Monday, April 5, 2010

سيرة الشيـــخ منصـــور المـشهداني - أحـد أبـرز قـادة الجهاد في العـراق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحـمد لله الحميد المجيد ، الذي أرسل رُسله بالبيّنات ومعهم الكـتاب والميزان وأنزل الحـديد فيه بأس شديـد ، فـمن عـصاه فهُـو الشقيّ الطـريد ، ومن أطاعـه دخـل الجنة التي من أعـلى منازلهـا منزلة الشهيـد ، والصلاة والسلام عـلى سيّد العـبيد نبيّنا محمّد وعلى آله وصحـبه أهل الرأي السديد ، وبعـد:

قال تعالى: ((مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)) (الأحـزاب 23-24)
وقد ورد عن النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الإسلام بدأ غريباً و سيعود غريباً فطوبى للغرباء، إلا أنه لا غربة على من مات في أرض غربة غاب فيه بواكيه إلا بكت عليه السماء و الأرض"


هذه قـصّة رجـلٍ ليس ككُـل الرجـال، رجُـل كـتب الله له أن يكـون مِمّـن سطر بعـض أمجاد هذه الأمة على صفـحات التاريـخ الإسلامي المُعاصر
رجل عـرفـته ساحـة الدعـوة قـبل ساحـة القـتال، رجُـل أغاض أعداء الله في حياته ونال منهم نَيْـلا، ثمّ نال الحُسنيَـيـن فـأغاض الله أعداء المِلّـة باستشهـاده
إسمٌ على مُـسمّـى، إسمه مـنـصور وكُـنيتـه أبو بكـر
ناصَـرَ وصاحَـبَ وبايَـعَ وتأمّـر على خـيرة المُجاهدين وطُلاب العـلم في العـراق


نشأته ودعـوته ...
الشيخ منـصور سليـمان منصور المشهـداني من سُكـان منطقـة الدورة المباركة جنوب بغداد، تربّـى ونشأ وترعـرع فـيها ..
تربّى على منهج السلف وعقيدة التوحـيد فكان من شباب التيّـار السلفـي الجهادي مُنذ أيـام حـزب البعـث، بدأ بطلب العلـم من خـيرة مشائخ السلفية آنذاك واستمر حتى صار من أبرز طـلاب العـلم في ذلك الوقـت، حـصل على شهـادة الدكـتوراه من كُليّـة الشريعـة في بغـداد في نهاية التسعـينات، ورغـم المساوئ التي كانت عليهـا هذه الكُليّـة من تسلّط البعـثيّون وسيطـرتهم عليها ونشـر أفكارهـم فـيها إلا أن الفائدة العـلميّة التي يكتسبها الطالب من خـلال الدراسة فـيها كـبيـرة جدّاً على مستوى أغـلب العـلوم الشرعـيّة إلا العـقيدة، فكـيف بشهادة كـشـهادة الدكـتوراه التي حصـل عليـها الشيـخ منصـور - تقبّله الله -

وفي جلسة المناقشة لحـصوله على هذه الشهادة وقـعت حادثة لا بد من ذكرها وهي أن من ناقشـه في شهادته أحـد أبرز رمـوز البعـث المعـروفـون الموالون للطاغـوت آنذاك وهو "عبـد الغـفـور القيسي" الذي كان من المحـسوبين على التيار الديني في النظام، ولعلّي أذكُـر موقـفاً يدل على ذكاء الشيـخ في ذلك الوقـت في هذا الشأن:
إذ أن هذا المذكور سأل الشيخ منـصور وأراد بهذا السؤال أن يخـتبره أو يُسـقطه فـقال له:
ما رأيك في بعـض الشواذ مِمّـن يحـملون فكـر تكـفير النظام؟!
فأجـاب الشيـخ بكـل بساطـة:
أنت قلت أنهم شواذ ... والشاذ معـروف حاله.
فـتخلّص الشيخ من الجـواب ببساطـة وألجم المذكور.

تولّى الشيخ الإمامة والخـطابـة في أحد مساجـد الدورة وهو (جامع الإسكان الشعـبي)، فكـان خـطيباً مُتمكّنا يشهـد له الجميـع.

كان الشيـخ ضمـن مجـموعـة من أفـضل المشائخ وطلبـة العلم خُـلُقاً وأكـثرهُم عِلـماً على مُستـوى البلاد، المجـموعـة التي أصبـح أغـلبُ رجالها بعـد غـزو العـراق مِن قيادات الصف الأوّل، أسئل الله أن يتقبّـل شُهداء هذه الثُلة المُباركة وأن يفرج عن مكروبيهم وأن يحـفظ الأحرار منهم، عموماً فإن هذه المجـموعة قد تربّـت على أيادي شيخـين من أبـرز مشائخ العـراق ومن أقـدمِهِم سَلَفيّـةً وهُما الشيخ فائز والشيـخ حامـد (رحمهما الله تعالى) والذَين اُعـدما في بداية التسعينيّات في عهـد البعـث بتُـهمة تهـديد النظام ونشـر الأفكار المُتطـرفة المُعادية.

مرّ الشيـخ كما مرّ إخـوانه في كـثير من الإبتلاءات والمِحـن في ذلك الوقـت (فتـرة الدعـوة السريّـة - كما أسميها) فـقد كانت تُشنّ من قِبل الطاغـوت الحـملات تلو الحملات التي تدعـو إلى مُحاربـة فكـر التيار السلفـي وتكـفير حامليه ومُلاحـقة أفراده، فاستمر الشيخ وإخـوانه على حالة الدعـوة السرية والتخـفي والإفلات والتورية والتنقّـل هُنا وهُناك فمِنهم من اعتـقل ومنهم من حُكـم عليـه ومنهم من اُعـدم، ومنهم من بقى طليقاً لحـين ما شُنّـت الحـرب الظالمـة على بلاد الرافدين عام 2003.

جـهاده ...
بعد دخـول القوات الأمريكية أرض الرافـدين كان الشيـخ وإخوانه من أوائل من تهيّـئوا للمعـركة القادمة المُـرتقبة، فأعادوا الإتصالات فيما بينهم مُباشرة بعـد انتهاء الحرب بعـد انقطاعـها خلال فـترة الحـرب فجـمعـوا السلاح ونظموا الصفوف وعبّئوا شباب المساجد فحرّضوهم على قتال القوات الصليبيّـة من خلال الدعـوة، وبعـد نزول الإخوة الأنصار من كـردستان سارعوا بـبيـعـة أبي عبد الله الشافـعي (حفظه الله) فـكانوا من أوائل المجموعات التي بايعـت في العراق، فـقادوا المعـركة وقـاتلوا فيها وأثخـنوا في العدوّ أيُّما إثخان وكان الشيخ منصور - رحمه الله - من أبرز هـؤلاء.

عمـل الشيخ في الجماعـة ضمن الهيئة الشرعية آنذاك (ديوان الشرع والقضاء - حالياً) واستمر على ذلك حـتى قـدّر الله أن يقـع في أسر القوات الأمريكيّـة مع أخ، بعـد مُداهمة دارهم في بغـداد في شهر تمّوز عام 2004 ولكـن بفضل الله وحده ثم بذكاء الشيخ اُعـميت أبصارهم فاستطاع أن يمكُـر بهم، قال تعالى ((وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)) (الأنفال 30) ...
فما لبث في سجن أبو غـريب غير الشهـرين حتى خرج أسداً هصوراً أشد على العدوّ مما كان عليه من ذي قـبل.


بعد شُهـور قلائل من خـروج الشيخ من الأسر حـصلت البيعة (بيعـت أمير الاستشهاديين الزرقاوي رحمه الله لأسد الإسلام أسامة حـفظه الله) فـصار تنظيمُ القاعدة في بلاد الرافـدين، وعـلى اثر هذه البيعـة خـرج الشيـخ - رحمه الله - مُبايعـاً الشيخ أبا مصعب الزرقاوي - رحمه الله -
استمـرّ الشيخ مُقارعاً لأعداء الله تعالى في شتى مجالات القيادة والشرع كـالدعـوة والتحـريض لشهـورٍ عـديدة فـصار من أبرز المطلوبيـن والمُلاحـقين للقوّات الأمريكيّـة، حـتى قـرّر الإخـوة تصويـر الشيخ أبا مُصعب الزرقاوي (في الشريـط المرئيّ المشهور) بمنطقـة العـويسات القريبة من الفلّوجـة والمُقابلة لليوسفيّـة وقد نشر هذا الشريط المشهـور الذي وقع فـيـه الإختيار على الشيـخ منصور أبي بكـر - رحمه الله - لإجـراء المُقابـلة المرئية مع الشيخ الزرقاوي - رحمه الله - وتقديـمه على أنه قائد ميدانيّ في الأنبار فـكان أحـق بها وأهلها، كيف لا وهو الإمام والخـطيب .. ودكـتور الشريعـة .. وطالب العلم المُتقدّم؟! وقد رآه الجمـيع في الشـريط التاريخـيّ المشهـور لأمير الاستشهاديّين - كما أحسبه ولا أزكيه على الله -



الشيخ منصور المشهداني يتكلّم مع الأميـر أبو مصعـب
رحمهُما الله


إستشهـاده - كما أحسبـه - ...
استشهـد الشيـخ رحمـه الله في مدينـة اليوسفيّـة في شهـر حُزيران من عام 2006 للميلاد
ومُخـتصر الحَدَث أنه في أحـد الأيام استُشهـد اثنين من الإخـوة المُجاهدين في مدينـة اليوسفيّـة، فأبـى الشيـخ إلا أن يخـرج في تشييـع الشهيديـن ودفـنهم، فتمّ ذلك وأثناء العـودة كان مع الشيـخ في السيارة المسؤول العـسكري لليوسفيّـة وأحـد الإخـوة، أو .. هُو الذي كان معَـهما، وقدّر الله قَـدَراً أن يكـون الأخ المسؤول العـسكري مُتابعـاً مِن قبل القوّات الأمريكـيّة في ذلك الوقـت فسارعـوا (قاتلهم الله) بإرسال طائرة (لِــ عجزهم عن النزول أرضاً وأسرهم أو اغتيالهم في ذلك الوقـت) لاغتـيال الهـدف "الأخ العـسكري" فـتم القـصف بعـد المُناورة ومُحاولة الإخـوة الانسحاب والإخـتفاء عن العدوّ لكـن شاء الله أن تُصيبـهم عمليّـة القصـف فاستُشهـدوا الثلاثة - تقبّلهم الله - ، ونزل جـنود الصليب مُسرعـين وأخـذوا جُـثّـة الأخ العـسكريّ وشيئاً من جسد الشيخ ليفحـصـوا الحـمض النووي له بعـد أن أخـذوا صورة لوجـهه وهو مقـتـول ولم يعلـموا إلى الآن أنه الشيـخ منصور!!
بعـد ذلك غادرت القوات الصليبيّـة المنطقـة وسارع الإخـوة في اليوسفيّـة بأخذ جـثة الشيخ ودفـنها في مكان آمن، لكـن بعد مُدّة قـصيـرة جائت القوّات الأمريكيّـة مرّة أخـرى ليبحـثوا على جُثّـة الشيخ بعـد أن علمـوا أنه أبرز مطلوبيـهم "أبو بكـر منصور سليمان المشهداني" ولما لم يجـدوها كأن الجُـنون أصابهـم، فالحمد لله الذي أغاض باستشهاد الشيخ منصور الصليبيّـن بعـدما أغاضهُم الشيخُ في حـياته ... قال تعالى ((وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)) (الأنفال 30)


صـورة .. للشيخ الجليل في حـياته وأخرى بعـد مقتـله
نشَرتهما القوّات الأمريكية


بعـد أيّام أعـلن الناطـق باسم الجيـش الأمريكـي في العـراق على وسائل الإعلام أعلن عن مقتـل الشيخ، وقد ظهـر مُستبشراً وكأنّه حقق انتصاراً تاريخـياً من شدّة ما كان يُغـيضهم عمل الشيـخ، وعـرض فِـلمـاً مُصوّراً من الطائرة يُـبيّـن عـمليّـة القتـل ... أسأل الله أن يتقبّله ويُنزله منازل الفردوس الأعلى


رحـمك الله يا أبا بكـر
فـقد نِلـت مِن رؤوس المُخـنّثين أولاد الزّنا وربيبـي الفسق والمُجـون المُحاربين لله ورسولِه .. فـانتـصـرت
فـعـجـزوا عن النزال فـقصفـوك بالطائرات .. فاستُشـهِدْت
وبـأمِثالك فـليَقـتدي الشّـباب
فإمّا عِـزة في الحياة أو هِي في المماة .. وللعِــزّةِ في الإثـنين مُتّـسـعٌ لـمـن يُحِـبّ أن ينالها
والله غالبٌ على أمره


وصلّـى الله على نبيّـنا مُحمّد وعلى آله وصحـبه أجمـعـين

نـقَـلَها - إكراماً للشيـخ وإيفاءاً بحـقّه
أخـوكم العـبد الفقـيـــــر
المنـصور بالله


الجمعة
17 - ربيع الثاني - 1431 هجرية
2 - نيسان - 2010 ميلاديّة

No comments:

Post a Comment