إلى صحةِ سياستِه بحجةِ سلفِه: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا}.
وأنَّى أن يكونَ أمراؤكم كأولئك وقد آمنوا بقولِ اللهِ تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} وأنَّى أن يكونوا كذلك؛ وقد توعَّد الله الكافرين بأنَّ {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}، وقال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} .

وليبشِرْ أعداءُ اللهِ بالسوءِ؛ فإنَّنا أمةٌ تحيى بقتلِ ساداتِها، وتُعلي تضحياتُهم هِمَّتَها، وتغسلُ دماؤهم رانَ قلوبِها، وقد قال تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} ؛ فالصبرُ في القعودِ لكم والتربُّصِ بِكُم، والتقوى في قتالِكم والنكايةِ فيكُم، ووعدُ اللهِ لنا خِزْيُكم في الدنيا والآخرةِ، وثباتُنا باليقينِ بصدقِ وعدِ الله الذي نقرؤه في كتابِه؛ فليس يهزُّنا مقتلُ أحدٍ أو أسرُه أو ارتدادُه؛ وإنما أولئك أولياؤكم الذين يعبدون الله على حرفٍ، وفي كتابِ اللهِ خَبَرُهم، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} ؛ وقد أعيى المعمعاتِ أن تُفهِمَكم الفرقَ بين مَن يبتغون الموتَ مظانَّه، وأولئك الذين هم أحرص الناسِ على حياةٍ؛ ذلك بأنَّكم قد طًبِعَ على قلوبِكم؛ فلستم تفقهون. فانظُروا؛ ولتَرَوُنَّ ما يصنعُ جندُ اللهِ بكم!

هذا؛ وإنَّ في هذه المصيبةِ لعِبَرًا يُطلَبُ فِقهُها، ويحسنُ الوقوفُ عِندَها وتدارسُها، غيرَ أنَّ لهذا مقامًا آخرَ تكونُ النفوسُ فيه مُهيَّأةً للنظرِ والاعتبارِ.

اللهمَّ تقبَّل عبديك أبا عمرَ البغداديَّ وأبا حمزةَ المهاجرَ في الشهداءِ، واغفرْ لهما، وارحمهما، ولا تفتنَّا بعدَهما، وأبدِلْ أمةَ الإسلامِ خيرًا مِنهما، وعجِّل بنصرِك الذي وعدتَ؛ فإننا به موقنون.
اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّك محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، وآخرُ دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.





No comments:

Post a Comment