Thursday, April 8, 2010

الْإِبْتِلاءْ سُنَّةَ الْدَّعَوَاتِ

بِسْمِ الْلَّهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيْمِ



الْسَّلامِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الْلَّه وَبَرَكَاتُهُ



الْإِبْتِلاءْ سُنَّةَ الْدَّعَوَاتِ


الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الَّذِيْ أَكْرَمَنَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ وَهَذَا كَمَالُ الْفَضْلِ وَالْمِنَّهْ, وَالْصَّلاةُ وَالْسَّلامُ عَلَىَ إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ وَقَائِدِ الْمُجَاهِدِيْنَ وَسَيِّدُ الصَّابِرِيْنَ وَقُدْوَةً الْعَالَمِيْنَ وَسَلَامٌ الْلَّهِ عَلِىٌّ آَلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَىَ نَهْجِهِ الْجِهَادِيِّ الْوَاضِحِ إِلَىَ يَوْمِ الْدِّيِنِ وَبَعْدَ:

قَالَ الْلَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ {َلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفْ وَالْجُوْعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمَوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالْثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِيْنَ{155} الَّذِيْنَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُّصِيْبَةٌ قَالُوْا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ{156} أُوْلَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّنَ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُوْنَ{157}
وَمَعْنَىً هَذِهِ الْآَيَةَ الْعَظِيْمَةَ أَيْ لَنَخْتَبِرَنَّكُمْ بِشَيْءٍ يَسِيْرٍ مِنَ الْخَوْفِ لَا الْخَوْفِ كُلُّهُ أَيُّ سَيُبْتَلَى الْنَّاسِ بِشَيْئٍ مِنَ الْخَوْفِ كَيْ يَتَمَرِنُوا عَلَىَ الْمِحَنِ فيَلْتَجَئُوا الَىَّ الْلَّهِ الَّذِيْ سَيَحِلُّ لَهُمْ كُلَّ مَشَاكِلِ الْحَيَاةِ ، وَسَيَبْتَلَيْكُمْ الْلَّهِ بِالْجُوْعِ أَيُّ بِقِلَّةِ الْخُبْزِ وَالْطَّعَامِ أَوْ بِعَدَمِ بَرَكَةِ هَذَا الْطَّعَامَ, وَسَيَبْتَلَيْكُمْ بِنَقْصِ مَنْ الْأَمْوَالِ بِتَعَسُّرٍ الْحُصُولِ عَلَيْهَا أَوْ ذِهَابُهَا وَفَسَادٌ الْنِّظَامِ الْإِقْتِصَادِيِّ كَحَالِنَا الْيَوْمَ, وَسَيَبْتَلَيْكُمْ بِفَقْدِ الْأَنْفُسُ بِالْمَوْتِ أَوْ الَشَّهَادَةَ فِيْ سَبِيِلِ الْلَّهِ, وَيَبْتَلِيَكُمْ بِنَقْصِ مِنْ ثَمَرَاتٍ الْنَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ وَالْحُبُوبِ, بِقِلَّةِ نَاتِجُهَا أَوْ فَسَادِهَا, وَلَكِنَّ الْعَاقِبَةَ تَكُوْنُ بُشْرَىَ لِأَهْلِ الإِيْمَانِ وَبَشِّرِ -أَيُّهَا الْنَّبِيُّ- الصَّابِرِيْنَ عَلَىَ هَذَا وَأَمْثَالِهِ بِمَا يُفَرِّحُهُمْ وَيَسُرُّهُمْ مِنْ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ فِيْ الْدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ. وَمَنْ الْحِكْمَةَ الْرَّائِعَةِ فِيْ هَذِهِ الْآَيَةَ الْكَرِيْمَةِ أَنَّ الْلَّهَ جَمَعَ لِلْصَّابِرِيْنَ فِيْ هَذِهِ الْآَيَةُ ثَلَاثَةَ أُمُوْرٍ لَمْ يَجْمَعْهَا لِغَيْرِهِمْ وَهِيَ : الصَّلَاةَ مِنْهُ عَلَيْهِمْ ، وَرَحْمَتُهُ لَهُمْ ، وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ .
وَقَالَ بَعْضُ الْسَّلَفِ وَقَدْ عُزِيَ عَلَىَ مُصِيْبَةٍ نَالَتْهُ فَقَالَ : مَالِيْ لَا أَصْبِرُ وَقَدْ وَعَدَنِي الْلَّهُ عَلَىَ الْصَّبْرِ ثَلَاثَ خِصَالٍ كُلِّ خَصْلَةٍ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الْدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا .
نَعَمْ إِنَّ الْمِحَنِ وَالإِبْتِلاءَاتِ مِنْ سُنَنِ الْدَّعَوَاتِ وَهَذَا لَا يَغْفُلَ عَنْهُ إِلَا جَاهِلٌ بِسِيْرَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَجَاهِلٍ بِمَنْهَجِ الْقُرْآَنُ الْكَرِيْمِ. عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَىَ رَسُوْلِ الْلَّهِ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِيْ ظِلِّ الْكَعْبَةِ ، قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنَصرّ لَنَا أَلَا تَدْعُوَ الْلَّهَ لَنَا قَالَ (كَانَ الْرَّجُلُ فِيْمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِيْ الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيْهِ ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ ، فَيُوْضَعُ عَلَىَ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِيْنِهِ ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيْدِ ، مَا دُوْنَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِيْنِهِ ، وَالْلَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّىَ يَسِيْرَ الْرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَىَ حَضْرَمَوْتَ ، لَا يَخَافُ إِلَا الْلَّهَ أَوِ الْذِّئْبَ عَلَىَ غَنَمِهِ ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُوْنَ) رواه الْبُخَارِيُّ

وَأَفْضَلُ الْنَّاسِ إِيْمَانَا أَشَدُّهُمْ إِبِتِلَاءً وَهَذِهِ حَقِيْقَةُ يَشْهَدُ لَهَا حَدِيْثٌ الْنَّبِيّ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ وَيُشْهِدُ عَلَيْهَا الْوَاقِعِ الْمَحْسُوسِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَّبِيِّ وّقَّاصٍ رَضِيَ الْلَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُوْلَ الْلَّهِ: أَيُّ الْنَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: "الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الْرَّجُلُ عَلَىَ حَسَبِ دِيْنِهِ فَإِنْ كَانَ دِيْنُهُ صُلْبا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِيْ دِيْنِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَىَ حَسَبِ دِيْنِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّىَ يَتْرُكَهُ يَمْشِيَ عَلَىَ الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيْئَةٌ") أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيْحٌ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ.
(قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُبَارَكْفُوْرِيِّ فِيْ "تُحْفَةً الْأَحْوَذِيِّ بِشَرْحِ جَامِعِ الْتِّرْمِذِيِّ": (بَلَاءً) أَيْ مِحْنَةً وَمُصِيْبَةً (قَالَ الْأَنْبِيَاءُ) أَيْ هُمْ أَشَدُّ فِيْ الِابْتِلَاءِ لِأَنَّهُمْ يَتَلَذَّذُوْنَ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَتَلَذَّذُ غَيْرُهُمْ بِالْنَّعْمَاءِ, وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ أَشَدَّ بَلَاءً كَانَ أَشَدَّ تَضَرُّعا وَالْتِجَاءً إِلَىَ الْلَّهِ تَعَالَىْ (ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ الْأَشْرَفُ فَالْأَشْرَفُ وَالْأَعْلَىَ فَالْأَعْلَىَ رُتْبَةً وَمَنْزِلَةً. يَعْنِيْ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَىَ الْلَّهِ بَلَاؤُهُ أَشَدُّ لِيَكُوْنَ ثَوَابُهُ أَكْثَرَ قَوْلُهُ: (يُبْتَلَى الْرَّجُلُ عَلَىَ حَسَبِ دِيْنِهِ) أَيْ مِقْدَارِهِ ضَعْفا وَقُوَّةً وَنَقْصا وَكَمَالا.


لِذَلِكَ كَانَ إِسْلَامُ الْمَرْءِ لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا بِالْبَلَاءِ وَالْمِحَنِ فَالَّذِي لَا يُبْتَلَى لَا يَعْرِفُ حَقِيْقَةَ الْإِسْلَامِ وَلَا يُعْرَفْ مَعْنَىً الْصَّبْرِ وَالْثَّبَاتِ, لِذَلِكَ يَجِبُ عَلَىَ الْدَّاعِيَةِ أَنْ يُعْرَفْ مُنْذُ الْلَّحْظَةِ الْأُوْلَىْ عِنْدَ حَمَلَهُ لِلْإِسْلَامِ كَمِنْهَاجَ حَيَاةً أَنَّهُ سَيُبْتَلَى بِقِلَّةِ الْنَّاصِرِيْنَ وَسَيُبْتَلَى بِفُقْدَانِ الْأَحِبَّةِ وَخِذْلانَ الْإِخْوَةُ وَهُجْرَانُ الْبِلَادِ لِذَلِكَ قَالَ الْشَّيْخُ حَسَنُ الْبَنَّا وَهُوَ يُوَجِّهُ رِسَالَتَهُ إِلَىَ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِيْنَ هَدَاهُمُ الْلَّهُ إِلَىَ الْحَقِّ وَأَعَادَهُمْ مُسْلِمِيْنَ وَإِخْوَةً قَالَ لَهُمْ {أَحَبُّ أَنَّ أُصَارِحُكُمْ أَنَّ دَعَوْتُكُمْ لَا زَالَتْ مَجْهُوْلَةً عِنْدَ كَثِيْرٍ مِنَ الْنَّاسِ، وَيَوْمَ يَعْرِفُوْنَهَا وَيُدْرِكُوْنَ مَرَامِيَّهَا وَأَهْدَافِهَا سَتَلْقَوْنَ مِنْهُمْ خُصُوْمَةٌ شَدِيْدَةٌ وَعَدَاوَةٌ قَاسِيَةٌ، وَسَتَجِدُوْنَ أَمَامَكُمْ كَثِيْرا مِنَ الْمَشَقَّاتِ، وَسَتَعْتَرْضُكُمْ كَثِيْرٌ مِّنْ الْعَقَبَاتِ، وَفِيْ هَذَا الْوَقْتِ وَحْدَهُ تَكُوْنُوْنَ قَدْ بَدَأْتُمْ تَسْلُكُونَ سَبِيْلَ أَصْحَابُ الْدَّعَوَاتِ.}إِنْتَهَىْ

فَاعْتَبِرُوْا يَا (جَمَاعَةُ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِيْنَ بِكَلَامِ أَمِيْرُكُم!!!!!)

قَالَ وَهْبٍ بْنِ مُنَبِّهٍ: لَا يَكُوْنُ الْرَّجُلُ فَقِيْها كَامِلٍ الْفِقْهِ حَتَّىَ يَعُدَّ الْبَلَاءَ نِعْمَةً وَيُعَدُّ الْرَّخَاءِ مُصِيَبَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الْبَلَاءِ يَنْتَظَرِالرَّخَاءً وَصَاحِبُ الْرَّخَاءِ يَنْتَظِرُ الْبَلَاءِ. انْتَهَىَ
يَجِبُ أَنْ نَعْلَمُ بِأَنَّ الَّذِيْ لَا يُرِيْدُ أَنْ يَفْتِنَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةُ لِأَنَّ الْفِتْنَةِ بَاقِيَةٍ مَا دَامَتِ الْحَيَاةُ بَاقِيَةً. فَالْمُؤْمِنُ أَقْوَىْ وَأَكْثَرُ ثَبَاتَا مِنَ الْجِبَالِ، وَأَصْلَبُ مِنَ الْحَدِيْدِ، لَا تُنَالُ مِنْ عَزْمِهِ وَهِمَّتُهُ وَلَا تُثَبَّطُ حَرَكَتِهِ وَنَشَاطَهُ فِيْ الْحَيَاةِ عَوَاصِفُ الْدُّنْيَا وَقَوَاصْفَهَا وَلَا ظُلِمَ الْطَّوَاغِيْتَ وَجَبَرُوْتُهُمْ. قَالَ الْلَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ {مَا كَانَ الْلَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِيْنَ عَلَىَ مَآَ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيْزَ الْخَبِيْثَ مِنَ الْطَّيِّبِ} (آَلِ عِمْرَانَ/179)
هَذَا هُوَ طَبِيْعَةُ الْدِّيْنِ امْتِحَانَاتِ تَتْلُوْهَا امْتِحَانَاتِ وَهَذِهِ هِيَ حَقّيقَةُ الْفِتَنِ لِيَمِيْزَ الْلَّهُ الْخَبِيْثَ مِنَ الْطَّيِّبِ فَلَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَمَيّزَ عَنْ الْخُبَثَاءِ الَّذِيْنَ يُمَثِّلُونَ الْجَاهِلِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ لَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِ انّ يَتَمَيَّزُ عَنْهُمْ فِيْ كُلِّ شَيْئٍ فِيْ لِبَاسِهِ وَفِكْرُهُ وَمَنْطِقِهِ وِسَرَيْرَتِهِ وَسِيْرَتِهِ, فَلَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَعْلِيَ بِإِيْمَانِهِ وَيَرْتَفِعُ بِّعُبُوْدِيَّتِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْذِبُ الْبَلَاءِ فِيْ سَبِيِلِ الْلَّهِ وَمَنْ أَجَلَّ رَسُوْلُ الْلَّهِ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِ وَخَاصَّةً الْمُجَاهِدُ أَنْ يُوْقِنَ بِأَنَّ الْعَذَابَ فِيْ سَبِيِلِ الْلَّهِ عُذّبَ وَأَنْ الْقَتْلِ فِيْ سَبِيِلِ الْلَّهِ عَزَّ وَأَنْ الْسِّجْنِ فِيْ سَبِيِلِ الْلَّهِ خَلْوَةٌ . إِنَّ فَهُمْ الْدَّاعِيَةِ لِحَقِيْقَةِ الْبَلَاءِ هِيَ مِنَ أَسَّسَ الْدَّعْوَةَ الَّتِيْ تُثْبِتُ الْمُسْلِمَ فِيْ طَرِيْقِ الْأَشْوَاكِ يَقُوْلُ الْلَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ {أَحَسِبَ الْنَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوَا أَنْ يَقُوْلُوْا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُوْنَ }الْعَنْكَبُوْتِ2
فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ قُرْآنِيَّةِ تُؤَكِّدُ عَلَىَ حَقِيْقَةِ الْنَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ بِأَنَّهَا لَا تُحِبُّ الْإِبْتِلاءْ وَالْفِتَنُ وَلَكِنَّ الْلَّهَ يَأْبَىْ إِلَا أَنْ يُلَازِمُ الْإِيْمَانِ فَتَنَّا وَإِبْتِلاءَاتِوَمِحَنٌ لِكَيْ يَتَمَايَزْ الْصَّفِّ الْإِسْلَامِيِّ وَيَبْقَىَ الْثَّابِتُوْنَ عَلَىَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ الَّذِيْنَ لَاقَوْا فِيْ سَبِيِلِ الْلَّهِ مَا لَاقَوْا وَتَحَمَّلُوْا فِيْ سَبِيِلِ الْلَّهِ كَلٌّ شَيْئٍ كَيْ يَرْضَىَ عَنْهُمْ جَبَّارٍ الْسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. لِذَلِكَ يُؤَكِّدُ الْقُرْآَنَ عَلَىَ أَهَمِّيَّةِ الثَّبَاتَ عَلَىَ الْحَقِّ وَحَتَّىْ إِنِ وَجَدْنَا الْأَلَم وَالْتَعَبْ قَالَ الْلَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ {وَلَا تَهِنُوا فِيْ ابْتِغَاءَ الْقَوْمِ إِنَّ تَكُوْنُوْا تَأْلَمُوْنَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُوْنَ كَمَا تَأْلَمُوْنَ وَتَرْجُوْنَ مِنَ الْلَّهِ مَا لَا يَرْجُوَنَّ وَكَانَ الْلَّهُ عَلِيّما حَكِيْمَا }الْنِّسَاءِ104
إِنَّ أَعْدَاءَ الْدِّيْنِ يَتْعَبُونَ وَيَأْلَمُونَ ثُمَّ يَمُوْتُوْنَ كُلُّ هَذَا مِنْ أَجْلِ الْدُّنْيَا وَحُبَّ الْشَّهَوَاتِ وَهُمْ جَادِّيْنَ فِيْ الْعَمَلِ لِدُنْيَاهُمْ وَلَكِنْ شَتَّانَ شَتَّانَ بَيْنَ المَنّهِجَينَ مَنْهَجِ الْحَقِّ الَّذِيْ نَسْتَشْعِرُ لَذَّةٍ الْبَلَاءِ مِنْ أَجْلِهِ لِأَنَّهُ مَنْهَجِ الْقُرْآَنِ وَمَنْهَجَ الْبَاطِلَ الَّذِيْ مَآَلُهُ إِلَىَ خُسْرَانُ الْدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ. وَرَدَ فِيْ صَحِيْحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيْثِ أَبِيْ سَعِيْدٍ وَأَبِيَّ هُرَيْرَةَ عَنْ الْنَّبِيِّ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَا يُصِيْبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذَىً وَلَا غَمّ حَتَّىَ الْشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ الْلَّهُ بِهَا خَطَايَاهُ) فَالنَّصْبُ هُوَ الْتَّعَبِ وَالْوَصَبُ هُوَ الْمَرَضِ.
فَلَا تَظُنُّ يَا أَخِيْ بِأَنَّ الْصَبْرَ عَلَىَ الْمَصَائِبِ لَيْسَ لَهُ أَجْرٌ بَلْ أَجْرُهُ عَظِيْمٌ وَكَبِيْرٍ حَتَّىَ لَوْ كَانَتْ الْمُصِيْبَةُ هِيَ شَوْكَةً صَغِيْرَةً فَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَكَ يَا رَبَّ عَلَىَ هَذِهِ الْنِّعَمِ. وَفِيْ الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيْثِ أَبِيْ هُرَيْرَةَ عَنْ الْنَّبِيِّ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوْ الْمُؤْمِنَةِ فِيْ جَسَدِهِ وَفِيْ مَالِهِ وَفِيْ وَلَدِهِ حَتَّىَ يَلْقَىَ الْلَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيْئَةٌ)
فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَبَرُوَا عَلَىَ الْبَلَاءِ مِنْ أَجْلِ لَا الَهَ الَا الْلَّهُ وَمِنْ أَجْلِ الْتَّوْحِيْدِ الْصَّحِيْحِ فَكَانَ حَالِهِمْ الْصَّبْرِ وَالْثَّبَاتِ وَلِأَنَّ طَرِيْقِهِمْ مَحْفُوْفٌ بِالْأَشْوَاكْ وَالْمِحَنِ فَطَرِيْقُهُمُ نَاحَ فِيْهِ نُوْحٌ عَلَيْهِ الْصَّلاةُ وَالْسَّلامُ، وَرُمْيَ فِيْ الْنَّارِ إِبْرَاهِيْمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ الْصَّلاةُ وَالْسَّلامُ ، وَأُضْجِعَ لِلْذَّبْحِ إِسْمَاعِيْلُ عَلَيْهِ الْصَّلاةُ وَالْسَّلامُ ، وَبِيَعٌ يُوَسُفَ عَلَيْهِ الْصَّلاةُ وَالْسَّلامُ بِدَرَاهِمَ مَعْدُوْدَةٍ، وَذَهَبَتْ مِنْ الْبُكَاءِ عَيْنٌ يَعْقُوْبَ عَلَيْهِ الْصَّلَاةُ وَالْسَّلَامُ ، وَذُبِحَ الْحَصُورِ يُحْيِ عَلَيْهِ الْصَّلاةُ وَالْسَّلامُ ، وَصَبِّرْ عَلَىَ الْبَلَاءِ أَيُّوبٍ عَلَيْهِ الْصَّلاةُ وَالْسَّلامُ ، وَأُدْمِيَتْ قُدُمَا رَسُوْلُ الْلَّهِ وَطُرِدَ مِنْ مَكَّةَ عَلَيْهِ الْصَّلاةُ وَالْسَّلامُ.

وَهَذَا الْطَّرِيْقُ نَفْسُهُ مَضَىْ بِهِ الْصَّحَابَةُ رِضْوَانُ الْلَّهِ عَلَيْهِمْ فَصَبَرُوْا عَلَىَ وَعْرِ الْطَّرِيْقِ لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُوْنَ سَبِيِلِ الْأَنْبِيَاءِ, وَفِيْ مَشْهَدِ عَظِيْمِ يُؤَكِّدُ الْقُرْآَنُ حَقِيْقَةً الْبَلَاءِ وَالثَّبَاتِ عِنْدَ الْمِحَنِ فَقَالَ الْلَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ {إِذْ جَاؤُوْكُمْ مِّنَ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوْبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّوْنَ بِالْلَّهِ الْظُّنُوْنَا }الْأَحْزَابُ10
وَالْمَعْنَىْ إِذْ جَاؤُوْكُمْ مِّنَ فَوْقِكُمْ مِنْ أَعْلَىَ الْوَادِيْ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ, وَمَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ مِنْ بَطْنِ الْوَادِيْ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ, وَإِذْ شُخِّصَتْ الْأَبْصَارُ مِنْ شِدَّةِ الْحَيْرَةِ وَالْدَّهْشَةُ, وَبَلَغَتِ الْقُلُوْبُ الْحَنَاجِرَ مِنْ شِدَّةِ الْرُّعْبِ, وَغَلَبَ الْيَأْسِ الْمُنَافِقِيْنَ, وَكَثُرَتْ الْأَقَاوِيْلْ, وَتَظُنُّوْنَ بِالْلَّهِ الْظُّنُوْنَ الْسَّيِّئَةَ أَنَّهُ لَا يَنْصُرُ دِيْنَهُ, وَلَا يُعْلَيْ كَلِمَتَهُ. فَكَانَتْ هَذِهِ الْمِحْنَةِ الّعَظِيّمَّةَ الَّتِيْ قَالَ الْلَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عَنْهَا {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُوْنَ وَزُلْزِلُوْا زِلْزَالَا شَدِيْدا }الْأَحْزَابُ11
وَفِيْ خِضَمِّ هَذِهِ الإِبْتِلاءَاتِ يَخْرُجُ صَوْتْ الْمُنَافِقِيْنَ وَيَتَمَيَّزُ الْصَّفِّ الْمُسْلِمِ لِيَنْصُرَهُ الَلّهَ قَالَ الْلَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ {وَإِذْ يَقُوْلُ الْمُنَافِقُوْنَ وَالَّذِينَ فِيْ قُلُوْبِهِمْ مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا الْلَّهُ وَرَسُوْلُهُ إِلَّا غُرُوْرَا }الْأَحْزَابُ12
نَعَمْ مَنْ لَا يُعَانِيْ لَا يَعْرِفُ الْمَعَانِيْ وَمَنْ لَا يُبْتَلَى لَا يَعْرِفُ حَقِيْقَةَ الْدِّيْنَ وَلَا يَتَذَوَّقُ لَذَّةَ الإِيْمَانِ. فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْمِحَنِ وَالإِبْتِلاءَاتِ لِكُثُرٍ أَهْلِ الْنِّفَاقِ وَلَضَاعٍ الْدِّيْنَ بَيْنَهُمْ وَلَكِنْ الَلّهَ وَهُوَ الْعَلِيْمُ الْخَبِيْرُ جَعَلَ الْمِحَنِ سَبِيْلا لِلْتَمَيُّزْ وَالثَّبَاتُ عَلَىَ الْدِّيْنِ وَعَدَمُ الإِرْتَادِ إِلَىَ الْكُفْرِ. وَفِيْ الْحَدِيْثِ الْصَّحِيْحِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ( أَنَّ رَسُوْلَ الْلَّهِ ‏ ‏صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِيْ خُطْبَتِهِ ‏ ‏أَلَا إِنَّ رَبِّيَ أَمَرَنِيَ أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِيْ يَوْمِيَ هَذَا كُلُّ مَالٍ ‏ ‏نَحَلْتُهُ ‏ ‏عَبْدا حَلَالٌ وَإِنِّيَ خَلَقْتُ عِبَادِيَ ‏ ‏حُنَفَاءَ ‏ ‏كُلُّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الْشَّيَاطِيْنُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِيْنِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوْا بِيَ مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانا وَإِنَّ الْلَّهَ نَظَرَ إِلَىَ أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ ‏ ‏أَهْلَ الْكِتَابِ ‏ ‏وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ ‏ ‏لِأَبْتَلِيَكَ ‏‏وَأَبْتَلِيَ ‏ ‏بِكَ وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِما وَيَقْظَانَ وَإِنَّ الْلَّهَ أَمَرَنِيَ أَنْ أُحَرِّقَ ‏ ‏قُرَيْشا ‏ ‏فَقُلْتُ رَبِّ إِذا ‏ ‏يَثْلَغُوا ‏ ‏رَأْسِيٌّ فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً قَالَ اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ وَاغْزُهُمْ ‏ ‏نُغْزِكَ ‏ ‏وَأَنْفَقَ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ وَابْعَثْ جَيْشا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ )
كَانَ الْنَّبِيُّ عَلَيْهِ الْصَّلاةُ وَالْسَّلامُ يَعْلَمْ بِأَنَّ الْدَّعْوَةِ إِلَىَ الْلَّهِ لَهَا تَبِعَاتِ وَمِحَنٌ وَقَتَلَ وَتَعْذِيْبُ وَلَيْسَتْ الْدَّعْوَةِ إِلَىَ الْلَّهِ مَفْرُوْشَةً بّالْوُرُوُدِ وَالْرَّيَاحِيْنُ. وَجَاءَ فِيْ تَفْسِيْرِ(إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ )‏مَعْنَاهُ : لِأَمْتَحِنَكَ بِمَا يَظْهَرُ مِنْكَ مِنْ قِيَامِكَ بِمَا أَمَرْتُكَ بِهِ مِنْ تَبْلِيْغِ الْرِّسَالَةِ وَغَيَّرَ ذَلِكَ مِنْ الْجِهَادِ فِيْ الْلَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ , وَالْصَّبْرِ فِيْ الْلَّهِ تَعَالَىْ وَغَيْرِ ذَلِكَ , وَأَبْتَلِيَ بِكَ مِنْ أَرْسَلْتُكَ إِلَيْهِمْ , فَمِنْهُمْ مَنْ يُظْهِرُ إِيْمَانِهِ , وَيُخَلِّصُ فِيْ طَاعَاتِهِ , وَمَنْ يَتَخَلَّفُ , وَيَتَأَبدّ بِالْعَدَاوَةِ وَالْكُفْرِ , وَمَنْ يُنَافِقُ , وَالْمُرَادُ أَنْ يَمْتَحِنَهُ لِيَصِيْرَ ذَلِكَ وَاقِعا بَارِزا فَإِنَّ الْلَّهَ تَعَالَىْ إِنَّمَا يُعَاقَبُ الْعِبَادِ عَلَىَ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ , لَا عَلَىَ مَا يَعْلَمُهُ قَبْلُ وُقُوْعُهُ , وَإِلَّا فَهُوَ سُبْحَانَهُ عَالمٌ بِجَمِيْعِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُقُوْعِهَا. لَقَدْ عَرَفَ رَسُوْلَ الْلَّهِ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَبِيْعَةِ مَا سَيَلْقَاهُ فِيْ هَذَا الْطَرِيْقْ ، مُنْذُ الْلَّحْظَةِ الْأُوْلَىْ لَبَعَثَتْهُ ، وَبَعْدَ أَوَّلَ لِقَاءَ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الْسَّلامُ ، حِيْنَ ذَهَبْتَ بِهِ خَدِيْجَةُ رَضِيَ الْلَّهُ عَنْهَا إِلَىَ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ : يَا لَيْتَنِيْ كُنْتُ حَيَّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ الْصَّلَاةُ وَالْسَّلَامُ ( أَوْ مُخْرِجِيَّ هُمْ ) ؟ ، قَالَ : نَعَمْ ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُوْدِيَ . فَوَطِّنْ نَفْسِهِ مُنْذُ الْبَدَايَةِ عَلَىَ تَحَمُّلِ الْصَّدِّ وَالْإِيْذَاءِ وَالْكَيْدُ وَالْعَدَاوَةُ . وَرَدَ فِيْ الْمُسْنَدِ وَسُنَنِ الْتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الْلَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الْلَّهِ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ((لَقَدْ أُخِفْتُ فِيْ الْلَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ, وَلَقَدْ أُوْذِيْتُ فِيْ الْلَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ, وَمَا لِيَ وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُوْ كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيْهِ إِبْطُ بِلَالٍ)).
يَقُوْلُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِيْ مَدَارِجِ الْسَّالِكِيْنَ :( إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا نَجَا مِنْ كُلِّ الْعَقَبَاتٌ الَّتِيْ يَضَعُهَا الْشَّيْطَانُ عَلَىَ الْطَّرِيْقِ الْمُسْتَقِيْمِ الْمُوَصِّلَةُ إِلَىَ الْلَّهِ، بَقِيَتْ لَهُ عَقِبَةُ يَطْلُبُهُ الْعَدُوِّ عَلَيْهَا لَا بُدَّ مِنْهَا، وَلَوْ نَجَا مِنْهَا أَحَدٌ، لَنَجَا مِنْهَا رُسُلُ الْلَّهِ وَأَنْبِيَاؤُهُ، وَأَكْرِمْ الْخُلُقِ عَلَيْهِ، وَهِيَ عُقْبَةَ تَسْلِيْطَ جُنْدَهُ عَلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْأَذَى، بِالْيَدِ وَالْلِّسَانِ وَالْقَلْبِ، عَلَىَ حَسَبِ مَرْتَبَتِهِ فِيْ الْخَيْرِ، فَكُلَّمَا عَلَتْ مَرْتَبَتِهِ، أَجْلِبُ عَلَيْهِ الْعَدُوّ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ، وَظَاهِرُ عَلَيْهِ بِجُنْدِهِ، وَسَلَطَ عَلَيْهِ حِزْبَهُ وَأَهْلَهُ بِأَنْوَاعِ الْتَّسْلِيطُ، وَهَذِهِ الْعَقَبَةَ لَا حِيْلَةً لَهُ فِيْ الْتَّخَلُّصِ مِنْهَا، فَإِنَّهُ كُلَّمَا جَدَّ فِيْ الِاسْتِقَامَةِ، وَالْدَّعْوَةِ إِلَىَ الْلَّهِ، وَالْقِيَامِ لَهُ بِأَمْرِهِ، جَدَّ الْعَدُوُّ فِيْ إِغْرَاءِ الْسُّفَهَاءُ بِهِ، فَهُوَ فِيْ هَذِهِ الْعَقَبَةُ قَدْ لَبِسَ لِأُمَّةٍ الْحَرْبِ، وَأَخَذَ فِيْ مُحَارَبَةِ الْعَدُوٌّ لِلَّهِ وَبِاللَّهِ).

وَأَخِيْرا لَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِ الْمُوَحَّدِ فِيْ زَمَنِ الْغُرْبَةِ مِنْ الْتَّمَسُّكِ بِهَذَا الْدِّيْنِ وَالْعِضُّ عَلَيْهِ بِالْنَّوَاجِذِ وَلَا يَجْزَعُ مِنْ كَثْرَةِ الْمِحَنِ وَقِلَّةٌ الْسَّالِكِيْنَ وَّصُعُوْبَةً الْطَّرِيْقِ وَعَلَيْهِ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآَنِ وَتَدَبّرُهُ وَالإِسْتِسْقَاءً مِنْ السِّيْرَةِ الْعَطِرَةِ وَجَعَلَهَا أَمَامَ عَيْنَيْهِ وَفِيْ قَلْبِهِ , وَعَلَيْهِ بِالْدُّعَاءِ فَإِنَّهُ الْعِبَادَةِ وَلْيَكْثُرِ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُعَيَّنْ عَلَىَ الثَّبَاتِ, وَعَلَيْهِ بِدِرَاسَةِ سِيْرَةُ الْمُجَاهِدِيْنَ وَالْصَّالِحِيْنَ فَإِنَّهُ زَادُ لَهُ وَمَعِيْنٍ فِيْ زَمَنِ الْمِحْنَةِ, وَعَلَيْهِ بِصُحْبَةِ أَهْلَ الْإِيْمَانَ وَتَرْكُ صُحْبَةِ الْمُخَذِّلِيْنَ عَنْ الْجِهَادِ. وَأُذَكِّرُكُمْ بِهَذَا الْحَدِيْثِ الْرَّائِعْ الَّذِيْ يُسَلِّيَ أَهْلَ الْمِحَنِ وَالَّمَصَائِبِ وَيَجْعَلُهُمْ يَصْبِرُوْنَ وَيَصْبِرُوْنَ لِمَا لَهُمْ عِنْدَ الْلَّهِ مِنْ أَجْرٍ وَثَوَابٍ رَوَىَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِالْلَّهِ أَنَّ رَسُوْلَ الْلَّهِ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ( لَيُوَدَّنَّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ جُلُوْدُهُمْ قُرِضَتْ بِالْمَقَارِيْضِ ، مِمَّا يَرَوْنَ مِنَ ثَوَابِ أَهْلِ الْبَلَاءِ) قَالَ الْأَلْبَانِيُّ حَدِيْثٌ حَسَنٌ فِيْ صَحِيْحٌ الْتَّرْغِيْبِ

فَالْعَاقِبَةُ لِّلَّصَّابِرِيْنَ وَالْمُسْتَضْعَفِيْنَ هَذِهِ سُنَّةُ الْلَّهِ فِيْ خَلْقِهِ قَالَ الْلَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ {وَنُرِيْدُ أَنْ نَّمُنَّ عَلَىَ الَّذِيْنَ اسْتُضْعِفُوَا فِيْ الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِيْنَ } الْقَصَصَ5


الْطُّرُقِ شَتَّىْ وَطُرُقُ الْحَقِّ مُفْرَدَةٌ*** وَالْسَّالِكُوْنَ طَرِيْقَ الْحَقِّ أَفْرَادُ
لَا يُعْرَفُوْنَ وَلَا تُدِرْيً مَقَاصِدُهُمْ*** فَهُمْ عَلَىَ مَهَلٍ يَمْشُوْنَ قُصَّادُ
وَالْنَّاسُ فِيْ غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ*** فَجُلُّهُمْ عَنْ سَبِيِلِ الْحَقِّ رُقَّادُ

أَخُوْكُمُ أَبُوْ الْزَّهْرَاءِ الْزُّبَيْدِيِّ
غَفَرَ الْلَّهُ لَهُ

عَن مَجَلَّةِ الْمُشْتَاقُوْنَ إِلَىَ الْجَنَّةِ عَدَدَ 5
وَهَذَا رَابِطُ الْمَجَلَّةِ

http://124.217.252.247/%7Eshamikh/vb/showthread.php?t=59408

No comments:

Post a Comment