Friday, April 30, 2010

الدروس المستفادة من مقتل القادة للشيخ حسين بن محمود 10 جمادى الأولى 1431هـ

بسم الله الرحمن الرحيم



الدروس المستفادة من مقتل القادة



الحمد لله الذي يتّخذ من المؤمنين شهداء يصطفيهم من بين خلقه ليُعلي منزلتهم على ما بذلوه من دمائهم في سبيل دينهم .. ثم الصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيّد الأنام (جد البغدادي) محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي وعلى آله وصحبه .. أما بعد ..

حقاً : بيننا وبينهم الجنائز ..

كم ملِك هلك ، وكم أمير ترك خلفه ما ملَك ، وكم سلطان سكن القبور ، وكم وكم ممن ملكوا الدنيا وتقلبوا في نعيمها وتبذّخوا في زخرفها : نسيَهم الناس وطووا صفحات ذكراهم ، فلا يخطرون لهم على بال ، ولا يُدرجونهم في مقال ، ولا يلتفتون إلى ما آلوا إليه من مآل !!

إن هذه الأمة شهيدة على الناس ، ونعني بالأمة : صالحيها من العبّاد الزاهدين والعلماء العاملين الذين يقومون الليل ويصومون النهار ، ويسجدون لله في الأسحار ، والذين يعفّرون وجوههم بالتراب ومناخرهم بالغبار في سبيل القاهر الوهّاب ، هؤلاء هم الشهداء على الناس ، هؤلاء هم الذين تُقبل شهادتهم في العبيد عند خالقهم ، فمن شهدوا له بالصلاح في الحياة وسألوا له الرحمة والمغفرة في الممات : فهو الصادق الذي جعل الله له القبول في الأرض ليحبّه المؤمنون ويُبغضه الكافرون والمنافقون {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} (الفتح : 29) .. من رقص الكفار طرباً لموته ، وسكب المسلمون الدموع حزناً على فراقه ، هو الذين ضرب الله به المثل في التوراة والإنجيل والقرآن ، هؤلاء هم أتباع الأنبياء ..

في مثل هذه الأوقات العصيبة : تكون الحيرة ، وتشتد الصّدمة ، ويقف القلم ، ويتثاقل اللسان ، ويسكن العقل ، ويجول الخاطر ، ويغيب الذهن ، ويشرد الفكر ، وتتلاشى العزيمة ، وتتناثر الهمّة ، وتضعف الرجل عن حِملها ، وتُظلِم شمس الضحى ، وتجفّ منابع المُقل ، ويبعُد عن الناس الأمل ..

في مثل هذه الأوقات العصيبة ... تظهر بارقة أمل !!

لعلي أُخبر عن نفسي قبل أن أخوض في الحديث عن غيري ..

لم تدمع عيني ولم أبكي لمقتل القائدين ، كيف تدمع عيني وأنا أطمع أن يكونا ممن قال الله فيهم {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران : 169-171) ، إني أطمع أنهما الآن أحياء ولكننا لا نشعر لأنها حياة غير هذه الحياة {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ} (البقرة : 154) .. إن حبي لهما جلب الحزن عليهما ولكنّ طمعي في فضل ربي عليهما حبس دمعي وأسكن صدري لاعتقادي بأنهما صدقا ربهما وقضيا نحبهما فلم يبدّلا ولم يغيّرا ولم يخونا الأمانة ولم يخلفا العهد والوعد الذي قطعاه على أنفسهما للأمة ..

لعل البعض يعجب من هذا القول ، وهو عجيب حتى على عقلي ، ولكنه شعور وإحساس خالجني عندما قرأت خبر مقتلهما رحمها الله وتقبّلهما في الشهداء .. شعرت بأنهما الآن في مكان لا يدانيه مكان ، وجوار لا يدانيه جوار ، وحال لا يباريه حال ، وذلك أنهما قاتلا بأنفسهما وأموالهما العدو احتساباً (نحسب ذلك ولا نزكّيهما على الله) حتى قُتلا ، وقد جاء عند الحاكم وأحمد "القتل ثلاثة : رجل جاهد بنفسه وماله فى سبيل الله حتى إذا لقى العدو قاتلهم حتى يقتل فذاك الشهيد المفتخر فى خيمة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة" (صححه الحاكم) ، وعند أحمد والطبراني " أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة يضحك إليهم ربك فإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه" (صححه الألباني) ، نسأل الله من فضله ..

لعل البعض يعجب من العنوان ، ويسأل : كيف تكون استفادة من مقتل القادة !! كيف نبحث عن فائدة وسط هذا الركام والحطام الذي خلّفه هذا الخبر العظيم والخطب الجليل !! لعل البعض يسأل هذا السؤال !! وهو سؤال في محله ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلّم أخبرنا غير هذا الخبر فقال : "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كلّه له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن : إن أصابته سرّاء شكر وكان خيرا له ، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له" (صحيح : صحيح الجامع) ، ونحن نقتفي أثر المؤمنين .. ‌


ما هي الدروس المستفادة ؟!

بعد إعلان الرافضة (شيعة آل البيت الأبيض) والأمريكان خبر مقتل القائدين ، عمدتُ إلى تتبع وسائل الإعلام وأقوال الخبراء والمتابعين ، وتصفحت الشبكة ودخلت المنتديات وقرأت الآراء والتحاليل والتعليقات ، ثم بعد كل هذا خرجت ببعض الأمور التي ربما تغيب عن البعض نتيجة زخم الأحداث المتسارعة ..

الدرس الأول : عند بداية إعلان الخبر : لم يصدّق الناس (من المسلمين وغيرهم) كلام المالكي ، واستنكر الجميع إعلانه .. ولما أعلنت القوات الأمريكية تأكيد الخبر ، بات الناس في شك كبير ، وأكثرهم كان يكذّب الخبر ، فموقف الناس هذا يدل على فقدان الأعداء للمصداقية عند الأغلبية الساحقة من الجماهير الموالية – والمعادية - للمسلمين ، وهذه نقطة خطيرة جليلة ينبغي استغلالها من قِبل المجاهدين وأنصارهم ..

الدرس الثاني : لما أعلن المجاهدون الخبر : تأكّد أكثر الناس من صحّته ، وسلّموا بالأمر ، وأعلنت وسائل الإعلام بلا تحفّظ خبر مقتل الرجلين ، وهذا يدل على نصر كبير للإعلام الجهادي ، وللمصداقية التي يتمتّع بها المجاهدون مقارنة بأعدائهم الكفار ، وهو نصر إعلامي يدل على حنكة وذكاء هذه الثلة المجاهدة التي لا تملك من الإمكانيات المادية شيء يذكر إذا ما قيست بما عند العدو ..

الدرس الثالث : من قرأ بيان وزارة الهيئات الشرعية لدولة العراق الإسلامية يستشف منه مدى الوعي الكبير الذي يتمتّع به المجاهدون في العراق ، خاصة الفقرة التالية : "إمارة الدّولة الإسلامية في العراق بإذن الله قد صارت إلى أيدٍ قويّة أمينة، واُحكم بفضل الله أمرها، ولن يؤتى الإسلام بإذن الله من قِبلنا، فقد تحسّب الشيخان رحمهما الله ومجلس شورى الدّولة لهذا اليوم جيداً، وأعدّوا له عدّته وحسموا من قبلُ أمره" ، فهذه الفقرة تدل على بعد نظر ، وقراءة للماضي بقلبٍ واعٍ مُدرك لخطورة المرحلة القادمة ، فالقادة لم يتركوا الأمر إلا بعد أن أحكموا بنيانه وشيّدوا أركانه ، فلله درّهم ..

الدرس الرابع : إن المتابع لتعليقات وتعقيبات أنصار الجهاد يجد الوعي الكبير لطبيعة الصراع ، ويستشفّ حجم الدراية التي يتمتّع بها هؤلاء الشباب الذين أيقنوا بأن المعركة ليست متعلّقة برجال بعينهم ، بل هو أمر هذه الأمة ، وإنما الرجال لبنات يُبنى بها صرح هذا الدين الشامخ ، ومثل هذا الوعي لا يتأتّى للدول إلا ببذل كرائم الأموال والأوقات والجهود ، فسبحان من يعطي بغير حساب ، وله الحمد والمنّة ..

الدرس الخامس : يلاحظ المتابع للمقالات والبيانات قُربَنا من عهد الفسطاطين ، فقبل سنوات : كان البعض يُظهر حزنه المصطنع على من قضى من قادة الجهاد إرضاءً للجماهير ، أما الآن ، فقد ظهر النفاق واشرأبّت أعناق أناس كانوا بالأمس يتملّقون العوام لبعض المكاسب ، فأصبحوا اليوم يُعلنون ارتياحهم وسرورهم لمقتل قادة الجهاد على أيدي النصارى والمرتدين .. ومعرفة أهل النفاق مكسب كبير ، وذلك أن خطرهم على الأمة عظيم ، ويصعب على كثير من الناس معرفة حالهم ، فلله در البغدادي الذي قتلهم حياً وفضحهم ميّتا ..

الدرس السادس : ظهرت رباطة جأش المجاهدين ، والتزامهم بدورهم وأعمالهم المنوطة بهم ، فقد كانت هناك عمليات عسكرية للمجاهدين قبل مقتل القائدين ، وفي يوم موتهما ، وبعد ذلك اليوم وإلى الآن ، فالعمليات لم تتوقف ، فالكل يعرف دوره ويؤديه على أتم وجه ، فمقتل القادة لم يؤثر على المجاهدين ، والمتتبع للتاريخ القديم والحديث يعلم بأن مقتل قائد الجيش يكون من أعظم أسباب الهزيمة ، ولكن المجاهدون في العراق لقّنوا العالم درساً في رباطة الجأش ، وقوة الإرادة ، وصدق العزيمة ، وهذا في حد ذاته إرهاب للعدو ، وتثبيط له ، وتفتيت لعزيمته ، وخلط لأوراقه ..

الدرس السابع : قلة قليلة جداً من أنصار الجهاد خرجوا عن طور الثبات وتحكيم العقل إلى ساحة الغضب وسهْل الغيظ فأطلقوا العنان لسهام الكلام في وجه بعض المنافقين والمندسين الذين أظهروا السرور بمقتل قادة المجاهدين ، أما البقية الباقية من الأنصار فما زادوا على أن استرجعوا وترحّموا على الرجلين في رباطة جأش عجيبة تحكي طبيعة النضج الذي وصل إليه هؤلاء الأفذاذ ..

الدرس الثامن : إن الطريقة التي قُتل بها القادة تدل على جبن وعجز الرافضة والأمريكان عن مواجهة أهل الإيمان ، ولا نشك بأن رواية الرافضة غير صحيحة ، فهم لو علموا بأن الرجلان موجودان في ذلك المكان لجمعوا قواتهم وجهّزوا معداتهم وطلبوا امدادات عسكرية من ولايات أخرى فضلاً عن سلاح الجو والمدفعية ، كل هذا قبل خوض المعركة ، ولا يصدّق عاقل بأن الرافضة يشتبكون ابتداءً بقادة الجهاد ، فهم أجبن من ذلك وأحقر .. الحادثة تدل على ضعف الإستخبارات الأمريكية والرافضية التي تملك من المعدات والأفراد والدعم المادي ما لا يعلمه إلا الله ، وهم طوال هذه السنين يبحثون عن قادة الجهاد الذين يتجولون بينهم ويمرون من خلال صفوفهم ، فلم يقتلوا قائداً بترصّد أو بالرصاص ، إنما كل عملياتهم كانت بقضاء الله وقدره دون علمهم بطبيعة الأهداف إلا بعد أن يقصفوا البيوت من بعيد بالطائرات ويقتلوا من في تلك المنطقة عن بكرة أبيهم ، عندها يفتشون بين الأنقاض عن بعض الجثث علّهم يجدون ما يغسلون به سواد وجوههم ..
ولنا هنا عتاب على المجاهدين : كيف يجتمع القائد العام ونائبه في مكان واحد !! لعل الإخوة – حفظهم الله – يراجعون هذا الأمر ويأخذون بالأسباب ، إن خطر مثل هذا الفعل لا يخفى على المجاهدين حفظهم الله ورعاهم ونصرهم ..

الدرس التاسع : وهو في الحقيقة بشرى لمحبي البغدادي حفظه الله ، فلعل الذي كنا نسمع به ، ولا يعرفه أكثرنا ، نعرفه الآن من خلال قيام بعض المجاهدين بسرد سيرته العطرة ليسجلها التأريخ على صفحاته البيضاء بمداد النور فتشع للأجيال القادمة لتذكّرها بتضحيات جيل الجهاد الذي حارب الدنيا التي تكالبت عليه : فشتت شملها وأطاش سهامها ودمّر أركانها ودوّخ أقطابها واضطرّها لتغيير جميع المقاييس والحسابات السالفة للحروب الغابرة ..
لقد عرفناه قائداً فذاً وأسداً هصوراً وخطيباً مفوّهاً ومحارباً مغوارا ، باسم الثغر في وجه الردى ، مقبل الوجه على أدبار العدا ، مرهباً مرعباً شديد البأس رابط الجأش كأن قلبه قُد من حديد .. والآن : آن الأوان لكي نعرف البغدادي الإنسان ..

الدرس العاشر : إن قادة الجهاد ضربوا للناس دروساً في التضحية تحكي حال سلف الأمة ورجالها ، أولئك السلف الذين كانوا يتقدمون الصفوف في ساحات المعارك فلا يخوضها عنهم أحد بالنيابة .. انظروا إلى قادة أمريكا وأوروبا كيف تركوا شعوبهم يُقتّلون على أيدي المجاهدين في العراق وأفغانستان بينما هم في قصورهم وفي بلادهم آمنين ، وانظروا إلى اليهود في فلسطين كيف يختبئ قادتهم عند كل معركة ، وانظروا إلى قادة الأرض قاطبة عند كل نازلة لتعلموا أن قيادة المجاهدين فريدة من نوعها في هذا الزمان ..
من أراد أن يثأر لقادة الجهاد من قادة الرافضة فإنه لا يبحث عنهم في بغداد أو البصرة ، بل ينبغي له أن يبحث في بريطانيا وفرنسا ودبي وإيران وغيرها من البلاد ، فهؤلاء ليسوا في العراق ، وإنما يأتون إلى بغداد للتصوير ثم يغادرونها بحراسة أمريكية أو بريطانية أو إيرانية مشدّدة ، وكل أهاليهم وقراباتهم خارج العراق ، حتى بعض اللقاءات تُصوّر خارج العراق ثم تُبثّ على أنها من العراق !!


هذه بعض الفوائد والدروس المستفادة من هذه النازلة ... وهي دروس تحكي تقدّم الأمة نحو هدفها بخطى ثابتة ، وعلى أكتاف رجال حملوا الأمانة بصدق وعزيمة وهمّة عالية ، فأدوها إلى من بعدهم ولم ينقصوا منها ، وهي الآن أمانة في أعناقنا ، وتحتاج إلى أكتافنا وعزائمنا ، فهل نكون على قدر المسؤولية كما كان من سبقنا !!

هل نتأخّر ، أم نسبق من كان قبلنا !!

نسأل الله أن يعيننا على أداء الأمانة وحملها على أتم وجه حتى نلقاه وهو راضٍ عنا ..


والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..


كتبه
حسين بن محمود
10 جمادى الأولى 1431هـ

No comments:

Post a Comment