Saturday, April 10, 2010

لفتح الإسلامي لشمال إفرقيا بين الحقائق والأباطيل

الفتح الأسلامى لشمال افرقيا بين الحقائق والاباطيل
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وكفى بالله شهيدا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارا به وتوحيدا ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما مزيدا.
أما بعد:
إن كانت ذاكراتنا معرضة للنسيان ، فصفحات التاريخ لا تنسى ، و حتى إن أرادت أن تنسى فحتما لن تنسى بطولات الرجال و صولات و جولات العظام الذين نحتوابأعمالهم العظيمة أسماءهم على صفحات التاريخ ، فيأبى القلم المؤرخ أن يمر على ملاحمهم مرور الكرام ، بل ينحني صاغرا راضخا أمام شموخهم وعزهم ، و يعجز عن إعطائهم حقهم و وضعهم في مكانهم الطبيعي الصحيح ،بالرغم من تزوير و تشويه الحقائق التى يقوم بها المجرمين ،
فترة ، ومرحلة...، وعصر لا يمكن لأحد ان يتجاوزه و هو يدرس أهم نقط التحول في تاريخ الأمم ، بل لا نبالغ إن قلنا أنها نقطة إنعطاف مميزة في التاريخ لأمتنا المسلمة التى لها أمجادها ، و لها أفقها المشرق (أما الحاضر فليس هذا مقامه) بإذن الله.
إخترنا لكم أيها الاحبة في الله سبحانه جل و علا ، موضوعا عن فترة الفتوحات الإسلامية في إفريقيا ، و خاصة شمالها ، أو المنطقة التي كانت تعرف ب"تمازغا" (أي بلاد الامازيغ) ، لما لهذه المنطقة الحيوية و الإستراتيجية من أهمية في المشروع الإسلامي الموفق بإذن الله تعالى ، و لنا في التاريخ عبرة ، و ما فتح الأندلس عنا ببعيد ، و ما طارق بن زياد و يوسف بن تاشفين (على سبيل الذكر و ليس الحصر) الامازغيين لأسطع دليل ، و كذلك لسبب آخر و لا يقل اهمية عن الاول و هو التزوير و التشويه الذي تعرضت له هذه الفترة من طرف بعض المأجورين أصحاب الضغينة و الحقد على ديننا الحنيف ،
فالاسلام العظيم دين رب العالمين يهدف أول ما يهدف إلى إصلاح البشرية ولن يتحقق ذلك إلا بأن يسود الاسلام الارض حيث يكون الحكم لله أما بالنسبة للافراد فيتركوا أحرارا فى إختيار الدين الذى يريدونه وهذا كله تحت مظلة الاسلام أى حكم الله
لقد قسمنا موضوع الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا إلى ثلاثة أقسام حيث نقرأ في القسم الأول التعريف بالموقع الجغرافي والخصائص الطبيعية والاجتماعية والدينيةللمنطقة ، وخصصنا القسم الثاني للحديث عن الصبغة الحربية للفتح الإسلامي في الشمال الأفريقي حسب الرؤية الغربية والاستشراقية ، وجعلنا القسم الثالث للحديث عن الفتح الإسلامي للشمال الأفريقي ،
تمهـــيـــد
درج بعض الباحثين الغربيين على تصور خاطئ ينتقد الإسلام وينتقصه ويصف حضارته بأنها حضارة همجية بربرية اتخذت العنف وسيلة لتمرير رسالتها وإخضاع مخالفيها ، وهذا التصور من الناحية التاريخية والموضوعية بعيد كل البعد عن حقيقة الحضارة الإسلامية ، فهو تصور وصفي شمولي نمطي فرضته بعض المذاهب الفكرية الغربية التي اتخذت من الإسلام موقفا مسبقا مهد لما يسمى بالتصور النمطي الغربي للإسلام الذي يخالف حقائق التاريخ والجغرافيا وحقائق الاجتماع.

من جملة ما انطوى عليه التصور الغربي الحاقد على الإسلام ، تلك الحملات الفكرية التي استهدفت فترة ذهبية من فترات الإسلام وهي فترة الفتوحات الإسلامية ،التي يدعي بعض الباحثين الغربيين بأنها لم تكن فتحا حقيقيا بل كانت أشبه بالغزو المنظم والموجه ، ومن الفتوحات الإسلامية التي تعرضت للتشويه تلك التي كانت موجهة لإفريقيا ، حيث يزعم بعض المؤرخين الغربيين والمستشرقين أن أفريقيا أصيبت في تلك المرحلة بما يسمى السرطان الإسلامي الذي ظهر في أرضها وامتد خلالها حتى استولى على حضارتها السابقة .

إن تصوير الفتوحات الإسلامية في إفريقيا بأنها عملية غزو منظم وأنها مظهر من مظاهر الاستغلال الديني ، تصوير لا وجود له إلا في الخيال الكاذب لبعض المفكرين الغربيين ،لأن الحقائق التاريخية ترفض هذا جملة وتفصيلا ، فإذا كان دين هؤلاء المفكرين أن يتخذوا من الفتوحات الإسلامية في أفريقيا مادة للطعن في الإسلام فإن هذا يحتم على الباحثين المسلمين أن يبينوا مغالطاتهم ويبينوا في المقابل الصورة المشرقة للفتح الإسلامي سواء في إفريقيا أو في غيرها فهناك فرق كبير بين جهاد لتحطيم النظم الجاهلية التى تستعبد البشر حتى يختاروا الدين الذين يؤمنون به عن حرية وقناعة تامة وبين إكراه الناس على الاسلام ، فالاسلام يفرق فى التعامل بين الانظمة الجاهلية وبين الافراد ، الاولى يجاهدها حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله والثانية بالنسبة للافراد لا إكراه فى الدين .


الشمال الأفريقي : الموقع الجغرافي

والخصائص الطبيعية والاجتماعية والدينية

يعني بشمال إفريقيا المنطقة المربعة الشكل من الأراضي المرتفعة الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط في الشمال والصحراء الكبرى في الجنوب وخليجي سرت شرقا والمحيط الأطلسي غربا وطرابلس وبرقة وواحة سيوة ،وكذلك كل الصحراء الكبرى في الجنوب. وشمال أفريقيا هي المنطقة التي كان سكانها الأقدمون- وهم الامازيغ- يتكلمون ولا يزالون يتكلمون في بعض النواحي هنا وهناك لغة مشتركة ذات لهجات عديدة يطلق عليها اليوم اسم اللغةالامازيغية ، وهذه المنطقة أو بعض أجزائها هي التي كان اليونان يطلقون غليها اسم ليبيا و تمتد من مصر إلى المحيط الأطلسي وكان للرومان فيها ولايات أفريقية ونوميديا وموريتانيا.

لقد كانت منطقة الشمال الأفريقي تسمى في الاستعمال العربي القديم جزيرة المغرب أو المغرب أي بلاد الغرب ، وللشمال الأفريقي كما يذكر المؤرخون خصائص طبيعية واجتماعية ودينية تميزها عن غيرها من بلاد الدنيا ، ويمكن تلخيصها على النحو الآتي :

أولا : الخصائص الطبيعية
تتميز منطقة الشمال الأفريقي بانعزالها عن بقية العالم بموقعها –الذي تزيده عزلة سواحلها الوعرة- يضاف إلى ذلك انقسامها بحواجز داخلية ناشئة عن ترتيب خاص للمرتفعات وسلاسل الجبال مما يجعل المواصلات صعبة من الشمال إلى الجنوب وفي أحيان كثيرة من الشرق إلى الغرب أيضا.

افتقار الشمال الأفريقي إلى الوحدة الجغرافية وإلى توزيع معقول لمختلف المناطق حول مركز اجتذاب ، وانعدام مجاري المياه الكبرى القابلة للملاحة فكل هذه الخصائص الطبيعية جعلت العلاقات بين السكان في الشمال الأفريقي صعبة وأسهمت في تجزئة المنطقة وتجزئة السلطة السياسية و الإدارية.

ثانيا : الخصائص الاجتماعية

أهم ما يميز منطقة الشمال الأفريقي من الناحية الاجتماعية –وذلك بحسب الدراسات الاجتماعية القديمة والحديثة - ، هو أن العزلة الطبيعية التي أشرت إليها أسهمت في حدوث العزلة الاجتماعية وافتقاد التواصل بين التجمعات السكانية المختلفة، بل إن الظروف الطبيعية الصعبة التي يعيشها سكان الشمال الأفريقي أسهمت في نشوب صراعات اجتماعية كثيرة ومن الغريب أن آثار هذا الصراع ما زالت قائمة إلى اليوم رغم ضعف حدتها في العصر ، إذ مسته في ذلك بعض آثار الثورة الاقتصادية العالمية التي اجتاحت العالم ولو بنسبة قليلة غير كافية مقارنة بالعالم المتمدن.

ثالثا : الخصائص الدينية

إنّ التنافر الطبيعي والتنافر الاجتماعي في الشمال الإفريقي أوجدا تنافرا من قبيل آخر وهو التنافر الديني ، ولقد عمل الإسلام على امتداد وجوده في الشمال الأفريقي على توحيد شعوب هذه المنطقة ، وهي حقيقة تاريخية لا مناص من الاعتراف بها ، يقول ألفرد بل :"...والإسلام نفسه – الذي ربما كان على طول التطور التاريخي لهذه البلاد- أهم عامل في توحيد شعوب الشمال الإفريقي وذلك بتقديمه لهم عقيدة دينية مشتركة وتشريعا مدنيا واحدا لم يستطع رغم ذلك أن يصب كل جماعاتهم في كتلة متجانسة ، ولا يزال يحدث حتى اليوم أن تنبذ بعض الجماعات البربرية المسلمة الشريعة الإسلامية المدنية وتحتفظ بقانونها العرفي القديم وغالبية هؤلاء البربر أضافوا

في ميدان الدين شيئا من الإسلام متفاوت المقدار إلى المعتقدات القديمة والأعراف السحرية الدينية التي ورثوها عن أجدادهم البعيدين".
إن كلام( ألفرد بل) عن الإسلام من حيث هو عامل توحيد لشعوب الشمال الأفريقي ،قد تخلله كثير من الدس والغلو الفكري والديني ، الناتج عن قلة اطلاع بطبيعة الشريعة الإسلامية ، فالإسلام لا يريد إيجاد كتلة بشرية متجانسة وإنما كتلة بشرية متنوعة تتنوع في ميولاتها الفكرية مع الإبقاء على الرباط الجامع والحبل الواصل بينها جميعا، وهي بلا شك عرى الإسلام المتمثلة في أحكامه التشريعية والعقيدية ، ويفهم في هذا السياق من كلام (ألفرد بل) أنه ربما يحمل(بتشديد الميم )الإسلام مسؤولية بعض الارتدادات الدينية التي حدثت في الشمال الأفريقي والتي ترجع حسبه إلى عدم قدرة شريعة الإسلام على احتواء المظاهر الد ينية المتنافرة ،وهذا التصور يعتريه قصور ظاهر ،ذلك أن نبذ بعض الجماعات البربرية كما سماها (ألفرد بل) للشريعة الإسلامية لم يكن بسبب قصور هذه الشريعة ولكن بسبب بعض الإملاءات والوصايا الدينية التي تفرض على سكان الشمال الأفريقي وإفريقيا عموما والتي يتولى كبرها لفيف من المبشرين الذين يبذلون قصارى جهودهم لإبعاد شعوب الشمال الأفريقي عن الإسلام ، وإدخالهم في المسيحية أو إرجاعهم إلى الديانة الوثنية التي كانوا عليها ، وهذا الأمر لم يعد سرا بعد أن أفصح عنه كثير من عتاة ودعاة التبشير في الشمال الإفريقي والذي مثل قطبا فكريا ودينيا أساسيا في قرارات مؤتمر كولورادو عام1978للميلاد0

الصبغة الحربية للفتح الإسلامي للشمال

الإفريقي حسب الرؤية الغربية والاستشراقية

لا أجد بدا في البداية من الإشارة إلى أن (ألفرد بل)- و فكره نموذج للرؤية الغربية- قد رجع في الحديث عن الفتح الإسلامي للشمال الأفريقي إلى بعض المؤلفات الإسلامية كما ذكر ذلك في الفصل المتعلق بالفتح العربي وقيام الإسلام السني في شمال إفريقيا من كتابه "الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي" ،ومن هذه المؤلفات التي استقى منها مادته التاريخية عن عملية الفتح في الشمال الأفريقي :

ابن الأثير ، "الكامل في التاريخ "وقد نشره نورنبرج وهو بلا شك واحد من المستشرقين الذى يتميز فكره التاريخي عن المنطقة العربية والإسلامية برمتها بإسقاطات تاريخية وفكرية تزيد من احتمال التأويل السيء لكثير من الحوادث والقضايا الدينية والاجتماعية ، التي حدثت في الشمال الأفريقي 0

الإدريسي ،نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ، وقد ترجمه جوبير,;gaubert إلى الفرنسية وقد صدر بباريس في مجلدين سنة 1836-1840للميلاد ونشر النص وترجمه فيما يتعلق بإفريقية والأندلس المستشرق دوزي ودي خويه ليدن عام .1866

ابن خلدون ، "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ..."،وغير هذه المؤلفات كثير ،غير أن اللافت للنظر أن (ألفرد بل) قد تعامل مع هذه المصادر أو اغترف منها، انطلاقاً من قناعاته الفكرية والدينية وأنّه عوّل في ذلك على آراء كثير من المستشرقين، وهذه النظرة الاستشراقية التي لا تخلو من تحيّز واضح للغرب والفكر الغربي، هي التي تجعلنا نتعامل مع ما قاله (ألفرد بل ) بكثير من الحذر، لأنّ تاريخ الإسلام في إفريقيا أو الشمال الإفريقي قد تعرض- كغيره من التاريخ الإسلامي- إلى التّشويه الذي مارسته كثير من المؤسسات الاستشراقية، وقد ظهرت آثار ذلك من حديث (ألفرد بل) عن المصادر الإسلامية التي تناولت الشمال الإفريقي وذلك في تصديره لحديثه عن الفتح العربي للشّمال الإفريقي. ولكن رغم هذا الإفراغ الفكري الغربي عند (ألفرد بل) عند حديثه عن الفتح الإسلامي للشّمال الأفريقي ،إلاّ أن ذلك لم يمنعه من الاعتراف ببعض الحقائق التاريخية التي ارتبطت تاريخياً بالوجود الإسلامي في القرن الإفريقي، وفي ذلك يقول:" جاء النبي محمد (صلوات ربي عليه) المتوفى في المدينة سنة 633 للميلاد بدين جديد هو الإسلام وشريعة جمع عليها أمّة المؤمنين من بدو وحضر في الجزيرة العربية، في ظلّ التزامات دينية ومدنية واحدة وتولّى النّبي تدبير أمورها، ولمّا قُبض ترك لخلفائه مهمّة رعاية الدولة الإسلامية الفتية، وضمّ شعوب جديدة إلى الإسلام، وزيادة رقعتها ببلاد جديدة .

ومنذ ابتداء عهد الخلفاء الأوائل، قامت الجيوش العربية الإسلامية بفتح البلاد المجاورة لجزيرة العرب وتمّ لها النّصر بسرعة مدهشة"

ويعدّد (ألفرد بل) أسباب نجاح العرب في الشمال الأفريقي فيذكر منها :

تنظيم الجماعات العربية البدوية الفقيرة تحت لواء الإسلام نظاماً وشريعة ممّا جعل منها قوّة حربية متماسكة.

الضعف السياسي والحربي والاجتماعي الذي أصاب الدول المجاورة للجزيرة العربية، ونعني بها الأمبراطوريتين البيزنطية والفارسية، التي أنهكت كل منهما الأخرى بالحروب فيما بينهما حتى بداية القرن السابع الميلادي.

ويعلّق( ألفرد بل) على هذه الأسباب فيقول:"... وهذه الأسباب عينها هي التي أدّت إلى انتصار العرب في الشمال الإفريقي الخاضع لبيزنطة وكان من الناحيتين السياسية والعسكرية ضعيفاً ضعف سوريا وفارس في نفس العصر"

ويحمل كلام( ألفرد بل) عن الفتح الإسلامي للشّمال الأفريقي -والذّي سمّاه غزواً للعرب للبلاد المجاورة -كثيراً من المغالطات التاريخية، ومنها أنّه يعتقد أنّ موازين الحرب من قوّة أو ضعف هي التي عجّلت بانتصار إسلامي في إفريقيا،بمعنى أنّ الإسلام حسب زعمه قد استغلّ ضعف الأمبراطوريات القائمة أنذاك ليمرّر رسالته، وهذا ليس صحيحاً لأنّ هذه الامبراطوريات لم تكن ضعيفة بل كانت فى أوج قوتها ولكن الاسلام الذى يحمل تعاليم السماء صنعبتلك الفئة المؤمنة تلك الاحداث الباهرة التى تقترب من المعجزات فى إخضاع هذه الامبراطوريات العظمى والتاريخ يعيد نفسه فى مواجهة الطائفة المؤمنة فى العراق وأفغانستان لكل قوى الارض وهى فى أوج قوتها ثم تهزم أمام هذه الفئة المؤمنة والجانب الاخر كما بينا أن هناك فرقا بين التعامل مع النظم التى تعبد الناس لغير الله فهنا شرع الجهاد لتحطيم هذه الانظمة حتى يكون الناس أحرارا فى إختيار دينهم بلا إكراه ومن هنا فلا إكراه فى الدين بالنسبة للافراد وهذا بعكس ما كانت تفعله الجاهلية الصليبية الغربية فى تاريخها كله أمام لا المسلمين فقط بل الجنس البشرى كله حيث تكرهه على دينها المخالف مع القضاء على الكثير من الجنس البشرى تحت الاكراه لتغيير دينهم
وما يفنّد كلام( ألفرد بل ) هو أنّ الإسلام دخل مناطق كثيرة من الشمال الإفريقي، ولم تكن هذه المناطق مناطق نزاع عشائري أو سياسي، وإنّما كان انقيادها للإسلام انقياداً نابعاً من قناعتها بربانية هذا الدين الحق الوافد؛ هذه الحقائق غابت عن ذهن (ألفرد بل)، رغم أنّه قد اعترف بأنّه قد استعان في ذلك -أي في الحديث عن مرحلة الفتح الإسلامي- بما كتبه ابن خلدون. وهو عمدة المؤرخين العرب المحدثين، ويفهم مما ذكره في المقدمة أن الفتوحات الإسلامية لم يكن هدفها فرض الإسلام بالقوة سوآء في الشّمال الإفريقي أو في غيره من بقاع الدنيا وفي هذا السياق يقول شوقي أبو خليل إنّ الإسلام لم يقم على اضطهاد مخالفيه أو مصادرة حقوقهم أو تحويلهم بالكره عن عقائدهم- لأنّ حرّية الاعتقاد مصانة- أو المساس الجائر بأموالهم وأعراضهم ودمائهم .

وعلى العموم فإنّ هناك اتهامات للإسلام بالتّعصب في أثناء فتوحاته في الشرق والغرب حيث أنّ الفكرة الجامعة في الفكر الغربي والاستشراقي أنّ سيف الإسلام أخضع شعوب أفريقية وآسيا شعباً بعد شعب0 ويعطي المنسنيور كولي صورة قاتمة ومروعة عن الإسلام حيث يؤكد أن فتوحاته كانت غزواً صاحبته كثيرمن مظاهر الاستيلاب والاغتصاب، و هو عكس ما يذكره التاريخ و المؤرخون عن دخول الفاتح عقبة بن نافع لقرية تلو القرية ، و لبلدة تلو الاخرىلا يكره أحدا على تغيير دينه ، و هكذا حتى بلغ بفرسه مياه المحيط الأطلسي ، و دخل في البحر قليلا و رفع يديه لربه في السماء و قال ما معناه ، لولا هذا المحيط الشاسع يا ربي لأكملت مسيرتي و فتحت و ما وراءه من البر ليسلم من فيها أو أستشهد في سبيل ذلك.

الفتح الإسلامي للشمال الإفريقي

لقد كان الفتح الإسلامي لبلاد الشام والأندلس والسّند وبلاد ماورآء النهر، فتحا يحافظ على الحرية الانسانية وعلى دماء الناس وممتلكاتهم قالمقصود من الفتح فى المقام الاول تحكيم شريعة الله بتعبيد الارض لله فيكون الله هو الحاكم فى الارض كما هو فى السماء حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله والجانب الثانى هو إرجاع الحرية لتلك الشعوب فى إختيار الدين الذى ترضاه لا فرض أى دين عليها حتى ولو كان هو الاسلام الحق وهذا فيه ما فيه من تكريم عظيم للجنس البشرى دون النظر إلى إيمانه أو كفره ويقدم توماس أرنولد شهادة تاريخية حيّة عن روح التّسامح التي صبغت الفتح الإسلامي لبعض بلاد الشمال الإفريقي حيث يقول:" ولم يضع عمرو بن العاص يده على شيء من ممتلكات الكنائس ولم يرتكب عملا من أعمال السّلب والنهب، وليس هناك شاهد من الشواهد يدل على أنّ ارتدادهم عن دينهم القديم ودخولهم في الإسلام على نطاق واسع راجع إلى الاضطهاد، أو ضغط يقوم على عدم التسامح من جانب حكامهم المدنيين بل لقد تحوّل كثير من هؤلاء القبط إلى الإسلام قبل أن يتم الفتح.

إنّ الفاتحين المسلمين الذّين فتحوا الشمال الإفريقي كانت تجمعهم مع الفاتحين المسلمين الذين فتحوا الأندلس، أصولاً واحدة في التعامل مع غير المسلمين ويؤكد مصطفى الشكعة هذه الحقيقة فيقول:" ذهب كثير من المستشرقين المعنيين بتاريخ المسلمين في الأندلس إلى اختراع الأخبار للإساءة إلى أعلام المسلمين من قادة وفاتحين ،وتمادوا في ذلك إلى المدى الذي جعلهم يهاجمون كل ما يتصل بالإسلام والمسلمين، و تجمع كتب التاريخ على أنّ القائد الفاتح موسى بن نصير ومساعده القائد طارق بن زياد لم يعمدا في فتوحاتهما إلى مايتنافى مع أخلاقيات الحروب، فمتى استسلمت مدينة ماكان الأمان بكل معانيه ومبادئه يطبق عليها، فإذا ما قاومت عمد القائد الفاتح إلى الوسائل الحربية المشروعة حتى ينال النّصر، ومن المعروف أنّ المدن والحصون كانت تتهاوى تحت سنابك الخيول الإسلامية، وحتى تلك التي فتحت بحدّ السّيف كانت لا تلبث أن تعامل طبقاً للأخلاقيات الإسلامية"

ويبدو واضحاً من كلام مصطفى الشكعة الرّبط بين منطقة الأندلس ومنطقة المغرب والشمال الأفريقي، من حيث أنّهما في -مرحلة الفتوحات الإسلامية-كانتا تحتكمان إلى قاعدة أخلاقية واحدة، وهي عدم إكراه الناس على تغيير معتقداتهم ، وهو مايفنّد زعم كثير من المستشرقين الذّين عمدوا إلى اختراع الأخبار لتزييف مرحلة الفتح الإسلامي ،ولأنّ الفتح الإسلامي للشمال الإفريقي قد ترك آثاراً اجتماعية وسياسية ودينية كثيرة، فإنّ الإستعمار الغربي أراد ان يمحو هذه الآثار وذلك عن طريق الحملات الصليبية الإستعمارية المركزة التي جعلت الشمال الأفريقي هدفاً أساسياً للغرب.
ويذكر أحد المؤرخين ، أنّ الفاتحين العرب في الشمال الأفريقي قد بدّدوا مخاوف الأفارقة سكان البلاد الأصليين ،لأنّهم لم يقوموا إلا بنشر دين التوحيد والدّعوة إلى الوحدة بين أبنائه رغم الاختلافات القائمة بينهم والتي تصل في أغلب الأحيان إلى حدّ الافتتان(أي حدوث الفتنة العارمة) والاقتتال، وفي ذلك يقول نجيب زبيب:"... تفرّد الحكم الإسلامي العربي في المغرب الأقصى وفي المغرب الأوسط وفي تونس وليبيبا بأنّه كان يشكّل حلقة تامة قائمة بذاتها فصلت بين ماضي تلك البلاد ومستقبلها،لذلك كان العهد الإسلامي خاتمة لعهود الظلم والطغيان الرّومانية والوندالية والبيزنطية، وقد استهلّه الفاتحون الجدد بنشر دين التوحيد الداعي إلى عبادة الله الواحد الأوحد وإلى تآخي المسلمين من العرب وغير العرب من سكان شمال أفريقيا وايبيرية عملاً بما جاء في القرآن الكريم:" إنّما المؤمنون إخوة" وإلى نبذ التفاخر بالعنصرية والأنساب كما يقول الرّسول صلى الله عليه وسلم:" لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى". فقضى بقوّة الإيمان على العنصرية والقبلية وساوى بين جميع الطبقات فلا قناصل سيوفهم مصلتة فوق الرّقاب تجتاح البشر والحجر وتصادر الحرث والنسل ولا أباطرة يهدمون المدن ويبيعون سكانها الأحرار في أسواق العبيد الرّومانية وسادت الشورى مستضيئة بآيات الله وبيناته لتحلّ محلّ التسلط والعبودية.

إنّ القادة الفاتحين الذّين فتحوا الشمال الإفريقي كانوا يتمتعون بأخلاق عالية أخذوها عن الرّعيل الأوّل أو السّلف الأوّل وهو ماجعلهم قادة مسالمين إلى أبعد الحدود، يقول نجيب زبيب:"... هؤلاء القادة الذين زحفوا على المغرب الأدنى ليبيا والأوسط (تونس) والجزائر والمغرب الأقصى (مراكش)، كانوا من أبناء الأجلّة والصحابة التابعين الذّين فتحوا سوريا والعراق و بلاد فارس ومصر في عهدي الخليفتين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب من أمثال خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح والمثنى بن حارثة الشيباني وسعد بن أبي وقاص، وشرحبيل بن حسنة والمقداد بن الأسود وعمرو بن العاص وغيرهم".

ويضيف نجيب زبيب عن حملة الفتح الأولى بقيادة عقبة بن نافع:"... وكانت تعليمات الخليفة عمر(رضي الله عنه) التي أرسلها لعمرو بن العاص تقضي باستشارته قبل أن يهمّ بفتح جديد، فلمّا أرسل إليه يستشيره في ذلك طلب منه التريث والتفرغ لنشر الإسلام فيما حوله، حتى تثبت دعائم الإسلام وتستقر بين سكان برقة وقبائل الواحات فاكتفى عمر بما وصل إليه وألحق برقة من الوجهة الإدارية بمصر كولاية إسلامية وأقام عقبة بن نافع في برقة يدير شؤون البلاد ويشرف عليها.

ولم تختلف الحملة الثانية لفتح لإفريقيا بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن الحملة الأولى بقيادة عقبة بن نافع من حيث القواعد الأخلاقية التّي قامت عليها، فقد كانت إفريقيا في ذلك الوقت خاضعة للبيزنطيين شكلاً ويتولى زعامتها البطريق غريغوار جرجير وكان قائداً طموحاً اغتنم فرصة الخلافات الناشبة بين الكنيسة والأمبراطورية فانفصل عن الأمبراطورية البيزنطية معلناً استقلاله في إفريقيا وقد جهز جيشاً قيل إنّ تعداده بلغ 120 ألف جندي... وحاول أن يتصدى به لجيش المسلمين الذي كان بقيادة ابن أبي سرح تسانده قوات عقبة بن نافع المرابطة في برقة...وكان النّصر للمسلمين وهزم جيش العدو وقتل البطريق غريغوار في هذه المعركة...وبعد الهزيمة التي حاقت بهم اعتنق العديد من سكان إفريقيا بما فيهم القبائل الدين الإسلامي حباًّ وطوعاً وعمت فرحة النصر أرجاء البلاد العربية في مشرقها ومغربها، وراح المجاهدون الأبطال يطالبون بتحرير المزيد من الأراضي ونشر الإسلام فيها وبعد أن رأوا مناصرة المغاربة لهم بهذا الشكل المذهل.
وهكذا توالت الفتوحات في الشمال الإفريقي بنفس القواعد الإنسانية والأخلاقية التي تنكّر لها كثير من المفكرين والمؤرخين الغربيين المجحفيين ،رغم أنّ مصادر التاريخ تثبت هذا قطعاً لا ظناَّ ، إنّ هذه الأخلاق هي التي جعلت الفاتحين المسلمين في الشمال الأفريقي يجدون قبولاً عاماً لدى القبائل والأهالي، يقول نجيب زبيب:"... هذه القضايا الأخلاقية جعلتهم أقرب إلى قلوب سكان البلاد من الرّومان والبيزنطيين الذّين كانوا يستعبدون الشعوب ويطلقون عليهم اسم "الأرقاء" كما كانو يطلقون على ملوك المغاربة لقب" الملوك الأرقاء" ويبيعونهم إذا ثاروا في أسواق العبيد .

خاتمة :

والآن وقد وصلت إلى الخاتمة فلا بدّ من تسجيل النتائج الآتية :

إن هناك حلقة وصل بين الفتوحات الإسلامية في بلاد الشام والأندلس وإفريقيا وغيرها،وخاصة من حيث القواعد الاخلاقية التّي سارت على هديهما هذه الفتوحات ،وهو مايفنّد مزاعم الغربيين والمستشرقيين من أنّ الفتوحات لم تكن تحكمها أداة أو قاعدة أخلاقية واحدة، ممّا يعني عندهم تكييف الفتوحات حسب بيئتها والأهل الموجّهة إليهم .

إنّ الفتح الإسلامي لإفريقيا والشمال الإفريقي كان فتحاً وفق تعاليم الاسلام ، لأنّ الفاتحين لم يمعنوا في إبراز المظاهر الحربية بمجرد أن تتحقق الغاية ، وهو ما حصل في مناطق كثيرة من الشمال الإفريقي.

لقد لعب الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا دوراً كبيراً في زيادة توحد هذه المنطقة من الناحية الدينية والسياسية والاجتماعية، قبل أن تدب إليها الفرقة والمنازعات الدينية والعرقية والسياسية في العصور الحديثة .
و صلى الله و سلم على خير خلقه حبيبنا و سيدنا و قدوتنا محمد رضوان الله و صلواته عليه ، و على من إتبعه و أحيى سنته من الخلفاء الراشدين و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.


وكتبه لمجلة المشتقون إلى الجنة....العدد الخاص بالمغرب الإسلامي أخوكم أبو حذيفة الريفي غفر الله له

No comments:

Post a Comment