Saturday, April 24, 2010

معاذ ومعوَّذ ابنا عفراء..

بسم الله الرحمن الرحيم
معاذ ومعوَّذ ابنا عفراء..
صدق رسول الله صلّی الله علیه وسلم
القائل: (ألا إنّ رحی الإسلام دائرة )،
والقائل: (بدأ الإسلام غریباً وسیعود غریباً کما بدأ؛ فطوبی للغرباء).
هي ذي الحقیقة في أَوْجِ وضوحِها وشدّة ظهورها: أنّه محالٌ أن تقوم للإسلام قائمة، حتی تنطلقَ من نفس النّقطة التي انطلق ةمنها سید خلْق الله، ونبي الملحمة والرحمة، ولیس ذلك فحسب، بل ونَدُورُ في نفس الدّ ائرة التي دار فیها مع الحقّ والعدْل، متحمِّلینَ غربةً عاشَها الصّدر الأول، ولا بد أن یقاسیها عَجُزُ الأمة
في زمان الفتحوقد بدت إرهاصاتُ هذا الفتح تلوحُ في الأفق منذ أمد ، وبد أت
أمّة الإسلام المعطاءة تُخرِّج کنوزها، وترف عُ صدى السیئة عن کاهلها، فتلتمع شخصیّة المسلم في أبهی صورة وأحلی حلَّة،کأنها قد خُبِّئت لیوم عرسٍ تُزَفُّ فیه، في صراعٍ وسباقٍ بین الحقّ والباطل بدا لأول وهلةٍ خاسراً في هذه البلاد کما في غیرها ،انطلقت فیه ذئاب الرّوم وفرسان العجم کالسّیل الجارف، وأبعدت في السّباق لیرقص أتباعهم نشوةً وسروراً، وهم یشربو ن کؤوس خمرهم فرحاً وحبوراً، ودَمَعَتْ أعین الموحدین وازداد بکاؤهم ودعاؤهم، وهم یعلمون أنهم ما راهنوا علی فارسهم الإسلامي إلا لأنّ الله أخبرهم أن العاقبة لهم وأن: {الْأَرْضَ یَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[الانبیاء: من الآیة ١٠٥
ثمّ... وفي لقطة تأریخیّة خاطفة سکت الجمیع وساد الصّمت،وألقی کفّار العجم وأتباعُهم کؤوس خمرهم، أو بالأحرى سقطت من أیدیهم، وتَحَجَّرت حَناجر مُغَنِّیْهم، وبَ دَت الفرحة والبسمة والأمل تعلو جباه وشفاه أولئك الموحّدین، وارتفع صوت حادِیْهِم، وبدأت التکبیرات ترتفع وتعلو، وفُوْجِئَ الجمیع بفرسان الإ سلام وقد استوى الرّکب مع العلوج، ثمّ بُهِت جمیع هم عندما أعْلَن حادي الجهاد عن میلادٍ طال انتظاره لدولة الإسلام في بلاد الرافدین.

بُهت کل کافر وحاسد، وفَرِحَ کل مسلمٍ موحد، وبدأت خیل الله تَشْتَدُّ وتسرع، وفي غمار هذا السباق والنّزال أطلَّ شابّان صغیران بلغا للتوِّ الحلُم، یتقدمان الرِّهان ویَسْبقان الفرسان قائلَیْن بلسان
الحال: "وعجلنا إلیك ربنا لترضی "، فکان : محمد وأحمد ابنا طَیْبة. أو کما یسمّیهما العبد الفقیر وغیره: "معاذ ومعوَّذ ابنا عفراء "؛ لأنّ رُحی الإسلام دارت فکان ولا بدَّ أن یشابهَ الخلَ فُ السّ لفَ، فجاءت الصّورة مطابقة سبحان الله، في کل حدودها وأشکالها ورموزها، وتغیّرت فقط الألوان بتغیر الزمان. فما قصّة هذین الرّجلین أو الغلامین؟ قصّةٌ في الحقیقة تُذکر، إنّها قصّة الرّجولة المبکّرة، والإخلاص والفروسیّة والشجاعة، سجیّةً وطبعاً وهِبةً ومِنْحةً، وإلا فما لصغیرین مثلهما أن یقوما بما سنذکر. نعم هما محمّد وأحمد ابنَيْ طیبة ، أخَوا نِ شقیق انِ من رحمٍ طاهرة، وأصلٍ طیّب من سلالة أسد الله، وأسد رسول الله خالد بن الولید رضي الله عنه، وحقاً ((من شابه أباه فما ظلم)).فما أن أدرك الغلاما ن معنی الجهاد ، حتّی تبلورت الأخلاقُ والآداب في سلوکهما، فکانا بحقّ نِعْم الغلامین أدباً وهدوءاً، سمعاً وطاعةً لوالدیهما، خدمةً وبرّاً لأمهما، وکل ما یمکن أن یوصف به من کان في مثل سنّهما، إلا أنّ الغلامین وفجأة ، بدءا یلحّ ان علی عملیة استشهادیة، فکان ال رّفض قاطعاً: (أنّکما لم تبلغا الحُلُم)، وبدأت الأیام ثقیلة بالنّسبة للأخوین، وما أن بلغ محمّد الحلم بأیام حتی سقط أسیراً في أیدي المرتدّ ین، فساموه العذاب ضرباً وسبّاً وشتم اً، فکان الغلام یقول لهم : (والله إن خرجت فسوف أنفّذ علیکم عملیّة استشهادیّة)، فکان من معه في المعتقل یُسکِتونه بصعوبة خوفاً علیه. وبالفعل خرج محمّد بعد عملیّةٍ لتبادل الأس رى قام بها أبوه البطل المجاهد "أبو محمد "، ولم لا ؛ فهو أحد أرکان دولة الإسلام وفرسانِها، وخرج محمّد فرِحاً بنعمة الحرّیة وشاکراً لله
ثم لأبیه هذا، قائلاً: (أبي إن من نعمة الله عليَّ أن أحسن الشکر وإنَّ خیر ما أشکر به ربي أن أجود بنفسي، وما کنت لأعود إلی السّجن بعد إذ نجاني الله منه وسوف أنفذ عملیة استشهادیة
علی المرتدین).
لکنّ أخاه الأصغر (أحمد) أصرَّ علی أن ینفّذ قبله، فقد سجّل في کتیبة الاستشهادیین، وله أکثر من شهرین ینتظرُ دوره، وبدأت المنافسة بین الأخوین، وأقبل الصّغیر العجیب أحمد علی الله بکاءً ونحیباً، فلا ینام من اللّیل إلا قلیلاً رجاء ال قَبول والحظ وة بالوصول، وطلباً لرضا ربه ورؤیته، ومجالسة نبیّ ه علیه الصلاة والسلام، مستغفراً الله من ذنب لم یعرفه ومن معصیةٍ لم تسلك سبیلاً إلیه، فهو لتّوه بلغ الرّشد (أربعة عشر عاماً ونصف)، وأقبل أحمد العجیب علی الله، وأکثر من الدّعاء والبکاء ، وکأن الولد یحمل من الذّنوب جبالا.
وبدأ الولد یرى من آیات رحمة الله ما یثبّت فؤاده ویُبکي والدیه، فکان في کلّ یوم تقریباً یرى الجنّة والحور ، وفوق ذلك یرى رسول الله صلی الله علیه وسلم، ثم یستیقظ لیصف رسو لَ الله
لوالدیه، کأنك تقرأ وصْفه في کتب السّلف، ویوماً ما وصفه أمام أحد إخوان أبیه فقال: (کانت لرسول الله شیبة )، فقال الرجل : (یا أحمد رسول الله لم یکن به شیبٌ کثیر، بل مات و ما في
رأسه إلا بضعة عشر شیبة)، فنام في الیوم الثاني حزیناً لأن ما رآه کما قال له عمه لیس رسول الله، فجاءه صلی الله علیه وسلم في منامه ونام في حجر أحمد، فأخذ أحمد یعدُّ ما في رسول
الله من الشّیب وهو نائم ثم لمّا استیقظ عجل لأبیه قائلا: (یا أبتِ والله لقد عددْت الیوم الشّیب في رسول الله ، فوجدته واحداً وعشرین شعرة بیضاء)، وسبحان الله! هذا ما علیه أکثر ومن
وصف رسول الله، وأنّی لغلام مثل أحمد بمعرفةٍ دقیق ةٍ کهذه برسول الله صلی الله علیه وسلم!.وفي لیلة من تلك اللّیالي جاءته حوریّة تختالُ عنده فتخلع القلوب وتطیر العقل من الرأس، فقال لها: (أنا کلّما أراك أحکي لأمّي عنك، ولکنها لا تصدقني لم لا تعطیني دلیلاً منك أریه لأمي)، فأخذت شعرةً من شعر رأسها وأعطتها له ثمّ وضعها هو في جیبه، وفي الصّباح سألته أمّه: (ها یا أحمد ، ماذا رأیتاللیلة؟)، فقال: (الشّعرة)، وأسرع إلی جیبه، لکنه لم یرها، فانکسر قلبه واشتدّ حزنه، وحکی لأمّه ما جرى في الرؤیا، فطیّبت نفسه وأشفقت علیه. وفي اللیلة التالیة رأى نفس الحوریة، وقال لها: (لقد أ عطیتني شعرةً من شعرك لکني لم أجدها )، فأخذت شعرة من شعر رأسها، وفي دلیل یخلع القلوب، نفخت فیها فطارت، وأراد أحمد أن یلتقطها، فقالت له: (دعها، ستجدها إن شاء الله في المصحف بسورة الکهف).
واستیقظ أحمد وکعادة أمه سألته ، فإذا به یقول : (المصحفةالمصحف)، وأخذت أمه واحداً وأبیهةوهو، وقال: (الشّعرة في سورة الکهف)، وفتح هو مصحفه فوجدها بین صفحات سورة الکهف ، نظرت إلیها أمّه والعجَب یملأ قلبها، وکذلك دُهش أبوه . فأخذ المصحف وذهب به إلی الأخ المسئول الشرعيّ في منطقته، یحکي له الرؤیا إلی أن وصل إلی قصة الشّعرة، فقال :
(ها هي الشّعرة إن کنت لا تصدق)، وفتح المصحف لیریه إیاها ، لکنه فوجئ ودون سابقة إنذار بریحٍ هبت وطارت بالشعرة من المصحف، فلم یرها الأخ الشرعيّ. ولمّا حکی لنا أبوه الرؤیا تعجبنا منها حتی وصل إلی قصّة الریح والشعرة، فقال رجلٌ مفضالٌ کان معنا: (سبحان الله، أتدري یا
أبا محمد لماذا أخذت الرّیح شعرة عروس ابنك ، لأنّه لا یحلّ لصاحبك أن یراها ویحلّ ذلك لك، فما کان لك أن تهتِ ك ستر عروس ابنك، وحفظ الله شعرها أن یراه غیرُ ذي مَحرم). وصف أحمد الجنة کما رآها في المنام وصفا عجیباً، فکان مما وصف أنه دخل بیتاً عبارة عن درّة من ذهب، لیس له باب، فقیل له: أدخل یا أحمد، فقال: من أین أ دخل ؟، قیل له : سمّ الله وادخل. فوضع یده علی القبة فانفتح فیها باب ودخل ، وقال : (کلما أردت أن أدخل أو أخرج من مکان، فقط أضع یدي علی
المکان فینفتح فیه باب)، وقال: (رأیت یا أبت عجباً ف ي الجنّة، رأیت نهرین من حلیب وخمر، لکن العجب أ نهم ا لیس لهما ضفاف، بل تجري علی سطح الأرض ولا تنساب یمینا ولا یسارا)، وقال: (کلما جيء لنا بطعام في الجنّة یکون من الطّیر فإذا أکلنا جاء اللّحم فدعا العظمَ ثم الرّیشَ، ثم تطیر مرّة أخرى!). وکان من أکثر ما أثار العجب فیما روى هذا الفتی، أنه رأى یوماً رؤیا عظیمة، فیها وصفٌ لعرش الرّحمن، وهو یقیناً - وأنا أعرفه وأعرف أباه - لا یعرف شیئاً عن هکذا مواضیع فوصَف أحمد العرش بعدما طار إلیه هو والشیخ أبو مصعب والأخ یحیی أبو الحسن الشّرعي، المذکورة قصّته سابقاً في سیر أع لام الشهداء ، وبرهان علی صدق الرّؤیا کان معهم أخ رابع کنیته "أبو أحمد "، لا یعرف الفتی ولا أبوه أو المقربون منهما اس مَه الحقیق يّ قطّ ، رآه صاحبنا معهم باسمه الحقیقيّ وکنیته، حتی عندما ذکر أبوه الرؤیا لأبي أحمد، تعجّب الرّجل وقال: (سبحان الله! أسألك بالله هل تعلم اسمي قبلا؟!)، قال: (والله الذي لا إله إلا هو لا أعلمه)، وکذلك ولده أقسم علی ذلك، فعلم الجمیع أنها رؤیا صدق إن شاءالله.
رأى أحمد أنه طار ومن معه، ومع کل واحد منهم اثن ت ا عشر حوریة، قال: (فطِرنا إلی أن وصلنا إلی مسافةٍ عند إحدى قوائم العرش ولم نصل الی منتهاه، فقیل لنا: نطیرُ إلی القائمة الأخرى فطِرنا مسافة طویلة)؛ یقول : (قدّرتها أنا بنحو ستّ ساعات لکن من غیر تعب ولا نصب)، قال : (فقیل لنا نطیر إلی أعلی)، قال : (فطرنا زمناً طویلاً من غیر تعب، حتی وصلنا إلی یاقوتةٍ زرقاء کبیرةٍ جداً وعلیها کتابة. أوّل من قرأ ما علیها الشّیخُ أبو مصعب، فما أن قرأها حتی أُغميَ علیه، وهکذا کلّ من یقرأ یُغمی علیه)، وقال: (وأنا أنظر ولا أعرف ما هو مکتوب، وماذا حدث لهم حتی جاء عليَّ الدور، فإذا مکتوبٌ علیها "عرش الرّحمن")، قال: (فما أن انتهیت من قراءتها حتّی أغمي عليَّ، فجاءت الحور فأیقظتني، ثمّ أیقظت من معي، وقیل لنا هیا نطیرُ إلی أعلی )،
وإلی هنا أعتذر عن الاستمرار، فما ینبغي لمثلي أن یعدو قدره ویحکي هکذا رؤیا، وإني أتهیّب ما زاد علی هذا الحدّ، فلیعذرني إخواني، ولیدعوا لأحمدَ بالعلوّ والرّفعة. دخل علینا رمضان ١٤٢٨ للهجرة، وفي السابع والعشرین منه، تقدم محمّد نحیلُ الجسم عظیمُ الاطمئنان، بشاحنة مملوءة
بالمتفجرات، إلی وکرٍ من أوکار الردّة، ومنطقة لم یسْبق أن فُجّر فیها، أو نُفِّذت فیها عملیة استشهادیّة، فأحالت مرکز الشّرطة والردّة إلی أثرٍ بعد عیْن، وکسرَ الله المرتدّین في هذا المکان،
وبعد ساعات من ذلك تقدّم البطل أحمد إلی مبنیً ووکرٍ من أوکار الردّة آخر، فکبّر وفجّر نفسه وحصد أکثر من ست وعشرین مرتداً فالله أکبر وله الحمد حمداً کثیرا. ولا نقول لأمّهما (طیبة) إلا أن اصبري واحتسبي الأجر والثواب، وعلمتُ أنها طلبت هي الأخرى عملیّة استشهادیّة، إلا أن القائمین بالأمر لم یوافقوا علی الطّلب، لأنّ النّساء یُمنعن إلا في ظروف ضیّقة جداً، حیث یتعذّر علی الرجال القیام بمثل هذه العملیات... وفي طیبة وعزاءً لها، کتبت بعض مشاعري ولا أدّعي أنها شعر فقلت:
أمّ الشهید بلِّغ سلامي للعفیفةِ طیبة
أبکتْ عیوني بالمکارم جوداً
تبغي الثّواب من الکریم جزی لاً
أکرِمْ بها من حرّةٍ وحسیبة
هل بعد نفسِ رضیعها فتطیبه
ترجو دواماً للحیاة بطِیبة
کانت تحب صغیرها فتذاکرا
قالت بنيّ إلی الجنان ترفرف
أسرع بنيّ إلی المعالي شامخاً
أکرم أباك فلا یراك في الشّقا
فمضی الصغیر کالشمسٍ مشرقة
کیف الفِراق ولا فراق نُصیبه
تلك الدیار ودونها ف مُصیبة
إني وراءك فالحیاة عصیبة
وأخلص لربك بالرجاء تجیبه
قالا وداعاً فالجنان رغیبة
وفي ختام قصتي هذه یبقی السؤال: هل قُتِل محمد وأحمد ابني طیبة وإخوانهما تحت رایة عمیّة باطلة کما یدّعون؟..
وهل مثل محمد وأحمد منتحرین في جهنّم، کما یدعي علماء السلاطین أو الشیاطین...!
وهل ستذهب هذه الدّماء سدى، أو یخزیها الله ویخزى حملة الرایة بعدها..؟!
وفي ختام مقالتي هذ ه أسأل الله أن لا یحرمني أجر ولَديّ محمد وأحمد، فقد بلغني أنهما کانا سعیدین بأني کنتُ یوماً ما أدرّسهما القرآن، وأسأله أن لا یخیّب ظنّهما بعمّهما، ولا یفتني بعدهما، وأن یحشرني وإیّاهما في مقعد صدق عند ملیك مقتدر.
وکتبه
أبو إسماعیل المهاجر

No comments:

Post a Comment