Saturday, April 24, 2010

بين الإسلام و العلمانية في ضوءالرد على مقال الشيخ طارق عبد الحليم

بسم الله الرحمن الرحيم

مؤسسة الإعلامية
:: تقـــدم ::
بين الإسلام و العلمانية
في ضوءالرد على مقال الشيخ طارق عبد الحليم

لفضيلة الشيخ / أبي هاجر الليبي
مراجعه فضيلة الشيخ / أبي أحمد عبدالرحمن المصري
حفظهم الله

توحيد الله هو مقصد القرآن وزبدة الرسالة الذى يقوم عليه الأمر والنهى والخلق والحساب والجزاء والجنة والنار والصراع بين أهل الحق والباطل وهو غاية العمران وغاية الإنذار والتخويف والترغيب والتبشير والتهديد والعذاب الدنيوى والأخروى ، وعليه مدار الأمر كله والنهى كله والخلق كله وهو إفراد الله بالعبادة ، وأن أى شركٍ فى العبادة يبطله ولا تكون العبادة عبادة لله بل شرك وكفر وضلال ، هذه هى حقيقة التوحيد ظاهرة بينة فطر الله عليها الخلق والكون والأحياء وأرسل بها الرسل وأنزل بها الكتب ، فهل يمكن بعد هذا القطع فى البيان والأحكام وخلق السموات والارض على هذا الامر ومن أجله ، أن نقول أنه من الممكن أن نصل إلى تحقيق توحيد الله من خلال الشرك به أو أن نصل إلى تطبيق أوامره ونواهيه عن طريق المجالس الشركية ، أو السعى إلى تحقيق الإسلام من خلال العلمانية ، أو السعى فى إنتخاب مرتد أجمعت الامة على وجوب خلعه لو كان حاكماوقتاله ،فكيف بالسعى إلى تنصيب مرتد بدعوى تطبيق شرع الله أو الحصول على مساحة من الحرية للحركة فهل إلى هذا من سبيل ،هل كان هذا تعبيرا عن شهادة الاسلام التى أرسل بها الرسل وهى الإيمان بالله والكفر بالطاغوت ، وهل كانت تعبيرا عن شهادة أهل الاخدود عندما ألقوا بأنفسهم فى النار من أجل توحيد الله وعدم الدخول فى الشرك ، هل كانت هذه مصداق ما لاقاه الأنبياء والرسل ومن اتبعهم من عذابات وقتل وأسر وتشريدوجوع وهجر للاوطان والأهل والأحباب ،هل هذا هو الثبات على دين الله أو الإستعلاء بالإيمان ، أم أنه الشرك والخزى والعار والوقوع فى حضيض الشرك والخروج عن العقيدة الصافية وعن منهج الإسلام إلى علمانية قبيحة مزرية ، هل يمكن أن يجتمع الإيمان والكفر على منهج واحد وفى قلب واحد وفى أرض واحدة على تطبيق شريعة الرحمن ،هل يمكن أن يغفر الشرك التعلل بالتأويل أو المصلحة المرسلة أو مراعاة الخلاف إلى غير ذلك من القواعد الشرعية التى تعمل من خلال الشرع وفى سبيل الحفاظ على الاسلام وعدم الاحتكام إلى شرع غير شرع الله والإبتعاد عن الشرك بالله لا إلى هدمه وإقامة العلمانية والشرك وتحكيم شرع غير شرع الله ، هل يرفع التعلل بتلك الاعذار الوقوع فى شرك وهل يصح معه الاسلام أو المنهج أو الطريق سبحانك هذا بهتان عظيم

متى جاء هذا الطرح

جاء هذا الطرح فى الوقت الذى تسعى فيه الطائفة إلى تحقيق الإسلام فى الارض باذلة فى ذلك دمها وكل ما تملك وكل ما فى وسعها قياما للحق وللحجة وإنتصارا للحق معلنة عن ذلك مستمسكة بهدى ربها بأنها ما زالت تسعى لنسف بنيان الردة وإسقاط الأنظمة العلمانية والعالمية التي تعبّد البشر للبشر، وإقامة النظام الإسلامي على أنقاضها ومن ثم تعبيد الناس لربهم من خلال تطبيق الشريعة الإسلامية والإحتكام إليها.
وبأنها ما زالت تبذل قصارى جهدها لتوحيد الأمة الإِسلامية على اختلاف ألوانها وألسنتها تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبناءا على مفاهيم هذه الراية تتم المعاداة والموالاة التي تستلزم نصرة المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها والسعي الجاد لفك العاني وإغاثة الملهوف.
وبأنها ما زالت تؤمن أنها جزء من الجهاد العالمي الذي يتطلب التضامن والتناصر والتناصح، بل الأهم من ذلك كله توحيد الصف على أساس كلمة التوحيد امتثالاً لأمر الله وإرهابا لأعدائه قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) [ الصف : 5 ] ، " بنيان تتعاون لبناته وتتضامن وتتماسك، وتؤدي كل لبنة دورها، وتسد ثغرها، لأن البنيان كله ينهار إذا تخلت منه لبنة عن مكانها " اهـ [ تفسير الظلال ]
وبأنها ما زالت تسعى إلى استعادة ديار الإسلام المغتصبة وعلى رأسها الأراضي المقدسة، عهدٌ لله عليها أن تستعيدها حركة كانت أم دولة أم جندا للخلافة.
فى هذا الوقت الذى تشهد فيه الحركة الإسلامية ولأول مرة فى تاريخها بعد سقوط الخلافة العثمانية إحياء الصراع بين الاسلام والصليبية والصهيونية العالمية وإنتصارا لها عليهم وتطبيقاً لشرع الله فى أماكن من أرض الإسلام وصحوة جهادية عاصفة تعصف بأعداء الأمة يطل علينا الشيخ د/ طارق عبد الحليم من مكان بعيد فى مقاله المحزن ( كيد الشيطان وقوى التغيير ) وهى مقالة تعبر عن كيد الشيطان حقاً بعالم عندما يترك الواقع ويترك ساحة المواجهة وينعزل بعيداً عن الواقع ظاناً أن مجرد المفهوم مجرداً بعيداً عن الواقع فى برجه التنظيري يمكن أن يفعل شيئا أو يكون له واقعاً أو تأثيراً على مجريات الأحداث ولا يدرك الشيخ الفاضل أن المفاهيم الغير مرتبطة بالواقع إنما تمثل إستنباتاً للبذور فى الهواء لا شرعية لها ولا مصداقية ولا حقيقةً لها ولا تمثل شيئاً على أرض الواقع ، لأن الحكم الشرعي لا يقتصر على المفهوم التجريدي بل لا بد أن يوضع فى واقعه فى مناطه ليثمر ويتحقق من خلاله المفهوم وإلا إنتهى وإندثر وأصبح الناتج صفراً في أي مجال أي أي حساب ، فالإسلام جاء ليغير الواقع لا ليكون بعيداً عنه ، وفى ظل الإبتعاد عن الواقع نجد أنه من الطبيعي أن يذوب المفهوم والعالم بل تذوب معه الحركة التي يمثلها في الواقع ولا تكون شيئاً ، وما كانت ترفضه بالأمس أصبحت تؤمن به اليوم فى مرحلة الذوبان والإنعدام ، فما كان بدعة أو كفراً وضلالاً أصبح يمثل مرحلة من مراحل تطور المنهج يمكن أن يطبق الإسلام من خلالها ، ولست أدري كيف تتحول البدعة أو الكفر سبيلاً إلى تطوير المنهج وسبيلاً من سبل تحقيق الإسلام كيف يولد ويمر الإسلام عبر طريق ومنهج الجاهلية ، إلا أن يكون هذا كيد الشيطان حقيقة ، ولا أدري كيف يمكن تركيب هذه المعادلة البغيضة ، كيف يمكن أن يطبق الإسلام من خلال الكفر إلا من خلال هرطقة غريبة لايقبلها لاحس ولا منطق ولا شرع ، وكيف يمكن أن يعطى الإسلام شرعية للكفر، وكيف يمكن للكفر أن يسمح بتطبيق الإسلام ، وكيف يكون السفول والإنحدار إلى حضيض العلمانية والإلتقاء معها يمثل تطورا منهج الإسلام ، هل يمكن أن يكون هناك لقاء بين الكفر والإسلام فى ظل الصراع الأبدي بينهما ، أليس هذا مناقضا لقوله تعالى : ( ... َلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ... ) [ البقرة : 217 ] هل ثمة نسخ أو تخصيص أو تقييد لهذه الآية لم يعلمه الرسل والأنبياء وعلماء الأمة وأتى به الشيخ الفاضل ، وهل ثمة دليل شرعي أو أثارة من علم من الممكن أن يسمح للإسلام فى الدخول فى العلمانية ، أم أن كل الادلة الشرعية الخاصة بالتوحيد والنهي عن الشرك وغيرها تقطع بالمفاصلة والمفارقة والبغض والعداوة والقتال حتى يتحقق الإسلام ، وأنه لا سبيل ولا لقاء أبداً في أي مكان ولا في أي لحظة من لحظات التاريخ لأن النهي والتحريم عام مقطوع به أبدي خالد حتى يؤمنوا هنا فقط يكون اللقاء وتكون الأخوة فى الحق والولاء عليه ، وهل ثمة مصالح مرسلة تبيح ذلك هل ثمة مصالح مرسلة تبيح الدخول فى الكفر من أجل تحقيق الإسلام ،وهل يبقى الإسلام بعد الدخول فى الكفر إسلاماً وأي مصلحة تلك التى تعتبر من خلال قواعد الشريعة والتى تهدم أصول الشريعة ، هل وصل الأمر كما يقول أحد المهرجين أن التمثيل من المصالح المرسلة ، فالمصلحة المرسلة هى نصوص شرعية لايمكن أن تهدم أو تلغى أصول الشريعة فضلاً عن أن تعارضها فمن شرط النصوص الشرعية الاطراد والعموم ولا تلغى أو تصادم النصوص الشرعية الأخرى فكلها يعضد بعضها البعض الآخر ، ومن المعلوم أن الأصول المبتدعة هي التي تصادم القواعد الشرعية الأخرى ولذا لو طردها صاحبها لكفر لأنها لاشك تكذب خبراً أو ترد أمراً في كتاب الله لأنها ليست منه ، وهذا الطرح الذي يعبر بشكل قاطع عن موت عالم وموت حركته التي كانت تمثل دعوة إلى توحيد الله فإذا هي دعوة إلى الدخول فى حكم الطاغوت فيقول : ( فلا أرى بأساً شرعياً أو وضعياً – في التحليل النهائي - في أن يضع الإخوان والسلفيون وغيرهم ، أيديهم في يد البرادعي ومن سيصطف وراءه من جسد الأمة ، فالرجل ، وإن تفوه بكلام دالٍ على مذهبه في رؤية محلّ الدين من الحياة ، مما يخرج عن نهج الإسلام بلا شك ، إلا أنه صرح كذلك بأن ديموقراطيته يُمكن بها أن يَحكم من يختاره الشعب وتتفق عليه الأغلبية ، وهي فرصة المسلمين الوحيدة في إسترجاع حكم الله سبحانه الذي أضيع بالكامل في عهد الدولة الحاكمة ، فلعل من يخالف في هذا يعرف أن العلمانية هي الحاكمة في كلّ أمر من أمورنا في حقيقة الواقع ، العلمانية الشرسة الديكتاتورية التي يأخذها في الله لومة كلّ لائم . والله سبحانه أعلم وأحكم . )
فجاء المقال عاصفاً مدوياً يعصف بما تبقى لحركة إسلامية من هامش رصيد كانت تتعلق به يعطيها نوعاً من العلاقة بالحركة الإسلامية ولو كان خيطاً رقيقاً من المشروعية ، إلا أن هذا المقال جاء للأسف دعوة للأمة لتقف خلف هذا المرتد العميل ليقطع كل الروابط ويضع الحركة بعيداً عن التاريخ والواقع فى سلة حركات باتت تعطي الشرعية للنظام العلماني وإن تحدث عن تطبيق حكم الاسلام كما تحدثت تلك الحركات ولم تطبق الإسلام بل طبقت العلمانية وأصبحت جزءاً من المنظومة العالمية فى حرب الإسلام
يرى الشيخ أن الفرصة الوحيدة أمام المسلمين لتطبيق الشريعة أن يمضوا خلف هذا الكافر ومن ثم يدعوا الأمة إلى المضي خلفه يالها من كلمة هو قائلها ومن ورائها عذاب عظيم يا لها من كلمة تمثل منتهى التعامي عن الواقع والحركة الإسلامية الراشدة التى تصارع أمواج الجاهلية العالمية العاتية على مدار الأرض كل الأرض ، ثم لا يرى سوى الحركات السوداء التى تمثل العار والمهانة والمذلة و التي مضت فى ركب العلمانية وأصبحت جزءاً منها بل أصبحت هى العلمانية نفسها وجزءاً من النظام العالمي فى حرب الإسلام ، ثم يدعوا معها الأمة إلى الدخول مع هذه العلمانيات التي أصبحت حركات علمانية تتخلى عن الاسلام كسبيل نجاة وسبيل تمكين للأمة ليحل محله الكفر كسبيل نجاة وسبيل تمكين للأمة
فى هذا الوقت بالذات فى ظل تلك الحرب العالمية على الإسلام ما كان لنا أن نتخيل فى لحظة من لحظات عمرنا أن يحدث هذا التحول المستحيل من دعوة إلى التوحيد الصافي إلى دعوة إلى العلمانية ، دعوة كانت في يوم من الأيام تتخذ من الشهيد – بإذن الله - العلامة سيد قطب قدوة لها ذاك الجبل الأشم الذى سما وعلا على الجاهلية ورفض كل الطرق إليها وكل وجوه المصالحة حتى ولو بكلمة إعتذار لينقذ نفسه من القتل ، فشهد شهادة الحق مرتفعاً على الجاهلية وكل بهرجها ومفاتنها وتهديداتها وأعلنها مدوية عالية ( إن أصبع السبابة التى تشهد لله بالوحدانية لا يمكن أن تنصر باطلاً ولو بكلمة )

الشهيد سيد قطب الذى فجر الثورة العالمية للإسلام ضد النظام العالمي الكافر والذى كان يمثل نقطة إرتكاز صلبة للحركة الإسلامية المعاصرة ، والذي يمثل نقطة فارقة فى تاريخ الصراع بين الإسلام والكفر ، يأتي من يمثله ليدعوا الأمة بكل أطيافها أن تصطف خلف هذا المرتد ، والحقيقة أن الخطأ هنا لا يعود إلى المفهوم المنحرف كالإخوان والسلفية المدعاة ومن مضى فى طريقهم من خلال إعطاء الشرعية للعلمانية ، إنما الأمر ينحصر داخل ذلك المفهوم النظري المجرد لا الواقعي العملي الذي لا يساوي شيئاً في رصيد الواقع ، عبر أفراد لا جماعة حيث لا تتحقق المواجهة من خلالهم لتحقيق التمكين لدين الله ، ومن ثم كان افتقاد الشرعية والمضي في الطريق المخالف من خلال العلمانية بالإلتقاء مع المفاهيم المنحرفة والوصول إلى ما وصلت إليه ، لأنه إما إتباع منهج القرآن وإما اتباع منهج العلمانية الذي ما كنا نتخيل يوماً أن يصل الأمر به إلى مرحلة البحث عن مساحة أو هامش من الحريات من خلال العلمانية والدخول فى لعبة الإنتخابات كطرف تابع لا حقيقة له ، بزعم ودعوى تطبيق الإسلام بالوقوع فى دنس ونجس ورجس العلمانية وكفرها هل ثمة إختلاف بين طرح العلمانيين وبين هذا الطرح الذى يقوم عليه الدين المبدل المسمى بالديمقراطية التي لا وجود لها حقيقة فى مجتمعاتنا وهذا عمى عن الواقع أيضا ، حيث تكون الدعوة محكومة بالعلمانية فى حلها وترحالها والحاكمة عليها لا أن تكون محكومة بكتاب الله ومنهج الله فى حلها وترحالها وعلاقاتها المختلفة

والعجيب أن هذا الطرح يأتي في ظل حرب عالمية ضد الإسلام تأكل الأخضر واليابس حرب مستعرة تمايزت فيها الصفوف والرايات والجماعات والأفراد ، وأعلن كل فريق عن نفسه ، الإسلام وضح وظهر فى أعلى مناطاته من خلال الدعوة إلى التوحيد والقتال عليها ، والكفر ظهر ووضح في أعلى مناطاته من خلال الدعوة إليه والقتال عليه ، وليس أمام الأمة والحركات التي تدعي الإسلام إلا الوقوف في صف أحدهما وولائه ، فكيف يكون الإعراض عن طائفة الحق ومعسكر الإسلام وخندقه وحزب الله وجنده ، و نبحث من خلال معسكر الكفر عن مساحة من الحرية في ولاء الكافرين وذلك من خلال المشاركة في الإنتخابات الكفرية كأننا بعيدين عن الواقع نعيش فى كوكب آخر غير الأرض ما عرفنا يوماً التوحيد ولا دعونا إليه ولا سمعنا بالصراع القائم ، قمة التغييب عن الواقع والإسلام وقضاياه كأننا جئنا من كوكب آخر لا نعي شيئاً عن واقع الأرض في عماية غير مسبوقة
أعلام من الحركة الإسلامية قد كانت كتاباتهم تمثل نقطة مضيئة فى تاريخ الحركة الإسلامية ، وقد مضت بنا وبهم الأيام وإذا بنا نجد ما لم يكن فى الحسبان وإذا بنا نضطر إلى أن نكرر فى ألم ممض ما قاله الشهيد سيد قطب لتلاميذه حين كان يوصيهم بقراءة بعض الكتب حيث قال لهم الكتاب لا الكاتب ، فالكتاب صحيح مضمونه أما الكاتب فهو خارج عن مضمونه لا يمثله ولا يحققه ولا ينطبق عليه واقعاً ، رجعنا إلى نفس العبارة ، ورجعنا الى عبارته أيضا ( إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع . مهمتنا هي تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه . هذا الواقع الذي يصطدم اصطدامًا أساسيًا بالمنهج الإسلامي ، وبالتصور الإسلامي ، والذي يحرمنا بالقهر والضغط أن نعيش كما يريد لنا المنهج الإلهي أن نعيش .
إن أولى الخطوات في طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته ، وألا نعدِّل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلاً أو كثيرًا لنلتقي معه في منتصف الطريق . كلا ! إننا وإياه على مفرق الطريق ، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق !
وسنلقى في هذا عنتًا ومشقة ، وستفرض علينا تضحيات باهظة ، ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقر الله به منهجه الإلهي ، ونصره على منهج الجاهلية .
وإنه لمن الخير أن ندرك دائمًا طبيعة منهجنا ، وطبيعة موقفنا ، وطبيعة الطريق الذي لا بد أن نسلكه للخروج من الجاهلية كما خرج ذلك الجيل المميز الفريد ..
ويقول ( كان القرآن ، وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة ، يخوض بهذه الجماعة المسلمة معركة ضخمة مع الجاهلية من حولها ، كما يخوض بها معركة ضخمة مع رواسب الجاهلية في ضميرها هي وأخلاقها وواقعها .. ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة لا في صورة " نظرية " ولا في صورة " لاهوت " ، ولا في صورة " جدل كلامي " .. ولكن في صورة تجمع عضوي حيوي وتكوين تنظيمي مباشر للحياة ، ممثل في الجماعة المسلمة ذاتها ، وكان نمو الجماعة المسلمة في تصورها الإعتقادي ، وفي سلوكها الواقعي وفق هذا التصور ، وفي دربتها على مواجهة الجاهلية كمنظمة محاربة لها .. كان هذا النمو ذاته ممثلاً تماماً لنمو البناء العقيدي ، وترجمة حية له .. وهذا هو منهج الإسلام الذي يمثل طبيعته كذلك )
ويقول ( وكل نمو نظري يسبق النمو الحركي الواقعي ، ولا يتمثل من خلاله ، هو خطأ وخطر كذلك ، بالقياس إلى طبيعة هذا الدين وغايته ، وطريقة تركيبه الذاتي .
والله - سبحانه - يقول :
( وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً ) .. [ الإسراء : 106 ]
فالفرق مقصود . والمكث مقصود كذلك ، ليتم البناء التكويني ، المؤلف من عقيدة في صورة " منظمة حية " لا في صورة " نظرية " !
يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيداً أنه - كما إنه في ذاته دين رباني - فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك . متواف مع طبيعته ، وإنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل

ويجب أن يعرفوا كذلك أن هذا الدين - كما إنه جاء ليغير التصور الإعتقادي ، ومن ثم يغير الواقع الحيوي - فكذلك هو قد جاء ليغير المنهج الذي يبنى به التصور الإعتقادي ، ويغير به الواقع الحيوي .. جاء ليبني عقيدة وهو يبني أمة .. ثم لينشئ منهج تفكير خاصاً به ، بنفس الدرجة التي ينشئ بها تصوراً إعتقادياً وواقعاً حيوياً . ولا انفصال بين منهج تفكيره الخاص ، وتصوره الإعتقادي الخاص ، وبنائه الحيوي الخاص .. فكلها حزمة واحدة )

فالدعوة المجردة إلى التوحيد بعيدة عن منهج الإسلام ، الدعوة التي تمثل أفرادا فقط ، إنما هي دعوة فكرية ثقافية موجهة إلى الأفراد في إطار عام إبتعد عن الواقع وإبتعد عن الإطار المنهجي للجماعة المسلمة التي تترابط وتتشابك علاقاتها وتتوحد وجهتها من الناحية التنظيمية والعملية لتمضى نحو هدف محدد وهو تحقيق الإسلام من خلال مواجهة الفكر للواقع لمحاولة تغييره من خلال جماعة الحق لا إقراره والعمل من خلاله ، فأذا أصبحت الدعوة مجرد دعوة نظرية لا علاقة لها بالواقع يكون إحياء الأمة وإحياء عملية المواجهة بين الحركة وبين النظام الجاهلي العالمي والمحلي مجرد كلام نظري ، ومن هنا عند مواجهة النظام الجاهلي كان الإبتعاد عن المواجهة وعن الأمة والابتعاد عن الدعوة هو السبيل ، حتى أصبح البعد عن الدعوة منهجاً بزعم تحقيق مصلحة الدعوة والجماعة ، وأيضامع الإبتعاد عن الحركات التي تدخل فى المواجهة مع النظام العلماني والعالمي وعدم ولائها تحت مسمى مصلحة الدعوة فالإبتعاد عن المواجهة وعن الجماعات التى تواجه أيضا ، ومن هنا حتى ما تدعوا إليه من مفاهيم نظرية وهو تقديم الولاء العام أو ولاء الإسلام على الولاء الخاص أي ولاء تلك الجماعة غير متحقق لديها على أرض الواقع فأصبح قوله تعالى : ( ... وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ... ) [ الأنفال : 72 ] مناقضاً لمصلحة الدعوة فضلاً عن آيات الولاء المحكمات القاطعات فى القرآن كقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ... ) [ الممتحنة : 1 ] وقوله تعالى : ( لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ... ) [ آل عمران : 28 ]
، ومن ثم تجرى المفاصلة بينهم وبين تلك الحركات المجاهدة وبين من يناصر تلك الحركات الذي يحقق الولاء العام ولاء الإسلام بصفته خطراً على الدعوة ومصلحتها ، ومن هنا خرجت هذه الحركة عن منهج الإسلام الذي كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي بيّنه الشهيد سيد قطب فى كتابه القيم معالم فى الطريق والذي إلتزم به ووقف أمام النظام العالمي موقف الشهادة لدينه فمزق اللافتات الكاذبة للعلمانية والنظام العالمي الذي يقبع خلفها ، ثم يأتي من يخلفه معرضاً عن منهجه واقفا موقف المفاصلة من جماعات تمضي حقاً على منهجه في مفاصلة النظام العلماني والعالمي وتمزيق أستاره ولافتاته الكاذبة والصراع معه مقدمة الولاء العام على الولاء الخاص حتى في نفسها والتجرد له بالابتعاد عن التحزب والتشيع والحزبية التي يقع من خالفهم فيها تحت اسم مصلحة الدعوة أو الجماعة فقد كان لموقف الإمارة الاسلامية طالبان من الشيخ أسامة مثلاً وقدوة فى تقديم الولاء العام على الخاص مضحية بهذا الإطار الخاص ولو كان متحققاً فى شكل دولة تحكم بشرع الله ، وها هو المظفر أبو مصعب الذى هتف عالياً من كل أعماقه لو أن تنظيم القاعدة هلك عن بكرة أبيه لإنقاذ الأسرى ما ترددت ولا قصرت في إنقاذ الأسرى ،
ومن الغريب مع مفاصلة أهل الحق والإبتعاد عنهم نجد هذه الحركة تمد جسوراً من التعامل مع الحركات التي جعلت من العلمانية قبلة لها وطريقاً وصمداً يصمدون إليه فى حوائجهم وذلك تحت مسمى مصلحة أو صنم الدعوة والتآلف وإعتبار المآلات إلى غير ذلك من الأمور التي لا شرعية لها ولا اعتبار لها فى الشرع ، بل هي مناقضة للشرع وضد مقاصد الشريعة وضد الواقع فنجد طرح فكرة الإجتماع والتوحد مع تلك الجماعات التي تعطي للعلمانية الشرعية مع الإبتعاد عن الحركات التى تقوم بمواجهة النظام العلماني والعالمي ، فكرة تمثل تناقضاً صارخاً بين الفكر والواقع بين إدعاء السعب لتحقيق أهداف الإسلام مع وضع اليد فى يد الجماعات التي تمضي في طريق تحقيق أهداف العلمانية والإبتعاد عن الحركات التي تسعى إلى تحقيق الإسلام بدعوى مراعاة الخلاف تمثل تناقضاً بين ولاء الإسلام وولاء الجاهلية تناقضا بين الإسلام والكفر ، هذا الشرخ والتناقض بين الفكرة والواقع سبب كثيراً من الإنتكاسات تتمثل :

أولا : فى خروج الجماعة عن الفهم الشرعي الصحيح وعن الواقع وعن المواجهة وإستحداث قضايا بديلة تمثل أول ما تمثل الخروج من الواقع ومن التاريخ ومن المواجهة والإبتعاد بعيداً عن مقاصد الشريعة وأحكامها ، وهذا كان له نتائجه الخطيرة حيث بدلاً من التأثير فى المجتمع أصبحوا يتأثرون هم به ويذوبون فيه بدلاً من أن يتأثر ويذوب المجتمع في دعوة الحق وفي نفس الوقت يتحدثون عن إستراتيجيات لقيام الدولة تمثل أماني وآمال بعيدة تمام البعد عن الواقع تمثل إستنباتا للبذور فى الهواء بدعوى الإستمرار في الدعوة حتى يصل المجتمع الى مرحلة التشبع بالبلاغ والدعوة ومن ثم تكون الثورة الشعبية وهم فى نفس الوقت بعيدين عن الدعوة بعيدين عن الواقع بعيدين عن الأمة وعن الثورة فى موات عجيب ، وكل هذا كان من نتائج الإبتعاد عن المفهوم الواقعي وعن منهج الإسلام فى بناء الجماعة والمجتمع وبناء العقيدة من خلال المواجهة
ومن ثم تحققت كل الصفات والشروط التى تسلب عن الجماعة الشرعية ومن ثم ليس غريبا أن تجد خط الإنحراف وخط التنازل خطاً عاماً بالوقوف بجوار الإخوان فى عملية الإنتخابات وهى تمثل فى الحقيقة ردة عن المفهوم النظري الذي من خلاله كان يصحبه نوع من التميز عن تلك الجماعات ، ثم أعقبها ردة عن المفهوم الصحيح من خلال الدعوة إلى الوقوف بجوار البرادعي فى الإنتخابات
وفى الحقيقة كانت لهذه المرحلة إرهاصاتها ومقدماتها والتي كانت تتمثل فى إعتبار الموانع والشروط فى أعمال الشرك التى تقوم بها بعض الجماعات التى تنتمي للإسلام فى الإحتفاظ لها بحقيقة الإسلام لا حكم الإسلام ، وهي فى الحقيقة وجه جديد من وجوه العلمانية أشد خبثاً وأشد كيداً للإسلام حركات تمثل مرحلة جديدة من حرب الإسلام عن طريق حرب الدين بالدين ، كانت تلك المرحلة وهذه النظرة تمثل إعطاء الشرعية لتلك الحركات التي تمثل جزءاً من النظام العلماني سواء بالدخول معه فى بنية النظام أو من خلال نصرته على جماعات الحق فى ظل الحرب القائمة بين الإسلام والنظام العالمغ الكافر
ومن ثم إعتبار هذه الحركات حركات شرعية كانت أول الانتكاسات ، ثم جاءت المرحلة الثانية وهي تتمثل فى جواز الوقوف معهم فى العملية الإنتخابية التي تجري وفق الدين المبدل وهو ما يطلقون عليه الديمقراطية لاعطاء مساحة من الحريات أو محاولة التأثير فى إتخاذ تشريعات تعيد للأمة بعض حقوقها إلى غير ذلك من المصالح التي يدعيها البعض والتي هي مناقضة لدين الله ولشرعه ولسلطانه وللمصلحة ذاتها فالمصلحة المعتبرة في الإسلام ليست المصلحة الدنيوية فقط فهي مصلحة قاصرة بل المصلحة تتسع فى الإسلام لتشمل الدنيوية والأخروية بل لا إعتبار للمصلحة الدنيوية إذا لم تتحقق معها المصلحة الأخروية وهي مرتبطة بتحقيق شرع الله من خلال سلطانه وسيادته وأمره ونهيه لا من خلال سيادة وسلطان وأمر ونهي الطاغوت
وفى الطريق وجدنا إنتكاسة أخرى ألا وهي الدعوة إلى المشاركة فى إنتخاب البرادعي لاعطاء هامش من الحريات الى غير ذلك من الترهات التي تمثل في الحقيقة إنتقال من مرحلة الذوبان فى المجتمع الى مرحلة الذوبان فى الحركات التى تنمي إلى الاسلام وهي حركات علمانية إلى مرحلة جديدة من مراحل الذوبان فى النظام العلماني المجرد الموالي والمناصر للنظام العالمي فى حربه ضد الاسلام وهو ما صرح به هذا البرادعي المرتد العميل
ومن ثم فليست القضية مجرد عواطف وأماني أو جهوداً مضنية فى الدعوة أو في البحث والتأليف بقدرما تمثل حقيقة هل تسير هذه الحركة فى ضوء المنهج الإسلامي أم أنها تمضي بعيداً عنه
إن قوانين الشرع لاتحابي أحداً أيا كان فهي لا تتبدل من أجل أحد أيا كان كما أن قوانين الكون لا تتغير محاباة لاحدولا تتبدل كذلك
وهنا مناط العظة والاعتبارأنه لا بد من الإلتزام بمفهوم الإسلام من خلال جماعة الحق التي تقوم بالمواجهة ضد نظم الكفر المحلي ممثلة فى العلمانية والحركات التى تسير فى طريقها لتحل محلها أو تنصرها أو ضد النظام العالمي ممثلا فى الصليبية والصهيونية العالمية
هنا تكون الشرعية وهنا يتحقق الإسلام واقعاً على الأرض يقيم الشهادة لا تلك الطرق المعوجة التى لا تصل بنا لا إلى الإسلام ولا إلى تطبيقة بل تصل بنا عبر مسيرة هذه الحركات إلى الجاهلية طالت الفترة أو قصرت وذلك وفق الظروف التى تحيط بالحركة وطبيعة المجتمع الذى تعيش فيه
وجزاكم الله كل خير


وتقبلوا تحيات
إخوانكم في :
مؤسسة الإعلامية
شبكة شموخ الإسلام
http://124.217.252.247/~shamikh/vb/
http://www.shamikh1.net/vb

No comments:

Post a Comment