Saturday, April 17, 2010

دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية للشيخ أبي سعد العاملي

بسم الله الرحمن الرحيم



مؤسسة الإعلامية



:: تقـــدم
::







دورة علمية



للشيخ أبي سعد العاملي حفظه الله


بعنوان
/







دروس وعبر تربويةمن سيرة خير البرية




تمهيد

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات أكرمنا بهذا الدين العظيم ووفقنا لخدمته وعبادته ونشره بين الناس لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وهذا لعمري شرف نضحي من أجله بالغالي والنفيس، لنستحق مدح ربنا جل وعلا في قوله ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ[فصلت 33]، ولكي نقتفي أثر نبينا الكريم خاتم الأنبياء والمرسلين وقدوة الدعاة والمربين، الذي لم يشبع راحة ولا نوماً منذ نزل عليه الوحي، فقال قولته الشهيرة لأمنا خديجة رضي الله عنها، حينما طوى فراشه وقال: " لقد انتهى عهد النوم يا خديجة"، نعم ، وحل محله عهد اليقظة والحركة والتضحية والعطاء اللامحدود، لا إجازة ولا تقاعد حتى نلقى الله ونحن من الدعاة والعاملين.

نزولاً عند رغبة إخواني الأحبة وابتغاء أجر وثواب أنا في أشد الحاجة إليهما وطمعاً في المساهمة إلى جانب إخواني المشايخ في إثراء هذه الدورات الشرعية وتنويع موادها، ومحاولة التقريب من إخواننا الذين فرقتنا بهم المسافات والظروف الأمنية وحدود الطغاة وسدود الظالمين، سخر الله لنا هذه المنابر – وعلى رأسها شبكة الشموخ المباركة- لتكون صلة وصل بيننا وبين إخواننا في كل مكان، فقد حال بيننا الطغاة ونشروا أجهزتهم لإسكات صوت الحق ومحاولة إيقاف الدعوة، ولكنهم عبثاً يحاولون، فقد حاول ذلك أسلافهم من قبلهم فما زادت الدعوة إلا انتشاراً وصفاءاً في النفوس ورسوخاً في قلوب المؤمنين، وحتى في غياهب السجون لم ولن يستطيعوا إيقاف الدعوة لأن الله تعالى قد تكفل بها وسخر لعباده سبلاً شتى يتحرك من خلالها الدعاة ليصلوا إلى قلوب الناس قبل أسماعهم، فهذا دين الله وهو سبحانه حاميه ومبلغه، وما نحن إلا وسائل وأدوات يحقق بنا قدره ويتم بنا أمره.

ولا يظنن أحدنا أنه في معزل عن واجب الدعوة، فكل واحد منا ميسر لما خُلق له وله قسط من مسئولية الدعوة والتبليغ.

ونأمل أن تكون هذه الدروس من السيرة النبوية عوناً لنا على الطريق، وبمثابة محطات تزود دعوية وإيمانية، نقف فيها على أهم مراحل الدعوة النبوية، نستخلص ما يلزمنا من مواقف تربوية وعبر حركية، ليصحبها كل واحد منا – في موقعه ومحيطه – في مسيرته الإيمانية، سواء في مرحلة الدعوة أو الإعداد أو الجهاد.

فالذي يميز سيرة نبينا الكريم أنها شاملة وشافية وكافية ، وصالحة لأن تكون مثالاً ونموذجاً متجدداً لكل واقع ومحيط، ومن هنا ينبغي الإقبال على هذه الدراسة بتركيز خاص واهتمام فريد، قصد التعبد أولاً ثم كوسيلة لإيجاد الحلول لكل المعضلات التي نلقاها في الطريق، وكنزاً لا ينفذ من الدروس والعبر بإمكاننا استخلاصها إذا وفرنا عنصر الإخلاص في أنفسنا.

نشكر الإخوة الأحبة القائمين على هذا الصرح الإعلامي والدعوي المبارك " شبكة شموخ الإسلام" على جهودهم الطيبة في خدمة دينهم والتواصل مع إخوانهم قصد التعاون على البر والتقوى لنصرة الجهاد وخدمة المجاهدين في كل مكان. ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا خالص الأعمال ويجعلها في موازين حسناتنا، وليبلغ الشاهد الغائب منا، فرب مبلغ أوعى من سامع.
والحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على سينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



مقدمة

الحمد لله رب العالمين، الملك الحق المبين، رافع السماوات بغير عمد وخالق الأرضين، أرسل الرسل والنبيين ليكونوا حجة على العالمين، وشرف الأمة بخاتم النبيين والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله، هدى ورحمة للخلق أجمعين، فالصلاة والسلام على هذا الرسول الخاتم وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اهتدى بهديه وسار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد

فإن الله تعالى خلق الإنسان لحكمة بالغة لا يجهلها إلا غافل أو ضال، فقال عز من قائل ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[الذاريات 56]، ومن أجل بيان كيفية هذه العبادة أرسل رسلاً تتراً، مهمتهم ترشيد العباد وهدايتهم إلى صراط الله المستقيم ، وكلما مات نبي أو رسول أرسل الله تعالى من يتمم المهمة ويواصل الرحلة، حتى لا يكون عند الناس حجة على الله بعدم التبليغ.

كانت رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم جامعة شاملة وشافية، حيث نسخت كل الشرائع الأخرى التي سبقت، وأصبحت رسالته هي المقبولة والخاتمة، ومن يبتغي غيرها فهو من الخاسرين ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[آل عمران 85]، وبناء على ما تقدم فإن على أبناء الأمة الإسلامية أن يُقدِّروا هذا المقام العظيم لهذه الرسالة ولصاحبها عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ومن ثم التمسك بها ونشرها تكملة لمهمة النبي صلى الله عليه وسلم وامتثالاً لأمر الله تعالى بالتبليغ والدعوة {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}، وقوله عز وجل ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[النحل 125].

فرسالة الإسلام لم تمت بموت صاحبها الأول عليه أفضل الصلاة ولن تموت ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ[آل عمران 144]، قد تموت في قلب رجال آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، وحادوا عن نهج الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنها رسالة حية وأبدية، قد تكفل الله بحفظها، حينما حفظ كتابه ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[الحجر 9]، وحفظ سنة رسوله الكريم بحفظ أنصاره وتثبيتهم على النهج القويم، واستقامتهم على الأمر كما استقام نبينا الكريم وصحبه الكرام حتى لقوا الله تعالى وهو عنهم راض، وذلك بدليل قوله صلى الله عليه وسلم :" ‏لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ ". [صحيح مسلم] .

فالمطلوب من المسلمين عامة والدعاة خاصة أن يعودوا إلى سيرة نبيهم الكريم ليستقوا وينهلوا منها ما يلزمهم لإحياء هذا الدين من جديد، حتى يكملوا مهمة الرسول الكريم وصحبه الكرام في الدعوة إلى الله وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربهم الواحد الأحد.

ضرورة حتمية وليست مجرد اختيار، لنكون أو لا نكون، فالحياة الحقيقية والعزة والكرامة تكون بالعودة إلى ديننا والتمسك بسنة نبينا ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[الأنفال 24]، وبعدها نكون رحمة لغيرنا بما نقدمه لهم من مَثل أعلى ومُثل عليا، تأسياً برسول الرحمة ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ[الأنبياء 107]..

تلك هي الدوافع النبيلة التي دفعتني للوقوف على أهم مراحل حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، أسطر مواقف تربوية وأستخلص دروساً وعبراً، لعلها تكون نوراً لنا على الطريق وعوناً على تحمل ثقل الرسالة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، إنه تشريف وتكليف، تشريف لأمة هذا النبي العظيم وتأكيد على خيريتها واصطفائها من قبل الله عز وجل، وتكليف لها على تنفيذ هذه المهمة العظيمة ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ[آل عمران 110]، آية جمعت بين التكليف والتشريف، وينبغي أن تكون شعارنا في التحرك بهذا الدين، وتذكيراً لنا بتلك الرسالة التي حملها رسولنا الكريم، وما لاقى في سبيل تبليغها للعالمين.

نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا ويلهمنا الحكمة والصواب للوقوف على أهم الدروس والعبر في سيرة خير البشر، لعلها تنير لنا الطريق وتكون لنا عوناً لبلوغ المرام، إرضاء الله عز وجل وإحياء سنة نبيه الكريم، لننال بعد ذلك وبذلك تلك الرفعة الشريفة وذلك المقام الأعلى، الالتقاء بالأحبة، محمد وصحبه، في مقعد صدق، عند مليك مقتدر.


أهداف دراسة السيرة:

الحمد لله رب العالمين، رب المستضعفين وقاصم الجبارين، خلق فسوى وقدر فهدى، وأرسل رسوله بدين الحق والهدى، والصلاة والسلام على هذا الرسول العظيم، أرسله الله رحمة للعالمين، بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، أدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في الله حق جهاده، فالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد

ما هي الدوافع والدواعي لكتابة هذا البحث يا ترى؟ والساحة العلمية مليئة بالكتب والمؤلفات عن خاتم الأنبياء والمرسلين، سواء من السلف أو الخلف، فلم يتركوا جانباً من حياة هذا الرسول العظيم إلا غطوه بحثاً وتفصيلاً، فما الفائدة يا ترى من إضافة هذا البحث إلى هذا الزخم الوافر؟

للإجابة على السؤال أقول بأن ما كُتب وقيل في كتب السيرة كان سرداً تاريخياً للأحداث وتركيزاً على المحتوى أكثر منه تركيزاً على المبتغى، وهو الوقوف على ما وراء الحدث ذاته، ومحاولة استخلاص العبر والعظات، وأن ما كُتب في هذا المجال قليل ولم يوف له حقه المطلوب، حيث أن هناك مقالات وبحوث في هذا الاتجاه ولكنها لم تغط سيرة الحبيب بصورة كلية، إذا استثنينا ما كتبه الأخ الفاضل منير الغضبان في كتابيه " المنهج الحركي للسيرة النبوية" والمنهج التربوي للسيرة النبوية".

لقد عزمت أن أركز على الجانب التربوي والحركي في السيرة، على غرار ما كتبه سيد قطب رحمه الله في الظلال، وإن كان القياس مع الفارق، فليس هناك ثمة مقارنة بين الشهيد – نحسبه والله حسيبه – الشيخ سيد قطب وبين العبد الضعيف، فمجال المقارنة ليس وارداً، ولكنها محاولة مني لملئ ثغرة أراها تمثل أهمية كبيرة في حياة الأمة بعامة، وفي حياة الدعاة والعاملين بصفة خاصة.

كما أني ألبي رغبة الكثير من الإخوة، ألحوا علي بالقيام بهذه المهمة، وإني لأرجو أن أوفق فيها وإن كنت لست أهلاً لها، فالله أسأل أن يسدد على الحق قلمي وأن يرزقني الحكمة والسداد فيما سأكتب، فالمهمة ثقيلة والأمانة عظيمة، والزاد قليل، أسأل الله أن يبارك فيه وينفع به، وما هي إلا أفكار ورؤوس أقلام للقراء الأعزة الكرام، فسيرة الحبيب المصطفى لا يمكن أن نحيطها من جميع جوانبها مهما حاولنا، ففي كل قراءة يستخرج المؤمن دروساً وعبراً جديدة، ويكتشف كنوزاً من المعرفة، وكثيراً من العظات تصلح لأن تكون برنامج عمل لإحياء هذا الدين والسعي إلى نصرته، والفوز برضا الله وبلوغ الغاية العظمى في حياة كل مسلم، ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ[آل عمران 185]، فمن أجلها جميعاً نعمل ونكدح، وحولها ندندن، لعل الله يرحمنا ويبلغنا ما نصبو إليه، إنه هو الغفور الرحيم، وبالإجابة قدير.

أما الأهداف المباشرة التي نتوخاها وراء دراستنا للسيرة النبوية، فهي كالتالي:

1- فهم الدين

لقد تكفل الله تعالى بحفظ هذا الدين، وذلك بحفظ كتابه الكريم من التحريف والضياع ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[الحجر 9]، ومهما حاول الأعداء المس بهذا الكتاب فلن يستطيعوا، فالله حافظه وحاميه، ويحمي معه سنة نبيه الكريم، إذ أن السنة النبوية تفسير عملي لكتاب الله، بدليل حديث أمنا عائشة رضي الله عنها حينما سئلت عن خلق رسول الله فقالت: كان خلقه القرآن.

فلا يمكن فهم دين الله إلا إذا رجعنا إلى سيرة النبي عليه الصلاة والسلام لدراستها بتأن وتركيز، والبحث في طياتها عن التوجيهات والتفسير العملي لكتاب الله عز وجل، فالسيرة النبوية فيها الدليل القولي والعملي والتقريري لنصوص الكتاب.

كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر قدوة ومثلاً أعلى لكل المسلمين، ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا[الأحزاب 21]، فكيف يا ترى يمكن إتباع قدوة ونحن لا نعلم عن سيرته شيئاً، أو نكتفي بشذرات لا تسمن ولا تغني من جوع.؟؟
وكيف نريد أن نفوز بالجنة ونرجو رحمة الله والآخرة، إذا أهملنا سنة نبينا وسيرته، واتبعنا سير الرجال وسرنا وراء الأهواء ؟

2- حب الله ورسوله

المؤمن يسعى أن يكون محبوباً عند الله، وهو دليل رضا وقبول للعمل، وكل ما نقوم به من أعمال إنما هو لكسب هذه المحبة، وتتحقق بالأعمال الصالحة والانتهاء عن المعاصي والذنوب، وأقصر الطرق لتحقيق ذلك هو إتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[آل عمران 31]، فحب الله يقتضي حب نبيه، وحب النبي يقتضي بدوره إتباعه وطاعته.

كما أنه لا يتم إيمان المسلم إلا إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه وولده والناس أجمعين، وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه المشهور في هذا المقام أفضل دليل على هذا، أن عمر بن الخطاب قال للنبي صلى الله عليه وسلم : " لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي . فقال : لا والذي نفسي بيده , حتى أكون أحب إليك من نفسك . فقال له عمر : فإنك الآن والله أحب إلي من نفسي . فقال : الآن يا عمر "
] المصنف / الأيمان والنذور [ .

هذا فضلاً عن تفضيل أمر النبي وتسبيقه على أمر غيره وعلى أهوائنا، حيث قال عليه الصلاة والسلام: " لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ " ] حديث حسن [.

فحب رسول الله ليس أمراً زائداً أو فرعياً بل هو من أصل الدين ومن أوجب الواجبات في الإسلام، وعليه فإننا مطالبون بالتعرف على هذا النبي الكريم ومحاولة تقليده وإتباع خطواته خطوة خطوة، وحذو القذة بالقذة، ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التفصيلية لسيرته الطاهرة. فكيف يمكن يا ترى أن تقلد شخصاً وأنت تجهل عنه كل شيء ؟ أم كيف يمكن أن تحبه وأنت لا تجهل ملكاته وميزاته ؟

3- قبول العمل

لكي يكون العمل مقبولاً شرعاً لابد من توفير شرطين أساسيين: أولاهما: الإخلاص لله عز وجل وتجريده من كل رياء وسمعة، وثانيهما: متابعة النبي صلى الله عليه وسلم.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ[الأنفال 30]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ[النساء 59]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[الأنفال 24].

وقد ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى ؟ قَالَ : مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى " ] صحيح البخاري [.
وطاعة رسول الله تعني ضمان قبول العمل من الله عز وجل، ومن ثم الفوز بالجنة والنجاة من النار، وهذا لا يمكن أن يتم إلا إذا عرفنا سنته ودرسنا سيرته.

ودراسة السيرة لا تكون كما تعودنا بحفظ الأحداث وسردها في المجالس دون الوصول إلى جوهر الأمر وهو التطبيق العملي لهذه السيرة في الواقع الذي نتحرك فيه، ولابد أن تكون دافعاً قوياً لكل مسلم وموحد بأن يبحث عن الظروف اللازمة ليعيش سيرة نبيه في حياته اليومية، مع إخوانه وخصومه، في حله وترحاله، في سلمه وحربه، بل ينبغي أن يسعى إلى خلق تلك الأجواء – إن لم توجد – وسط تجمع إيماني يجد فيه ضالته، ولا يكتفي بالعيش وحيداً فريداً فإن ذلك مهلكة أي مهلكة ومفسدة أي مفسدة حتى لو كان يحفظ المتون ويناطح السحاب بما يحمله من علوم.


4- نصرة الدين

مهمة المسلم هو الإيمان والعمل بهذا الدين، والعمل به يتجسد في تطبيقه وتجسيده على أرض الواقع وفي المحيط الذي يتحرك فيه المسلم، فإيمان بدون عمل لا قيمة له، كما أن عملاً بدون صواب لا وزن له ولا اعتبار، ولا يمكن أن يؤتي ثماره المرجوة، بمعنى آخر لابد من توفر عنصري الإخلاص والمتابعة، فالإخلاص يدفع صاحب الإيمان إلى العمل والمتابعة تضمن صحة وصواب هذا العمل لكي يكون مقبولاً عند الله ويؤتي ثماره في دنيا الناس.

وأسمى ما يتمناه المسلم هو أن يشارك في نصرة هذا الدين، وإعلاء كلمة الله تعالى، لتكون هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.

من أجل هذا أرسل الله الرسل وبعث الأنبياء، وأنزل الكتب، وقد اختلف الناس كثيراً في الطرق المؤدية إلى هذا النصر والتمكين لدين الله، ولهذا وجب الرجوع إلى دراسة متأنية ومركزة ومخلصة لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، لنقف على أهم المحطات في هذه المسيرة التغييرية، ونكتشف الوسائل الشرعية التي استعملها رسول الله لتحقيق هذا النصر، وكذلك كيفية التعامل مع أنصاره وأعدائه خلال عملية التغيير هذه.

فالدين ليس بالأهواء والابتداع، ولكن بالإخلاص والإتباع، ومن يريد نصرة هذا الدين فإن عليه أن ينسلخ من أهوائه، فلا مجال للإجتهاد مع النصوص الشرعية القاطعة، ولا يمكن تقديم المصالح المرسلة على الأصول الثابتة، ولا مصلحة الفرد أو الجماعة على مصلحة الدين والعقيدة.

إن من يريد نصرة دين الله، عليه- إبتداء- أن ينصر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإتباع سيرته، وجعلها قدوة ومرجعاً في تحركاته وسكناته، لا جسراً للعبور لتحقيق مصالحه الذاتية.

هذه بعض الأهداف التي نتوخاها وراء إقبالنا على هذه الدراسة، والتي ستكون زاداً على الطريق لكل العاملين، ونبراساً لكل المخلصين والمتشوقين إلى غد إسلامي مشرق، يُؤمر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المنكر، وتعود الأمة إلى دورها الحقيق كما أرادها الله ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... ] آل عمران 110 [ ، يومٌ نراه قريباً وإن رآه أعداؤنا بعيداً ، لأننا نرى بنور الله ولنا اليقين في وعد الله تعالى لعباده بالنصر والتمكين ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ . [النور 55]


أود أن أنبه إخواني وأنصحهم بأن هذه الحلقات عبارة عن أفكار ومقدمات لفهم السيرة ومجرد وسيلة لفتح باب العمل بها، وسوف يكتشف الإخوة المربون والدعاة والعاملون بهذا الدين هذه الحقيقة جلياً، كما أنصحهم بأن يتدارسوها بشكل جماعي قصد فتح باب النقاش على مصراعيه، وأن يضعوا أنفسهم موضع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن القرآن يتنزل عليهم من جديد، أو كأن الرسول عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم لكي نقرأ ما وراء السطور ونغطس عميقاً للوقوف على أسرار هذه السيرة العظيمة.

نسأل الله أن يوفقنا لإخراج هذا البحث، الذي لا نريد به سوى وجهه، ونصرة دينه وإحياء سنة نبيه، فالله الموفق وهو يهدي السبيل، والحمد لله رب العالمين.


أخوكم المحب أبو سعد العاملي

No comments:

Post a Comment