Thursday, April 15, 2010

شبهة و الجواب عليها : هل ربا البنوك مختلف فيه والترخيص له ليس كفرا أكبر!

بسم الله الرحمن الرحيم
و به أستعين

الحمدلله كما ينبغي لجلال وجهه و عظيم سلطانه و الصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبدالله و على آله و صحبه أجمعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد..

تنتشر في أوساط طلبة العلم شبهة حول ربا البنوك مفادها أن الأوراق النقدية المعاصرة مختلف في ربويتها تبعا للخلاف القديم بين أهل العلم من الظاهرية النافين للقياس الذين يرون انحصار الربوية في الأصناف الستة (الذهب و الفضة و البر و الشعير و التمر و الملح) و يمنعون من قياس أصناف أخرى عليها خلافا لأهل القياس من مذاهب أهل العلم الذين يرون عدم انحصار الربوية في هذه الأصناف الستة و لكنهم أيضا يختلفون في تحديد علة الربا في كل صنف من هذه الأصناف و خاصة النقدين (الذهب و الفضة) فقد اختلفوا؛ هل علة الربا فيهما كونهما أثمان غالبة أو لعلة الوزن، و هل العلة فيهما علة قاصرة أو متعدية ..الخ، و لهذا فإن من أهل العلم المعاصرين من يرون عدم ربوية الأوراق النقدية بحجة أنه لا يجوز قياسها على الذهب و الفضة لاختلاف العلة أو لأنهم ينفون القياس جملة و تفصيلا..

و بناء على ما سبق؛ يحتج بعض المجادلين عن الطواغيت المرخصين للبنوك الربوية بأن هذا الترخيص ليس إباحة للحرام المجمع عليه فلا يكون كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان.. و يحلو لبعضهم أن يلزم من يكفرون المبيحين لربا البنوك أن يكفروا أيضا أهل العلم الذين لا يقولون بربوية الأوراق النقدية كبعض الحنابلة و الظاهرية، و قد يقول أحدهم محتجا : هل تكفرون ابن حزم الظاهري؟ .. و نحو هذا من المشاغبات..

الجواب على الشبهة :

و الجواب على هذه الشبهة سهل ميسر بحول الله و قوته تعالى، و ذلك بمعرفة الحقائق التالية:

أولا: الربا نوعان؛ ربا بيوع و ربا قروض.

ثانيا: بيان الفرق بينهما:

أ. ربا البيوع :
- ينقسم إلى ربا فضل و ربا نسيئة.
- هو النوع الذي وقع الخلاف فيه بين أهل الظاهر و أهل القياس و اختلف أهل القياس في بحث علة الربا في أصنافه.
- هو النوع الوارد في السنة، كما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى"، أخرجه مسلم.

ب. ربا القروض:
- هو كل قرض اشترطت فيه زيادة أو منفعة.
- هو ربا الديون، و ربا النسيئة، و هو ربا الجاهلية الوارد في القرآن، و هو الربا الذي توعد الله عليه بالحرب.
- يجري في جميع الأموال التي تقبل القرض و لا يقتصر على الأصناف الستة، ولا يبحث فيه عن علة.
- لم يختلف فيه، بل نقل الإجماع على تحريمه في كل شيء سواء الأصناف الستة و غيرها، و ممن نقل الإجماع ابن حزم الظاهري من نفاة القياس و كذلك المحققون من كل مذهب من المذاهب الفقهية المتبوعة من الحنفية و المالكية و الشافعية و الحنابلة بلا خلاف.


ثالثا: ربا البنوك يشمل النوعين معا، ربا البيوع و ربا القروض.. و لكن التعامل بالأوراق النقدية بيعا و شراء (الصرف) لا يشكل إلا نسبة ضئيلة من تعاملات البنوك فعلى فرض أن الربا لا يلحق بها من هذا الوجه (ربا البيوع)، فيبقى ربا القروض الذي هو أساس تربح البنوك و عليه اعتمادها بشكل شبه كامل.. فالودائع تسمى عندهم بالقرض الإنتاجي، و الاقتراض من البنك يسمى عندهم بالقرض الإستهلاكي.

رابعا: نقل إجماع العلماء على تحريم ربا القروض في كل شيء:

- قال ابن حزم الظاهري في كتابه المحلى :
"الربا لا يجوز في البيع والسلم، إلا في ستة أشياء فقط : في التمر، والقمح، والشعير، والملح، والذهب، والفضة، وهو في القرض في كل شيء، فلا يحل إقراض شيء ليرد إليك أقل، ولا أكثر، ولا من نوع آخر أصلا، لكن مثل ما أقرضت".
وقال: "وهذا مجمع عليه".
وقال: "وأما القرض فجائز في الأصناف التي ذكرنا وغيرها، وفي كل ما يتملك، ويحل إخراجه، عن الملك، ولا يدخل الربا فيه، إلا في وجه واحد فقط، وهو اشتراط أكثر مما أقرض، أو أقل مما أقرض، أو أجود مما أقرض، أو أدنى مما أقرض، وهذا مجمع عليه، وهو في الأصناف الستة منصوص عليه، كما أوردنا بأنه ربا ، وهو فيما عداها شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل".
وقال: "والقرض جائز في كل ما يحل تملكه وتمليكه بهبة أو غيرها سواء جاز بيعة أو لم يجز لأن القرض هو غير البيع، لأن البيع لا يجوز إلا بثمن، ويجوز بغير نوع ما بعت. ولا يجوز في القرض إلا رد مثل ما اقترض لا من سوى نوعه أصلا. ولا يحل أن يشترط ردا أكثر مما أخذ، ولا أقل، وهو ربا مفسوخ، ولا يحل اشتراط رد أفضل مما أخذ، ولا أدنى وهو ربا، ولا يجوز اشتراط نوع غير النوع الذي أخذ، ولا اشتراط أن يقضيه في موضع كذا، ولا اشتراط ضامن. برهان ذلك: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق). ولا خلاف في بطلان هذه الشروط التي ذكرنا في القرض".

ملاحظة: و إنما أكثرت من النقل عن ابن حزم رحمه الله خاصة لكي يتضح بجلاء أن ربا القروض لا يخالف فيه الظاهرية إجماع العلماء أنه يدخل في كل شيء سواء الأصناف الستة أو غيرها، بل هو رحمه الله أحد نقلة الإجماع في هذه المسألة!.

- قال الإمام مالك رحمه الله : "كل شيء أعطيته إلى أجل فرد إليك مثله وزيادة فهو ربا". المدونة: جامع القرض.

- قال ابن رشد الجد رحمه الله في مقدمته : "وأما الربا في النسيئة فيكون في الصنف الواحد وفي الصنفين، أما في الصنف الواحد فهو في كل شيء من جميع الأشياء، لا يجوز واحد باثنين من صنفه إلى أجل من جميع الأشياء".

- قال الموفق بن قدامة الحنبلي رحمه الله في المغني : "وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر : أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فاسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا".

- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى : "وليس له أن يشترط الزيادة عليه في جميع الأموال باتفاق العلماء".

- قال الشيخ يوسف الشبيلي -متخصص في الاقتصاد الإسلامي- : "الربا على نوعين ربا ديون وربا بيوع، أما ربا الديون فهو الربا الذي يكون محله في عقود المداينات والبيوع الآجلة والقروض، هذا النوع من الربا باتفاق الفقهاء لا خلاف بين العلماء المتقدمين والمتأخرين منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا، على أن هذا النوع من الربا يجري في جميع الأموال بلا استثناء، لا يُخصص منه مال دون مال، وانحكى الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم أوصلتهم في بحث لي كتبته عن الخدمات الاستثمارية في المصارف إلى أكثر من 15 عالماً ناقداً كلهم حكوا الإجماع... في ربا الديون، عندما نتكلم عن ربا الديون فهذا محل إجماع حتى الظاهرية الذين يقولون إن الربا البيوعي اللي فيه ستة أصناف هي التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عبادة بن الصامت لم يخالفوا في هذه المسألة، وحكى الإجماع ابن حزم وهو من أئمة الظاهرية، ممن حكى الإجماع شيخ الإسلام، ممن حكى الإجماع النووي، ممن حكى الإجماع القرطبي من المالكية، ممن حكى الإجماع أيضاً الكاساني من الحنفية، والنووي من الشافعية، ومن الحنابلة شيخ الإسلام ابن تيمية كل.. وابن قدامة كلهم حكوا الإجماع على أن ربا الديون ليس له أموال مخصوصة يجري في كل شيء، حتى قال بعضهم وهذه رويت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "حتى ولو كان من تراب"، فربا الديون إذا كان بقرض أو كان في زيادة في دين فهذا محله.. فهذا ليس له أموال مخصوصة وإنما يجري في كل شيء، ومما يدل على ذلك أن الربا الذي كان يجري عند العرب في الجاهلية لما نزل القرآن كان في الإبل.." اهـ. من لقاء حواري منشور على الشبكة.

إذن تحريم فوائد القرض ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ومعلوم من الدين بالضرورة.

و بهذا يتضح بجلاء سقوط هذه الشبهة و انهدامها من أساسها، فإن ربا البنوك إنما هو ربا قروض و هو محرم بإجماع أهل العلم من كل المذاهب من أهل القياس و الظاهرية بلا خلاف، و خلافهم المعروف كله إنما هو في ربا البيوع فقط.. فمن رخّص لهذه البنوك الربوية التي تتعامل بربا القروض فقد استحل المحرم المجمع عليه و هذا كفر ردة باتفاق الفقهاء. قال شيخ لإسلام ابن تيمية: "والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء" مجموع الفتاوى 3/267.

هذا، و الله أعلم و أحلم.

No comments:

Post a Comment