Wednesday, April 28, 2010

عراق دون قاعدة مقال لأبو الفضل ماضي

عراق دون قاعدة
مع استشهاد أمير الدولة أبي عمر البغدادي ووزير دفاعه أبي حمزة المهاجر، في ملحمة جهادية عزّ نظيرها، بدأت قبل أربع سنوات تقريباً، إثر استشهاد الأسد المقدام أبي مصعب الزرقاوي رحمه الله، يكون مجاهدو العراق قد ضربوا أروع الأمثلة، في الصبر والمصابرة، والجَلَد والمجالدة، والحنكة والدهاء، والقدرة والاحتراف، فهم دوّخوا جحافل الأعداء، من أمريكيين وعملاء، واستنزفوا خزائن واشنطن والمنطقة الخضراء، وصمدوا صمود الجبال الشوامخ، رغم ما انقلب في الميدان وتقلّب، وما تكسّر من نصال على نصال من ذوي القربى قبل الأغيار.
ولن تكون موقعة الثرثار نهاية المطاف، فأرض العراق خصبةٌ بالرجال، وقاعدة الجهاد ولّادة قادة، كلما قضى منهم واحد، رُمي الأعداء بما هو أدهى وأشدّ بإذن الله..
على أن ما حدث- وهو جليل بكل المقاييس- يوشك أن يفتتح صفحة جديدة من الجهاد، قبيل الانسحاب الأمريكي الجزئي، خلال أشهر أربعة، كما يعيد عقارب الساعة إلى الوراء سبع سنوات كاملة، ليضع أهل السنة مرة جديدة، أمام التحدي والفرصة معاً.
فأما التحدي المستمر منذ الغزو الصليبي الرافضي عام 2003، فهو أن يكونوا سادة أنفسهم في عراق مجاهد، أو أو يرتضوا مكانة الأتباع لدى عبيد إيران.
وأما الفرصة الجديدة، بعد ضياع الواحدة تلو الأخرى، فهي أن يتلقفوا مشروع الدولة الإسلامية الآن فلا يُفلتوه أبداً حتى تحقيق النصر النهائي، فهي الخيار الذي ما بعده سوى الهوان والذلّ في السجون السرية الرافضية، التي لا يُغلق منها واحد حتى يُفتتح آخر، في سلسلة متوالية من الحقد الذي لا ينضب.
تساؤلات:
ونسأل: هل ثمة بديل من الجهاد في العراق كما في سواه؟
وما شكل العراق من دون قاعدة الجهاد؟
بل هو ما مصير الخليج وما وراءه؟
لكن لا بد أولاً، من لحاظ البرودة التي تعاملت معها وسائل الإعلام والأوساط السياسية والاستراتيجية، مع واقعة الثرثار، بالمقارنة مع الضجيج الهائل الذي أعقب استهداف أبي مصعب الزرقاوي رحمه الله عام 2006.
وثانياً، لم يصدّق الأعداء أنهم قد نالوا فعلاً من القائدين، رغم تأكيد نائب أوباما، جوزف بايدن للنبأ في مؤتمر صحافي رسمي، إلى أن صدر بيان الدولة، وهذا يدل على أمور شتى:
منها اختلاف الظرف واستطراداً اختلاف الأثر، ومنها تباين الهيكيلية الجهادية عما كانت عليه، بعد ميلها نحو التنظيم المؤسسي، ومنها اقتناع راسخ لدى هؤلاء، بأن المجاهدين لن يهزّهم الحدث كما يأملون، بل ستستمر المسيرة، كما استمرت من قبل، بل يمكن أن تتصاعد قوة وتنظيماً، كما حدث بعد غياب القيادة الفذة للزرقاوي، ومنها أيضاً أنه بسبب إحكام الإجراءات الأمنية التي اعتمدها مجاهدو الدولة، فقد ظل الشك قائماً في نفوس الأعداء، فيما لو كانت الأسماء والصور غير متطابقة أو أن الشخصيات وهمية أصلاً، دون إغفال المصداقية التي تتسم بها بيانات الدولة، فكأن الخبر اليقين لا يصدر إلا عن أصحابه، وهو كذلك.
قراءات:
أما قراءة الحدث وما وراءه فتحتمل مسارات مفتوحة ومعالجات مرنة، لا سيما أن الاستشهاد جاء في خضم مبادرة نوعية للمّ الشمل ورصّ الصفوف، فالطرح يظل قائماً كما هو، وهو ملائم لما بعد كما كان مناسباً لما قبل، إذ هو يضع آلية محددة لحسم النزاعات وتوحيد القوى، وعلى أصحاب الشأن أن يتعاملوا مع المبادرة كما لو كان صاحبها حياً يُرزق، ما دامت الدولة ومؤسساتها ملتزمة إياها، مع التوكيد هنا أن خيار الجهاد العالمي هو الرقم الأصعب في الساحة السنية العراقية، ولن يستطيع أحد أن يتجاوزه مهما حاول أو توهّم:
-فهذا الخيار يستند إلى مقوّمات أمة شاسعة الأطراف وكبيرة الموارد، ولا يقرّ الحدود المصطنعة بين المسلمين، ما يتيح تجديد الطاقات والكفاءات بسهولة أكبر، مما لو كان الصراع محصوراً في حدود العراق أو بإمكانيات أهل السنة فيه، فحدوده مفتوحة وإمكانيات النصر الحقيقي فيه متاحة أكثر، ولو أن هذا النصر، يُخيف بعض الفصائل بسبب آثاره الجذرية على المنطقة كلها، على أن الفزع من العواقب المحتملة آنذاك غير مبرّر، فلماذا يخشى الغاطس في البحر من البلَل؟
-أما خيار المقاومة الوطنية فيفترض حتماً الارتباط بقوى خارجية لتأمين الملاذ والدعم اللوجيستي والإعلامي والسياسي. وفي حالة العراق، فإن فصائل المقاومة مضطرة - أو هي مختارة – للتعامل مع الأنظمة العربية التابعة لواشنطن والخاضعة لإسرائيل سراً أو علناً، ما يجعل حدود المصالح الممكن تحصيلها، من ضمن الأسقُف الموضوعة من الأعداء وعملائهم، منخفضة جداً، وجلّ ما سيضمن "المقاومون" لأنفسهم هو مكان متواضع في العراق الجديد (الرافضي)، مع تقديم التعهدات المغلظة بعدم العودة مجدداً إلى ممارسة العنف، ويبقى سيف الملاحقة فوق الرقاب على مدى الحياة.
مراجعات:
كما أن الحدث يعيد النظر مجدداً في مآلات الغزو وتوقعات ما بعد الانسحاب الأمريكي، ومن يملأ الفراغ.
ففي مراجعة أمريكية لم تعد نادرة منذ فترة، (بعد يومين من استشهاد القائدين)، يقرأ الخبير الاستراتيجي الأمريكي جورج فريدمان[1] تجربة الغزو وما كانت تتوقعه إدارة بوش الابن، وما استجدّ من عوامل خفية، ليس أقلها اختلال التوازن بين العراق وإيران، بل في منطقة الخليج، حتى ليبدو وكأن فريدمان يستشرف مرحلة ما بعد البغدادي دون ذكره أو إيراد قاعدة الجهاد، فتبدو إدارة أوباما وسط خيارات محدودة أحلاها مرّ.
فيقول ما يلي:
-لقد بقي الاستقرار الإقليمي مستنداً حتى عام 2003، على التوازن العراقي الإيراني، لذلك حين قررت الولايات المتحدة غزو العراق، افترضت بأن بمقدورها هزم النظام بسرعة وتكوين حكومة موالية لها، والحفاظ على جيش متماسك قادر على التوازن مع إيران.
-مع سقوط الفرضية المشار إليها، إثر انجرار الأمريكيين إلى مسار اجتثاث البعث الذي أضرّ بالسنة وأفاد إيران وعملاءها، أضحى على واشنطن مهمتان: الأولى حفظ الاستقرار أي مواجهة التمرد السني المتعاظم، والثانية موازنة النفوذ الإيراني بتشكيل حكومة شيعية موالية لها، لكن الاثنتين كانتا متناقضتين في مآلهما، فكلما حقق الأمريكيون نجاحاً في المهمة الأولى، كان النفوذ الإيراني يقوى من خلال تشكيلات الدولة الجديدة ومؤسساتها المنقادة لعملائها المعروفين، أي بعكس أهداف المهمة الثانية!
-وعليه، تحوّلت الحرب القصيرة المفترضة إلى حرب طويلة غير متوقعة وغير مرغوب بها، حتى لم يعد بمقدور الأمريكيين الانسحاب دون الإخلال بالتوازن الإقليمي لمصلحة إيران. فمن دون الوجود الأمريكي المباشر، تصبح إيران سيدة الخليج بلا منازع، حيث بإمكانها الحصول على المصالح والامتيازات دون الحاجة إلى القيام باجتياحات عسكرية. وتظل المشكلة قائمة حتى لو حُلّ المشكل النووي الإيراني مع الغرب، فالقضية هي في التوازن التقليدي المختلّ!
-والآن، تنوي واشنطن سحب كل وحداتها القتالية من العراق هذا الصيف، وفق الاتفاق المبرم عام 2008، أيام بوش الابن، فلا يبقى سوى 50 ألف جندي لعام آخر. والأمريكيون مضطرون لسحب قواتهم بسبب الحاجة الملحة إليها في أفغانستان، ولأن الجيش الأمريكي المنهك بعد حربي استنزاف في أفغانستان والعراق، لم يعد يملك قوى برية احتياطية للتعامل مع أي تهديد آخر في العالم.
-لكن، ورغم جهود التدريب المكثف التي تتولاه واشنطن للجيش والشرطة، فإن احتمالات نشوء الحكومة القوية والموحدة، تظل من قبيل الأماني، خصوصاً مع تعدد الولاءات المذهبية والعرقية والمناطقية. وعليه، فإن تفجر الصراع مجدداً بعد الانسحاب الأمريكي سوف يطيح بكل الجهود السابقة، وسيقع الفراغ الذي تتسلل منه إيران لفرض نفوذها بالواسطة.
سيناريوهات:
وهنا يفترض فريدمان أن يكون لإدارة أوباما خطة بديلة في العراق، تتضمن وقفاً فورياً للانسحابات، لكن السؤال حينئذ هو هل تأخير الانسحاب لأشهر ثلاثة أو لسنة، كافٍ لبناء الدولة المنشودة حفاظاً على التوازن مع إيران؟
لقد بات الأمريكيون بعد إسقاط النظام السابق واستعداء السنة وتهميشهم، هم القوة الضرورية اللازمة لموازنة إيران في المنطقة وردعها، بحسب فريدمان. وإذا ما انسحبت الوحدات القتالية بافتراض أن إيران لن تجرؤ على تحدي القوة الباقية، فمن يضمن أن لا تحرك عملاءها في العراق، فتكون القوات الأمريكية عاجزة عن احتواء الموقف وفاقدة لقوة الردع؟
لكن خيار وقف الانسحاب بالمطلق لا يجعل الموقف أسهل بالنسبة للجيش الأمريكي، ما يطرح إمكانية التفاوض مع إيران، وهو مرفوض أمريكياً من موقع ضعف.
وهنا تبرز إمكانية توجيه ضربة تأديبية لإيران، تتوجه خاصة إلى المنشآت النووية، لكن ثمة احتمالان: الأول أن تفشل الضربة في تحقيق الأهداف، والثاني أنه حتى لو نجحت الضربة في الحدّ من القدرات النووية الإيرانية، فإن المشكلة تبقى في قدراتها العسكرية التقليدية التي باتت تفوق قدرات العراق والخليج.
وفي الخلاصة، فإن الانسحاب الأمريكي مرهون بالقدرة على بناء مؤسسات الدولة وترسخ مفهوم الولاء لها لا للطائفة، فإن تبين عكس ذلك، فإن الأمريكيين سيوقفون إجرءات الانسحاب، بل قد يزيدون من حجم قواتهم كي تعيد إيران حسابتها. وإن على إدارة أوباما في نهاية التحليل كما يفترض فريدمان، أن تغيّر استراتجيتها في المنطقة بدءاً من إيران، وقد تكون مضطرة لاتخاذ أول قرار صعب من نوعه، (فيما يبدو أنه الحرب الشاملة على طريقة بوش الابن أو صفقة مع إيران لتقاسم المصالح في المنطقة)..
احتمالات:
وكان فريدمان نفسه، وفي تحليل جيوبوليتكي آخر[2]، قبل شهرين تقريباً، قد افترض إمكانية عقد صفقة مصالح بين أمريكا وإيران تقوم على الأسس التالية:
-إن على واشنطن إيجاد طريقة لموازنة إيران دون البقاء في العراق إلى أجل غير مسمى، ودون توقع نشوء قوة عراقية موازنة لأن إيران لن تسمح بذلك.
-إن حصر تشخيص مشكلة إيران في الملف النووي، هو تشخيص عقيم، ولا فائدة منه، بل يمكن التعايش مع إيران نووية كما تعايشت أمريكا سابقاً مع صين نووية.
-إن أمريكا في حرب مع بعض العالم السني والذي هو أيضاً عدو إيران.
-إن إيران لا تريد بقاء القوات الأمريكية على حدودها الشرقية والغربية، وكذلك واشنطن.
-إن أمريكا لا تريد أن ينقطع تدفق النفط وكذلك إيران.
-وأخيراً، تعتبر طهران أن الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة التي تمثل تهديداً وجودياً لها، فإذا حلّت مشكلتها مع أمريكا ضمنت استمرار النظام، وبالمقابل، على واشنطن أن تدرك أن انبعاث العراق كقوة إقليمية كما كان في السابق ليس احتمالاً مطروحاً، فإما البقاء في العراق دون أجل محدد، وإما القبول بدور إيران في المنطقة دون ضوابط.
وعلى هذا، فإن التعامل مع نتائج الغزو عام 2003، يكشف وجود ثلاث مساحات مشتركة بين إيران وأمريكا:
أولاً، يخوض الطرفان صراعاً مع الإسلام السني.
ثانياً، يريد الطرفان تخفيض عدد القوات الأمريكية في المنطقة لمصالح مختلفة.
ثالثاً، يرغب الطرفان في استمرار تدفق النفط في الخليج ولمصالح مختلفة أيضاً.
وطبقاً، لما هو مشترك بين إيران وأمريكا، يمكن عقد صفقة بينهما، تتجاوز الدول العربية السنية، وسنة العراق ضمناً. أما إذا حاولت إيران اجتياح الدول المنتجة للنفط فسترد الولايات المتحدة بسرعة وحزم، لكنها لن تقف أمام النفوذ الإيراني غير المباشر في المنطقة، من الإسهامات الإيرانية المالية في مشاريع المنطقة، وصولاً إلى أدوار أكبر للشيعة في الدول العربية.
وأخيراً، قد تعني هذه الصفقة المحتملة التخلي عن الدول العربية، وقد تُغضب تركيا، وإذا كانت أمريكا لا تبالي بالعرب، فإنها ستستفيد من الغضب التركي إيجابياً، عندما ستحاول أنقرة منافسة إيران في العراق، ووضع حدود لنفوذها.
خاتمة:
بناء على ما سبق، يتبين أن أهل السنة في العراق مخطئون إن اعتقدوا أن أمريكا ستعيدهم قوةً توازِن النفوذ الإيراني كما كان الحال أيام صدام حسين. وإن أفضل ما يمكنهم الحصول عليه من واشنطن هو وعد بتحسين ظروفهم المعيشية والأمنية، وتطوير مشاركتهم في النظام السياسية، على أن يبقوا تحت المظلة الشيعية المهيمنة، مثلهم في ذلك كمثل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، الذين يتنفسون الهواء الذي تمدهم به إسرائيل!
وإن غياب قاعدة الجهاد في العراق، لن يعني سوى توسع الفراغ الذي لن يملأه إلا النفوذ الإيراني، جهاراً أو مقنعاً. فوراء الميليشيات والأحزاب الشيعية تقف دولة إقليمية كبرى هي إيران، فيما لن يجد أهل السنة في دول المنطقة من هو راغب أو قادر على تقديم الدعم اللازم لاستعادة التوازن مع الرافضة العراقيين فقط.
بل إن الخليج دون القاعدة سيكون حقلاً مستباحاً لإيران وأشياعهم، وإن الرهان على ضربة أمريكية تعيد التوازن هو ضرب من القمار، فلو وقع ما يشتهي عرب أمريكا، فلن تكون ضربة قاصمة، بعدما باتت واشنطن تخشى الفراغ في أي مكان، فكيف إذا كان حول آبار النفط؟




1- George Friedman, Baghdad Politics and the U.S.-Iranian Balance, April 20, 2010, STRATFOR.



2- George Friedman, Thinking About the Unthinkable: A U.S.-Iranian Deal, March 1, 2010, STRATFOR

No comments:

Post a Comment